حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

سيمياء التمائم

(هناك تورية كبيرة وغموض يكتنف العالم السري الذي يعيش في الظل.. بل انه عالم آخر يضحك من عقولنا.. دون أن نفكك ماهية وجوده المختبئ في الأماكن القصية من المشهد الظاهر.. انه عالم يعيش في ظلام الأمكنة المسكوت عنها أو تلك المنسية تحت الإبط أو في تلافيف الملابس أو عند البطن أو الجيد الفتي.. إن ذلك العالم الذي يلازمنا كظلنا يعتقد انه هو الذي يسيرنا تحت لجة رغباته وتكتمه الشديد على عدم الظهور الى العلن، تورية محضة أدواتها التمائم والحروز والرقى وقرون الغزال وأنياب الفيلة وعظمة الافعى او الهدهد او القنافذ وشحم الخنزير وحدوة الحصان وخرزة الهبهاب ممزوجة بأبخرة نباتات غريبة، إنها تعمل منفردة حين تشح السبل الى النجاة وطرائق الخلاص لتؤدي مسعى معيناً، وتجتمع في تسيير دفة العالم باتجاه خفي وتورية عظيمة، لا تفك أسرارها بسهولة. إلا إنها تبقى محاولة لتهجي الخطى السيميائية قبل وأدها.
(.. ه.. ه.. لا.. ه حزره بدره منحوسه.. بنت الصالح ابن الصالح مدروكه متروكة الى يوم الدين).
ذلك مقطع من تميمة قد انتهى مفعولها السري، واستبيحت كلماتها.. التي لفّت بإتقان ثم وضعت بقطعة قماش بيضاء وغيرها خضراء، ولفها ظلام ورطوبة كيس من جلد كبش مدبوغ تفوح منه رائحة مبهمة.
والتمائم هي العوذة التي تعلق تحت الإبط لطفل يعاني حرقة التبول الدموي أو في الرقبة لغيره المسعول أو تحت لبّة الصدر لطرد عين الشر، وتحت الملابس الداخلية لتطفو بالصبي قبل غرقه في الترعة أيام نيسان ومايس من كل عام.. وقيل هي الخرزة.. وقيل هي اللقية المحروسة..
وان اعتاها تلك التي دُبجت عن عجائز بدو أبى غار، من اعتى الحروز التي تحفظ الطفل الوحيد لامه أو لحفظ المال او لجريان الجداول العمياء..
من فلسفة ووصايا المحرزين:
الابتعاد عن النجاسة وبعكسه بطلان مفعول (العمل) أو انقلاب مادته الى الضد الشديد..
- إعطاء اسم ألام كاملا لحامله وعامله وتاريخ تولدها.
- التروي من فعل الشر وعمله.. والتمهل في فعل الدسيسة والمكر..
- كتم السر، واخفاء مكان الحرز تحت أسرة النوم وبمكان بعيد لا تصله يد العابث من الأطفال أو القارضات السود.
من متن القص:
كنا ثلاثة شياطين صغار، نبحث في كل اللفائف والصرر العتيقة داخل بيوتنا الطينية.. كنا كما تقول امهاتنا إن سرتنا أو حبل المشيمة السري قد قطع ولف بإتقان في خرقة نظيفة ثم أوصت الجدة التي سحبت بقايانا من اجواف امهاتنا.. أن تقذف في السر داخل اسيجة المدارس للحؤول دون ضياعنا وتسربلنا في التيه.. أنا وصحبتي بعيدا عن جوف المدارس التي عانينا من قساوة معلميها وتبجحهم وهم يتبخترون كالطواويس ببذلاتهم المقلمة في بداية الصيف أيام الامتحانات وعسرتها.. لذلك قد ملأنا الرحلات الدراسية بولا قد خر الى سبورة المعلم..
كنا ثلاثة صبيان نعبث بأسرار امهاتنا ونخرجها الى النور.. لقد استطاعت أيدينا الصغيرة تلك أن تصل الى الحجب السرية، وتحت ظل البيوت في قيظ الظهيرة استطعنا الحصول على سررنا المخفية لبداية العام الدراسي القادم لتدفن في ساحتها.. وغير ذلك استطعنا جلب التمائم المضمومة تحت الأسرّة وبين تلافيف الأغطية لنفتش عن المسكوت عنه.. عن أسرار بيوتنا وأمهاتنا العجيبة.. تمائم لا اذكر تفاصيلها وخطوطها الملتوية.. أما صحبتي فقد انشطروا الى فريقين.. الفريق الأول ودع الحياة مبكرا، قد أعطته الحرب درسا في الموت المجاني.. إذ تشظى جسده في حجابات الحرب.. الحجابات التي ضيّعتُ صيغة مفردها، راح الفريق الأول مغلوبا على أمره كما الأوليين والقادمين، اخذ سرّه معه الى الحرب والقبر، فمن الطبيعي كما تدعي الأمهات أن يتشظى هناك، أما الفريق الآخر فقد غاب ولم يعد ليومنا هذا.. وقد اختلفت الروايات في غيبته، فالبعض قال انه هرب خارج الحدود ومات في المنافي البعيدة، والبعض الآخر قال انه اعتقل ومن ثم لقنه الموت المجاني الذي يلفنا درسا في استباحة دمه، لم تنفع مع شراسته لفة الحرز المضموّم تحت الإبط.. راح الفريق الثاني لانه لم يعتن بسره او يدفنه في ساحة المدرسة قرب ملعب كرة السلة الشاهقة كما الفريق الأول، بل أضاعه في التراب او في وحل الهزيمة الصبيانية التي كنا مغلوبين فيها دائما، ومن الطبيعي كذلك أن يتسربل في موت معتق.. أما أنا فلم أمت وقد استطعت الحفاظ على رقبتي الى ساعة كتابة هذه السطور.. أو أستطيع أن أقول إن سرّي الذي لم أضعه طيلة ما حييت مازال راقدا في مكان أمين اقلبه مثل مسبحة عتيقة كلما ضاقت بي الدنيا..
حول لغة التميمة:

أما تمائم امهاتنا فلم يبق منها سوى حواريات غائمة.. لم استطع الى اللحظة أن أفك لغتها مستعينا بالمناهج الحديثة في فك تراكيب لغة خليطة من رسوم وحروف وشبابيك وتصنيف حوارياتها المتشابكة وسر أشكال حروفها التي تتموضع بأشكال دفاعية بعد السطر الأول.. فهي نتف من أرقام غير دالة وشبابيك لا تفضي إلا الى الفراغ وأفاع مبتورة الذنب ونونات مقلوبة ودوائر بذيل متعرج، وكان الحرف مختزلا الى الشكل الذي يبدو فيه شحيحا مثل ذؤابة لهب آيلة الى العدم، غير إن ذلك الاختزال يؤسس الى مركز تكرار الحرف ورقميه المتجاورين في دوامة خرقاء تؤدي الى متاهة غير منتهية..
وغير هذا وذاك استطعت بمجهود استثنائي الوقوف الفردي والمنجز المتواضع في الإحاطة غير الكافية في سرية لغة الحروز، مستعينا بثلاثة نماذج مختلفة ومتنوعة المصادر، استطعت الحصول عليها بمساعدة بعض نساء الحي الذي أعيش واموت فيه.. أن احصل على ثلاثة مصادر لوثائق سرية غاية في الخطورة عن الحروز وماهية تأثيرها السحري واستجابة القوى الخفية لارادتهما..
كان الحرز الأول قد جلب لي من قرية نائية على ضفاف صحراء الجنوب.. هناك بعض جماعات شهيرة في (عمل) الحروز مهما تعددت أغراضه وتأثيراته يأتي دفعة واحدة ومفعوله يعطي ثمارا سريعة.. وكانت النونات المقلوبة تدل على انه عمل لمحبة.. وقد اختفت الأفاعي مما يؤكد ما ذهبنا اليه من دالات تتموضع في كوز الماء.
والثاني جلبته النسوة لي من منطقة الركشة، من عجوز عمياء تستطيع توجيه دفة العالم المتكبر من إصبعها المعفر برماد التنور، ولها القدرة على اشفاء المرضى . وذلك تكثر فيه الأفاعي مبتورة الذنب بعد السطر الأول وفيه ثلاث نوافذ تفضي الى الفراغ.. وهذه دالة الاستشفاء او الاحتماء من كيد نساء العمل السري. وليس فيه أي اثر لنونات مقلوبة.
أما الثالث فقد حصلت عليه من رجل صالح في سوق الشيوخ يعيش منفردا في بيت طيني على ضفة الفرات، وهو شهير بصناعة الحرز ذي الوصفة السحرية على إعادة الحبيب الى حضن حبيبته مهما تعددت الصعوبات، ويستطيع أن يرزق حامله برزق ممدود لا ينتهي ولا ينضب.. وتكثر فيه الدوائر والمنحنيات المغلقة بزوائد قصيرة، دلت على هجرة الحبيب وضياع أخباره..
في العمق باستخدام المفك:

الحرز كما جاء عند الرازي في إصحاحه هو الموضع الحصين.. إذ يقال هذا (حرز حريز) ويسمى التعويذ حرزا، واحترز منه أي توقاه..
والحرز تميمة أو لقية وصاحبه المستلقي وهو الحجية من السر الملفوف في بطن خرقة اخيطت في كيس جلدي من كبش مذكور على شكل محفظة جلدية يقي مادته من فواعل الزمن.. توضع في مكان من الجسم المريض او تلك التي تبعد عنها العين والنفس الشريرة..
وفيما تتكور وتلتف المقاطع الحرفية الى عقد ومشبكات ورسوم دالة وسهام متوثبة عند البابليين، فهي شبابيك ونوافذ لا تطل لدى الآشوريين والكلدانين، وكذا هي لدى السومريين أحجية من حجر فيروزي تأخذ منحى الجرس الصوتي للكلمة المحذورة، وهي في الريف بعض إدغام من كلمات من بسملات وحوقلات وتكبيرات سبع واستغفارات ثلاثة، تنتهي بماء قد قرأت عليه إحدى الصالحات أو الصالحين.. وهو قصاصة ورق ابيض محروقة الطرف أو بدون الحرق أحيانا.. قد كتبت بمداد من ماء وزعفران وصمغة صفراء وأداتهما صوفة محروقة الطرف وضعت برأس قصبة نحيفة، لتكتمل التميمة في صياغة فيها الدالة المرمزة عناوين لا تفضي إلا الى حضن مخصبها..
والتميمة عوذة كما اشر بسبابته الرازي، وهي عليقة محصنة فيها عين تقف ندا ضد عين الحاسد، وفيها باب للفرج بعد كربة المحاكم والسجون، وأيضا تنطوي على كنز للرزق الوفير.. وهي غير اللقية المكتوبة على قشرة البيض او قشرة البصل او حشفة مهملة.
أما الذي يدبج لغتها فهو عرّاب النساء القرويات اكثر من نساء المدن اللائى وضعن حدوة الحصان على جبهة الدار قريبا من التميمة الزرقاء.. وربما خفا مقلوبا، كان ذلك يكفي لطرد العين الثاقبة.. أما القروية فهي ضحية أوضاع متردية عامة جعلتها تحتضن التمائم كجزء من المعادل الموضوعي لسوء الحال وتردي الأوضاع والأمراض المتلاحقة التي تأكل الأطفال..
أما عامل الحرز فلم يتوقع يوما أن لغته السرية وسيمياءها قد تخضع تحت طائلة التفكيك وطرق كلماتها الساخنة، لتنبعث أبخرة الرماد من نارها الخامدة.

 

خضير فليح الزيدي


 

.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri