حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

كلاب الموت الضالة

الميّتون.. يبدو أنهم تعبوا.. رغم أنهم تربّعوا يدخنون حول القبر وتحدثوا عن أشياء عدة.. لست

آبهاً بها بعد أن رموا جثتي التي طافوا بها الليل بهذا الذي أسموه قبراً.. سيؤجل دفني ليوم غدٍ.. هكذا قرر دعيّهم برطانة.. كنت أسمع كل شيء وبرد التراب الرطب يتسلل لداخلي..

"لا أحد يمرّ من هنا سوى الكلاب الضالة.. ربما تكفينا مشقة دفنه\" هكذا كان يكرر كبير الإمعات بين حين وآخر وبلا مناسبة. \"الكلاب الضالة\".. علقت بذهني هذه العبارة وأحسست ببهجة المهزوم.. لأنهم أحسنوا الظن بأنفسهم عندما أساءوا الظن بالكلاب الضالة.. أمنيتي الوحيدة.. كانت علم المرأة التي جعلتهم يتكالبون عليّ.. علمها بأمر أخصائي قبل أن يتطاولوا على روحي..

دفعتُ لدعيّهم وطلبتُ منه أن يوصل لها رسالتي لكنه بصق فيها وقام بمضغها وهو يفتعل الغضب.. هو الآن قابل لمضاجعة ذاته دون تردد.. فقد تحسن مزاجه بعد أن ألقى عليّ نظرة وأنا أسعل في الحفرة دون حراك.. وانبرى يتبجح لبقية المستزلمين عن مشاريعه التربوية.. \"فليعلم هذا التافه إلى أي جحيم سيمضى.. جحيم لن يبعث منه كالعادة\"... كنت أسمعه وأضحك في داخلي بشكل يليق بالمناسبة.. رغم أنهم دخنوا وحششوا واسترخوا في وحشيتهم حول ما يدعونه قبراً باطمئنان.. إلا أنهم لن يدفنوني الليلة ! هاهم ينصرفون وقهقهاتهم تؤطر سيل الشتائم التي أتقنوها في معاهدهم الموسيقية وأرقى مختبرات إنسانيتهم..

نسوا القنديل يلهث في ظلمة البرد أو أنهم تناسوه عمداً ليدل عليّ الكلاب الضالة كما قالوا.. حاولت بعد ساعات وبعد توقف نزيف ذاكرتي تحريك يديّ.. فاستجابتا ! حركتُ قدماي .. بجهد.. البرد كان يجمد أطرافي ويحسسني بوجودها أيضاً.. أيقنت بأنني حيّ تماماً فلم أشأ العجلة في محاولة النهوض.. ولكني فضلت التفكير في أمر بزوغي وتقبلي الحياة من جديد. هاهو القمر ينحسر شيئاً فشيئاً في حدود رؤيتي والقنديل الذي تركوه كحسنة غير مقصودة ينتابه الكسل.. قاومتُ الألم بذاكرتي.. تذكرت آخر مرة استقليت فيها القطار..

لم أكن راكباً يقصد السفر وإنما بعد أن صفعتني تلك المرأة في نوبة لا شيء.. أحسست برغبة حقيقة لركوب القطار.. ومعايشة اهتزازاته الرتيبة.. كان القطار ليلتها يهدر تحت القمر.. تخيلت أنه سيصعد.. ويغمسني في لجة النور ثم يهوي من جديد.. لكنني غفوت دون أن أكتب كلمة واحدة..

كان حبُّها ركضاً.. وشوقها ركضاً دون إيقاع.. لذا صفعتني لضبط الإيقاع ! كنت سأنام قطعاً ومطمئناً لو أهالوا عليّ التراب، وأحل معادلتي الصعبة دون الحاجة إلى تفكير.. لكنهم مضوا إلى حيث عقدتهم الأبدية .. ربما لم تك عقدة - كما أظن - ولكنها مجرد معنى لوجودهم وهم عاجزون عن خيانته.. لن أفكر في أمرهم كثيراً فهذا جدّ محبط بالنسبة لي.. علي أن أتذكر الأشياء الجميلة فقط..

مثلاً الصفعة التي تمنيتها تنبت عشباً هادئاً في روحي، هنالك أشياء قاسية.. ولكنها جميلة أيضاً، قادرة على بعثنا دائماً.. جميلة وغالباً ما تكون قاسية.. عليّ أن أستعدّ للنهوض قبل أن تنفذ طاقتي وأغادر هذا المكان قبل أن يعودوا.. لكن.. إلى أين سأذهب؟! هل أضحى العالم باردا ومنكمشاً لهذا الحدّ؟!!.. إلى حدّ \"أين سأذهب ؟\" ليتهم طلبوا مني الاختفاء ولم يتكلفوا كل هذا العناء... لا يمكنهم ذلك.. لأن ما فعلوه بي وجهة نظر أخلاقية..

لا يمكن المساومة عليها أو النكوص عنها.. أو ممارستها بأقلّ من قيمتها.. سأستجمع كل قواي الآن.. وأشد من عزيمتي.. سأحاول قليلاً فصل ظهري عن التراب الذي صار دافئاً نوعاً ما.. هاهو البرد يتسلل كثعبان إلى مساحة ظهري والقمر اختفى بينما القنديل يتثاءب كمن ينتظرني..

لظهري صوت بابٍ مرتوجٍ ولم يُحرك منذ أمد.. الأوجاع جامدة وصلبة كقطع الجليد.. أخيراً مددت يدي اليمنى للأعلى وأمسكت بالحافة الهشة.. استويت جالساً على ركبتيّ .. وتفقدت ما حاولي.. الضباب يغمر المكان..

والجهات اختفت بهذا الانبساط الخاوي.. سأمضي دون أن أحمل القنديل.. فقد يوشي بي للضواري.. كنت بحاجة للجلوس بين الحين والآخر.. كانت التشنجات تجبرني على التمدد أحياناً.. لكني كنت أفكر في حياة ستستقبلني دون وحوش.. فأشد من عزيمتي وأمضي.. أفكر أحياناً في أول إنسانٍ سأراه وأتحدث معه..

هل سأقص عليه حكايتي وأوجع دماغه ببؤسي؟.. وأخيراً سمعت صوتاً يأتي من بستانٍ دون سياج.. مهملاً كما يبدو.. انتحيت ناحية الصوت.. وإذا بكلبٍ يتألم.. عليه خارطة من الجراح الفاغرة..

اقتربت ودون إرادة مني جلست بجانبه تماماً.. ما بك أيها المسكين هل أنت ضال..؟ كفّ عن التصويص ومد عنقه كمن يحتضر.. راقبتُ تنفسه الحثيث.. ورأسه في حضني.. بينما عيناه ببطىءٍ، يضمحل فيهما البريق!!.

 

ثامر مهدي / كاتب من السعودية


 

.Copyright ©2003-2007 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri