حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الشعر والموت

الشاعر الشاب الذي خذله الإهمال والقدر

- أنتَ جميلٌ يا أسامة -.

- «كتّر خيرك يا ستي أنتِ الأجمل، أرجو أن يكون الكلامُ حاز إعجابكِ»

- «طبعًا لَعَنْتُكَ ألفَ مرة، وفي كل سطر، لكن، مَنْ غير شاعرٍ مثلك بوسعِه أن يحوّلَ العذابَ إلى عذوبة؟ واللعنةَ إلى جمال!». \

كانت هذه كلماتنا الأخيرة عبر الإيميل بعد قراءتي قصائد «كلبي الهِرمْ، كلبي الحبيب» التي نشرها أسامة الدناصوري في «أخبار الأدب» أخيراً وصدرت قبل أيام في كتاب عن دار «ميريت». أصدر دواوينه الأربعة في طبعات خاصة محدودة فراراً من مزاحمة طوابير المبدعين حول دور نشر المؤسسات الحكومية، وأما كتابه النثري الأخير فقد خانه، مثلما الصحابُ يخونون، ورأى النورَ بعدما انطفأ النورُ في عيني صاحبه. حقّاً إن الشعراءَ مخونون! مات الشاعرُ قبل أن يفرح بكتابه الجميل الذي فتنَ وأبكى كلَّ من عرفه وكلَّ من لم يعرفه. جاء السردُ على هيئة قطعة من النثر الفنيّ رفيع المستوى فيما يشبه السيرة الذاتية الأدبية. لغةٌ شعرية رشيقة يثبُ فيها الشاعرُ بخفّةٍ بين درجات الفصحى والفصيحة والدارجة المصرية. دراما مكثفة لا تخلو من حوارات بينه وبين أطراف جمعته بهم دوائرُ الصداقةِ أو القرابةِ أو المرض. أمُّه، أبوه، زوجته، أصدقاؤه، الممرضات، الأطباء، رفقاء عنبر الغسيل الكلويّ، الذين كان يقرأ موتَهم مرسوماً على صفحات عيونهم، فيترقب موته الخاص الوشيك. سلسلةٌ من المعاناة الوجودية والجسدية التي غمرتْ سنوات عمره القصير حتى لم تدع له إلا لحظاتٍ قليلةً من الفرح. لكنه، وحده الشاعر، ومَن سواه؟، القادرُ على استخراج الفانتازيا من الوجع، والمفارقةِ من محنة الجسد المنهوش. سيكون بوسع القارئ أن يصل إلى أعلى نقطة من التراجيديا عبر حكي يقترب من روح الملهاة والطرفة. إنها معاناةُ روحٍ حُرّةٍ طليقة، تخصُّ شاعراً، مع جسد مأزوم عليل مُقعد بالمرض. كان حريّاً بابن عربي أن يستثني الشعراءَ من مقولته: «الجسدُ قبّةُ الروح»، حيث روح الشاعر أكبر من أن تحدّها قبّةٌ أو خوان إذ هي دوماً مُحلّقة في العلا ولو اهترأ الجسد. سردٌ مطوّل لسلسال من المعانات. بدءاً بمعاناته مع اسمه اللقب «الدناصوري» الذي رافقه منذ مولده عام 1960، ودوماً ما يزعجه لصقهم حرف «ياء» دخيلة فيصير «الديناصوري» ما يضطر إلى تصحيحه في كلِّ ورقة وكل حوار ذاكراً اسم قريته «دناصور» بمحافظة كفر الشيخ. ومروراً بمعاناته أو الأحرى معاناة أمه معه لكي يقلع عن التدخين وينتظم في الصلاة كي تطمئن عليه قبل أن تموت، ثم يعود فيستدرك أن قصدها قبل أن «يموت هو»، فقد كانت الأم تعلم، مثلما الجميع، أن موته بات وشيكاً. هو الذي صارع منذ طفولته البعيدة فشلاً كلويّاً حادّاً لم تشفع معه عقاقير الطب ولا جلسات الغسيل الأسبوعية طوال حياته. وليس انتهاءً بأوجاع جسده الضئيل حين يصفون منه الدمَ كاملاً ليتم غسله وتنقيته بعيداً منه في غرفة مجاورة. يحكي أسامة محنة الجسد المريعة لحظة أن يغادر الدمُّ الجسدَ ليسافر وحيداً في رحلته عبر أنابيبَ شفافةٍ. يرى بعينيه دمَه مغترباً وحزيناً وقد استبدل بشرايينه جهازَ الغسيل الحديد العملاق الجامد. يحكي آلامه المُرّة تلك عبر حسٍّ كوميديّ أسود حتى لا تعرف فيما تقرأه هل تبكي من الألم أم تبتسم سخريةً من نفسك واحتراماً لجلال هذا الشاعر الذي حوّل العذابَ إلى عذوبة والقبحَ إلى جمال.

الموتُ يجمّل الناس ويغلّفهم بغلالة من النبالة تختفي وراءها عيوبهم. لكن أسامة الدناصوري الذي رحل في رابع أيام السنة الجديدة لم يكن في حاجة إلى الموت كي نراه جميلاً. كان بالحق أحد أجمل من في المشهد المصري، ليس شعراً فحسب، لكن إنسانًا أيضاً، وهي المعادلة التي تكاد تكون نادرة. ربما هو الشاعر الوحيد في جيله الثمانيني الملتبس الذي أجمع الجميعُ على محبته شعراً وروحاً. لم يتهافت ولم يصارع. لم تكن له خصومات مع أحد، ودرّب نفسه على محبة الجميع فنال محبة الجميع. «أنا تحت الشجرة/أقرأ، وأفكر في الحياة والموت/ أنا فيلسوف الشلّة/ المُقعَد الذي يحب الجميعَ/ ولا يكرهه أحد/ المُقعَد الذي أحبَّ مُقعدة/ تحت شجرة بعيدة/ تدور حول نفسها مهوّشةَ الشعر/ تتطاير من لسانها رغوة بيضاء/ ولا تراني». من ديوان «مثل ذئب أعمى» الصادر عام 1996.

في كتابه النثري الجديد «كلبي الهَرِم، كلبي الحبيب» يحكي فيما يشبه التندّر المُرّ قصة مرضه منذ اكتشافه الأول في الطفولة وصدمة الأب والأم. يحكي عن الأمل الذي كان يراوح بين المجيء والذهاب، عن الآلام التي كانت تحاصره وتعتصره فتظلم الدنيا فجأة، عن عنبر المستشفى والصداقات التي جمعته برفقاء الوجع وترقب الموت. يحكي حكاية سمعه الذي راح تخف قوته تدريجاً جراء المضادات الحيوية التي كان يتناولها لمعالجة التهابات جهازه البولي المتصدع بالبولينا. «يحدث أيضاً أن أطلب من أم أحمد‏:‏ زوجة البواب‏، أن تأتيني بالجرائد‏، أو علبة سجائر‏، وأنتظرها ساعات‏، ثم أفتح الباب غاضبا‏ً، ناوياً نهرها على التأخير‏، لأجد الجرائد على الدواسة أمام الباب‏.‏ فأفهم أنها دقت الجرس إلى أن ملّت‏، ثم نزلت بعد يأسها‏، قلت لها‏:‏ لا تدقي الجرس‏، فلن أسمعه‏، اطرقي الباب بيدك‏». ويحكي عن زملاء العنبر الذين كان يتخطّفهم الموت واحداً إثر واحد فيغيب وأحدهم في كل جلسة غسيل جديدة. حتى إذا ما أوشكوا على الانتهاء وبات وحيداً أدركَ أن دوره قد أزف. «لماذا تشعر بالوحدة/ ولديك سرير بهذا الاتساع/ وعلى مرمى بصرك/ سماء واطئة من الجير/ تتجول فيها بعينيك السارحتين/ لتكتشف - ما شئت - من بورتريهات ناقصة/ لغرباء مسالمين/ وحروب صامتة لا تنتهي؟»

والشاعر من مواليد 1960 حصل على بكالوريوس علوم البحار من جامعة الإسكندرية عام 1984 وله، عدا ما سبق، ديوان «حراشف الجهم» «عين سارحة وعين مندهشة». وديوان بالعامية المصرية هو «على هيئة واحد شبهي» عام. رحل الشاعرُ الذي آلمتْه الحياةُ كثيراً فتعلّم أن يحبها كثيراً. مضى تاركاً خلف ظهره مخلاةً مملوءة بالتأوهات وبالقصائد. أطلقت الحياةُ أسرَه وتركته يمضي بعد أن اتقن محبتها.

«يبدو أنّ الحياة جميلةٌ كما يقولون/

حقاً... إنها لجديرة بأن تُعاش/

لقد غفرتُ لها كل ما مضى/

الحياةُ طيّبة/

لم تكن تقصدُ شيئاً سيّئاً/

كانت تمزح معي بالتأكيد/

كانت تمزح - تلك الخبيثة - /

وهي تخبّئكِ طوال الوقت خلف ظهرها/

وتضحك ملءَ شدقيها ليأسي/

والآن/

وبعد أن تمكّن اليأسُ مني تماماً/

وأدرتُ لها ظهري/

إذا بها تلقي بكِ/

بكِ أنتِ/

في حجري».

/الحياة/

فاطمة ناعوت

شاعرة ومترجمة من مصر

لا شيء يفوق الألم العادي لأسامة الدناصوري

أسامة الدناصوري شاعر مصري قليل الإنتاج كبير المقام كما يعترف الجميع، ليس بحجم حضوره القليل في ثلاثة دواوين هي "مثل ذئب أعمي" و"حراشف الجهل" و"عين سارحة وعين مندهشة"، وهي الدواوين التي ارتضى بها أسامة عبر مسيرة طويلة في الحياة الثقافية، وإن اكتفى بها فهي من روائع ما كتب في السنوات الأخيرة. ولكن قبلها وربما بينها وبعدها مثل حضوره الإنساني قيمته الأهم بين أبناء جيله، حضور ذلك المتفلسف العظيم لتفاصيل الحياة. يصمت أسامة كثيرا ويتحدث قليلا، ليس بصمت من أنسوا اللاتورط فإجتنبوا الخوض في ما لا يجدي، ولا بمنحى من إقتصد الحديث تشويقا لمستمعيه حين يحل وقت الحكمة. أسامة هو دون ذلك كله وهو يجلس هناك في أقصى المواضع أينما حللت. في ميريت للنشر، كما في منازل الأصدقاء يبدو عصيا على التصنيف بعينه التي تشتعل بمعالم الدهشة، الدهشة المتواضعة المتفاهمة دون تواطؤ. النظرة التي تطلع من أعماق سحيقة أبعد من حضوره الجسدي الضامر والضعيف، أبعد من إطلالاته العلوية التي يوزعها على الفراغات فيما يحتدم نقاش الجميع، أقرب إلى من يحمل في أعماقه تعاطف العالم مع العالم. وحين يتحدث بعد صمت متورطا في جدل هو في الأغلب حول عمل يناقش أو مقالة مثيرة للجدل، يتحدث هادئا ومكثفا وملتمسا ذلك الجانب الذي ربما أغفله الجميع. يتحول النقاش بعد إطلالة أسامة إلى ما يشبه دوامة التطاحن، أو على العكس تماما، يتبعه الصمت. يدخل أسامة للنقاش بخفة ليخرج منه أكثر خفة، وكأنه تخلص من حمل ثقيل، لايعني الحديث بل ربما يعني ما هو أبعد منه، ربما حمل الحياة نفسها.

لم أحظ بصداقة أسامة يوما وإن كان الود والمحبة قد غلفا علاقتنا بما هو أكبر من حجمها الحقيقي. أسامة عامل مشترك في كل صداقاتي، هل تعلم ذلك الوضع المخل لصديق صديقك الصدوق، الذي وإن بدا أقرب الناس لمصادقتك إلا أن موقع الصديق المشترك المفصلي بينكما غالبا ما يخفض حجم توقعاتك فيه، لذا كثيرا ما تبادلنا ذلك الود العميق لأبناء فصيلة منسية دون أن نبحث في المسافة الفاصلة بيننا عن مشترك خاص. يكفينا ما لأبناء القبائل المنسية من تعاطف النسب البعيد.

أسامة الدناصوري يخرج في نص يومياته الجديد والمعنون بـ"يوميات العادي"، من رحاب تلك القبيلة الأم الى وطن القبيلة العادية، قبيلة تضم بين شعابها الواسعة ذلك الخليط البشري المنوع الذي ربما تلقاه حين تنزع عن نفسك غلالة المواطن غير العادي، وأي مناسبة أدعى من الألم لتندمج في هذا العالم. الألم هنا ليس بمعناه الرومانتيكي النفسي أو الوجودي، ولكنه المرض الجسدي الذي طالت رحلته مع أسامة لما يزيد عن الخمسة عشر عاما. يغسل اسامة العادي دمه ثلاث أو أربع مرات شهريا بعد أن طاله الفشل الكلوي أحد أوبشانات المرض المصري الأصلية. يولد المصريون بالملايين وهم ينتظرون كريزة الكلي كما تنتظر النساء طمسهن الأول. لذا كان توصيف أسامة ليومياته بالعادي سخرية عنيفة لقدر يختبر الموصوف لحياة غير عادية بإختبار من النوع العادي، واليوميات فيما هي تدنو من ذلك العالم من الآلام ليست معنية فقط بها من حيث كونها مدعاة للأسى، هي قبل ذلك إضاءة ولو عبر إطلالة سريعة على تلك الحيوات التي تذوي بهدوء دون صخب فيما تستمر الحياة. مذكراته تنطلق في مفتتحها كما نشرتها جريدة أخبار الأدب في بستان عددها الأخير من إعصار داخلي بالأفكار يبحث عن شفاه تخرجه لتسمعه آذان لم يكتب لها إلا شرف التقاطع مع ذلك الإعصار. المناسبة التي ضجر فيها أسامة من أزيز تلك الأفكار وعصيانها أو عدم مناسبتها لكتابة الشعر. لا يدعي أسامة عصيان تلك الأفكار، فهو، وإن لم يكتب منذ ثلاث أعوام الشعر الذي يرضيه ـ حيث إحتشاده بالشعر كما أسرّ لي يمر بمخاضات كبرى وإن كانت بطيئة للغاية ـ إلا أن ذلك لم يمنعه من ان يجعل من تلك الكتابة العابرة للنوعية إختزالا لكل خصائصه كشاعر: كثافة السرد، وتشظي الحياة عبر تفاصيل بسيطة، أفعال التأمل القصوي للمجردات حين تتماهى خارج صيروراتها العادية. يحكي أسامة في مذكراته عن الولاعة الصفراء الجديدة التي تراوغه لتحكي عن إعصار كلماته المتدفق دون مناسبة، ويحتفي في أكثر من موضع بذلك الأرق الليلي بين جدران منزله، عن كنباته التي يتمدد عليها ومخاضاته لإدارة ألم إحدى النوبات في المسافة الفاصلة بين الأريكة وسريره في الغرفة البعيدة. الزمن المروغ الطويل وهو يتابع حياة على وشك التفتح الصباحي فيما هو يبحث عن مناسبة للنوم، ثم ينتقل فيما يلي ذلك إلى علاقته بالمرض: إنتقالاته بين وحدات غسيل الكلى وعالمها السفلي، مرضاها الذين وإن وحدت بينهم السرائر البيضاء وخراطيم الدم وإنتظار الخبر المشؤوم، إلا أنها تتماشج وتتواصل بفلسفات الحياة العادية. فمصادقة ذلك المرض الطويل المنهك لاتمنعهم، في ما يسطرهم أسامة، عن التألق بدراما صافية، دراما مفاصلها الأساسية محبة الحياة وتساويها بالموت. والأخير هذا حاضر كإعلان مبسط، إختفى فلان، تعيش أنت، دون أحزان مبالغ فيها، دماء لن تجد طريقها إلي غرفة الغسل مرة أخرى، ستنسد بها مسام أصحابها تحت أمتار من التراب حيث لا أمل في نظافة أخرى، دماء إنفصلت عن شبكة العلائق المتعلقة بلا أمل في حياة موزعة بالتساوي بين صالات إنتظار الغسيل في المراكز الطبية.

أسامة العادي يبدو في تلك المشاهد كما هو في أسامة غير العادي. سخريته العنيفة مبطنة بأرق اللاعودة تجعله أكثر ميلا إلى نحت كلماته بمنتهى الوعي بهشاشة الحياة. الحياة الهشة القابلة للتداعي في طرفة عين هي ما تخرج ذلك القناص الماهر نحو كتابة لاتراوغ الواقع، لاتخضعه لمرشحات وفلاتر الشاعر الألهي. عينه المتلصصة بدأب على ذلك الواقع تختار أن تفلتره بمقياس آخر، مقياس لايستدعي رثاء الذات أو الولولة الفاقعة الدراما. أسامة الحاضر العادي أبدا لم يكن عاديا حتى لو إختار بوعي كامل أن يحتفي بذلك العادي، فثمة خلف كل هذا المشهد وبين كافة الطرائد يقبع ذلك القناص الماهر حتى لو كانت طريدته الوحيدة حياة هشة، يراقبها من داخل ذلك الصمت بدأب من يعيد تماسكها بضربة واحدة.

/المستقبل/

هاني درويش

نشر دواوينه على نفقته الخاصة تجنبا لمواجهة مع الرقيب ولا يعتبر نفسه تابعا لجماعة أو جيل معين..

أسامة الديناصوري: لا أرغب في صدقة من المؤسسة

تجاوز أسامة الديناصوري الأربعين، ولكن ملامحه لا تشير إلي سنه الحقيقي وربما لهذا السبب ينسبه بعض ممن لا يعرفونه جيدا إلي جيل التسعينات.. وهو من ناحيته لا يعتبر نفسه منتميا إلي جيل معين "جيلي هو علاء خالد فقط"!

منعزل ومعني الانعزالية هنا البعد عن ضجيج الواقع الثقافي، والتحرك في أوساط أصدقائه وجماعاتهم الخاصة مثلما كان الأمر أيام 'الجراد' ومع هذا ينفي بشكل قاطع انتماءه إلي أية جماعة أدبية "طوال الوقت أنفر من هذا، لا يعجبني ولا أريده!"

الديناصوري أيضا صاحب إنتاج قليل جدا، فله أربعة دواوين هي "حراشف الجهم" و"مثل ذئب أعمي" و"عين سارحة وعين مندهشة" بالإضافة إلى ديوان بالعامية "علي هيئة واحد شبهي" يعترف بأنه خارج حساباته الآن.. نشر كل أعماله في طبعات خاصة ومحدودة ليس بسبب موقف مسبق من مؤسسات الثقافة ولكن تجنبا لمواجهة مع مقص الرقيب وهذا أيضا أمر ربما أسهم في انعزاله عن الواقع الثقافي.

رأيت في هذا الحوار أنه من الأنسب تقديم أسامة الديناصوري إلي كثير ممن لا يعرفونه من خلال معرفة آرائه في الواقع الثقافي بكل ملابساته ولماذا اتجه إلي كتابة النصوص المفتوحة وكيف يقيم تجربته الشعرية بعد صدور ديوانه الجديد مؤخرا "عين سارحة وعين مندهشة".

* سألته : ترسخ قصائد ديوانك الجديد "عين سارحة وعين مندهشة " حالة من الانهزامية والتراجع 'ثمة ذات تجعل من نفسها' أضحية للعالم، رغم أن هذا العالم يبدو قاسيا أحيانا كما في قصيدة "تحت الشجرة"؟

- قصيدة "تحت الشجرة" لها وضع خاص ولا يقاس عليها، كتبتها وأنا أمر بظروف نفسية سيئة، كانت تتلبسني حالة من رثاء الذات، لم يكن سهلا علٌي أن أتفوه بلفظ مثل 'المقعد' ولكنني فعلتها، كنت علي يقين أن اللحظة لن تمتد كثيرا، وأنني لن أعترف بعد لحظات بحالة الضعف الشديد التي كنت أعيشها، لكني في الوقت نفسه شعرت بسعادة بالغة لاستطاعتي تسجيل هذه اللحظة وصنع بورتريه لي، يثبتها، لكنها لحظة لم تتكرر مرة أخري!

* ولكن هناك حالة من السخرية العامة تشيعها 'الذات' من العالم ومن 'نفسها' أيضا بشكل جعل هناك انهزامية غير مبررة أحيانا علي امتداد القصائد؟

- نعم.. السخرية من الذات موجودة في معظم، إن لم يكن في كل قصائد الديوان، وقد لا تكون السخرية في حد ذاتها هي المقصودة.. أؤكد أيضا أن نقيض السخرية وهو الاحتفاء بالذات غير موجود وأعتقد أن احدي فضائل الكتابة هي قدرتها علي رؤية الأشياء بما فيها الذات علي حقيقتها، مع الحفاظ دائما علي النظرة النسبية غير الممتلئة باليقين والقادرة علي رؤية الأعطاب والصغائر مع البعد عن وهم الاكتمال!

* لغتك أيضا متقشفة وجافة.. هل كانت هناك قصدية في استخدام لغة تبتعد أو تتخلي عن الجماليات المتعارف عليها؟

- سأبوح لك بسر، أنا أعتبر لغتي وبالذات في الديوان الأخير لغة جميلة، لا أقصد التقييم ولكن علي الأقل أقصد أنني أطمح دائما لكتابة لغة جميلة، بمعني أنني عند استخدامي لمثل هذه اللغة التي قد تراها متقشفة وجافة بعض الشيء وخالية من المجازات والألاعيب وبعيدة عن التركيب شيء ضروري، نعم تخلي اللغة عن كل هذا يجعلها جميلة!

* أيضا أعتبرها لغة كلاسيكية .. ألا تري أن هناك انفصالاً بين أن تكتب قصيدة نثر وتكون لغتك كلاسيكية؟

- لا اعتراض عندي علي وصفك للغتي بأنها كلاسيكية، فأنا أعشق هذه النكهة ولكن المهم أن روح الكلام في منطقة أخري حسبما أتصور!

* من أين تنشأ جماليات اللغة بعد أن تخلت عن كل ما تقول إذن؟

- الجمال في رأيي ينشأ من العلاقات، العلاقات داخل بنية الجملة، أحترم صوتية اللفظة تماما، وأدقق في وجودها بمكانها الصحيح بلا زيادة، أو نقصان قدر الإمكان.. طموحي عبر ذلك أن تكون لغتي جميلة!

* تخليت أيضا عن 'الأوزان' بمعني أن قصائدك فقدت طواعية احدي جماليات الموسيقي.. ما الإيقاع الذي استخدمته لتعويض هذا النقص؟

- لا أتصور قصيدة خالية من الإيقاع سواء كانت موزونة أو نثرية، الإيقاع أوسع وأشمل من فكرة الوزن، هناك إيقاع الأفكار، وإيقاع المشاهد والرؤى، وهذا هو الإيقاع الحقيقي الذي ينتبه إليه القارئ في أي قصيدة سواء كانت موزونة أو نثرية، ولا أتخيل أن هناك قصيدة تعتمد فقط علي الإيقاع العروضي السليم وتخلو تماما من أية حركة علي مستوي الأفكار والرؤى والخيالات والصور التي تخلق إقاعها الخاص، ليست هذه قصيدة علي الإطلاق، في النثر كل قصيدة لها إيقاع يميزها عن القصائد الأخرى، ولا تتشابه قصيدتان في إيقاعهما، وبالطبع تستطيع أنت كقارئ أن تميز بين شاعر وشاعر عن طريق مهارة وقدرة كل منهما علي اللعب بهذا الإيقاع وإدارة حركته داخل النص!

* وفق هذا.. من يعجبك من شعراء قصيدة النثر الجدد؟

- تعجبني كتابة عدد غير قليل من شعراء جيلي والجيل اللاحق، تعجبني في كل واحد ملامح معينة مع تحفظي علي ملمح هنا أو هناك، علي سبيل المثال، احمد يماني، محمد متولي، عماد أبو صالح، إيمان مرسال، مهاب نصر، احمد طه، محمد صالح، محمد بدوي، رنا التونسي، إبراهيم داود، وعلاء خالد.

* تقول جيلي.. ما جيلك؟! بدأت مع جيل الثمانينات ويصنفك البعض ضمن التسعينات؟

- أقول لك شيئا طريفا.. جيلي هو علاء خالد، هناك بالطبع مجايلون لنا ولكن الذي أعتبره جيلي فعلا برغم اختلاف كتابتنا هو علاء خالد، في بداية كتابتي لقصيدة النثر وبالتحديد في أواسط الثمانينات كنت أشعر بالغربة عن جيل السبعينات كما شعرت بها تجاه أفراد جيلي أيضا، قد تكون هناك مسافات كبيرة تم قطعها في هذه السنين وهوات ردمت وتقارب حدث بين أفراد كثيرين من أجيال مختلفة فما بالك بالجيل الواحد!

* ما الذي تقصده بعبارتك الأخيرة؟

- مع حماقة فكرة الأجيال، وانطوائها علي خلل جسيم إلا أن الواقع يؤكد أن هناك مجموعات من الأفراد تجمعهم روابط ومشتركات معينة ابسطها فكرة السن المتقارب والوقوع تحت تأثير الأحداث السياسية والثقافية والاجتماعية نفسها.. بهذا الشكل أنا ثمانيتي ولست تسعينياً!

* جيل الثمانينات.. جيل آسن ربما علي المستوي العالمي.. لم يقدم ما يدل علي وجوده، اختفي البعض واتجه البعض الآخر إلي الكتابة علي طريقة التسعينيين

- من الصعب أن نطلق مصطلح "جيل" علي حقبة الثمانينات في الشعر بالتحديد، لا يوجد شاعر يشبه الآخر، قد يصلح المصطلح مع جيلي السبعينات والتسعينات، هناك بالفعل قواسم مشتركة بين أفر ادهما، في السبعينات كانت هناك قيم جمالية منشودة، ومرجوة من الجميع، سعي إلي حيازتها وإحكام القبضة عليها، باختصار من الممكن أن نطلق لفظة مختصرة علي هذه القيم الجمالية هي كلمة"أدونيسية"، في التسعينات نجد الأمر نفسه مع تغير القيم الجمالية المنشودة وتحولها من المجاز والتركيب وخلافه إلى النسبي والصغير والذاتي والقبيح مع الإشارة إلى أن هذه الجماليات كانت لها إرهاصات في الثمانينات، مشكلة كل جيل أن هناك نصا عاما وكبيرا يكتبه الجميع ولا تسمح فكرة الجيل إلا للموهبة الحقيقية فقط بالخروج عن القطيع والتفرد ومحاولة إيجاد القيم الجمالية الخاصة بكل شاعر علي حدة، حدث هذا مع عدد غير قليل من شعراء جيل التسعينات، علي سبيل المثال احمد يماني، محمد متولي، عماد أبو صالح، وآخرين، ولم يحدث تغير في جيل السبعينات باستثناء أحمد طه ومحمد بدوي ومحمد صالح!

* ثمة إحساس أن ديوانك 'عين سارحة وعين مندهشة 'يضم رؤى فلسفية وأفكارا عن العالم والذات... هل كانت هناك قصدية في تسريبها؟

- أنا ضد هذا الشكل في الكتابة، لا أفضله ولا أحبه، عندما يتعلق الأمر بالفن وعندما يصنع الكاتب نصه سواء كان قصيدة أو قصة أو رواية أو أي شيء تتغير آلية التفكير قليلا، تختفي الأفكار المجردة والجمل المكتملة التي تحتوي علي معني فلسفي أو خلاصة أو حكمة وتتحول إلي بؤر خفية تتسرب داخل النص، وتقوم هي باستفزاز عقل القاريء وجعله يقوم بعملية التفكير ليقوم هو بإنتاج هذه الأفكار التي ستكون بالضرورة أفكاره هو!

* هل ثمة جدوى من أن تصدر دواوينك في طبعات محدودة جدا.. هناك قليلون فقط يعرفون الشاعر أسامة الديناصوري في الواقع الثقافي ربما أيضا لأنك تفضل الانعزال والبعد عن الأضواء؟

- أنت تعرف أن شهرة الشاعر مهما تخطت من حدود لن تتعدي الدائرة الضيقة نفسها التي ندور فيها جميعا، الأضواء للمطربين لا للشعراء.. وعموما ليس هذا بالشيء الهام، يكفيني تماما أن تكون هناك حفنة من الأصدقاء تعجبهم كتابتي ويدور حديثنا حولها!

* ألا ترغب في زيادة قرائك؟

- لا أخفي عنك أنني أشعر بسعادة غامرة عندما أفاجأ بقارئ غير متوقع، قادم من مكان آخر، استوقفه نص لي نشر هنا أو هناك، أو وقع في يده ديوان من دواويني بالصدفة، ولا أنكر أيضا أنني أتمني أن يزداد عدد هؤلاء القراء.

* إصدارك لأعمالك علي نفقتك الخاصة.. هل بسبب موقف من مؤسسات الثقافة؟

- ليس هناك موقف محدد لي من المؤسسة الثقافية، ولكن فيما ندر كانت تتلبسنا مواقف مثالية وطهرانية، وكان ما يحقق البراءة هو البعد عن أي وضع ملتبس، ولذلك كان الأسلم أن أقوم بنشر دواويني علي نفقتي الخاصة، وبالطريقة التي تعجبني.. والابتعاد عن نوع من المشاكل المتوقعة بين ما أكتبه وبين مقص الرقيب، أما الآن فهناك أسباب أكثر موضوعية تتعلق بالشكل الذي أرضي¬ أنا¬ عنه عندما أفكر في نشر كتاب في سلسلة من السلاسل ومستوي النصوص المنشورة وهذا أيضا ما يجعلني الآن أنفر مجددا من دفع أي كتاب لي للمؤسسة!

* وما رأيك في سلاسل النشر الرسمية؟

- هناك مزايا توفرها هذه السلاسل بالطبع للكتاب الذين تنشر لهم، وأهم هذه المزايا، طبع عدد كبير من النسخ يقال إنها تصل إلى ثلاثة آلاف نسخة ويتم توزيعها علي مجال واسع، هذا بالطبع منتهي طموح أي كاتب محدود الانتشار، ولكن للأسف معظم هذه السلاسل بائس وفقير ويبدو كما لو كان صدقة جارية يكون النشر فيها بالدور وحسب تواريخ التقديم، وهناك طوابير لا تنتهي من أدباء الأقاليم، كلهم يطالبون بحقهم الشرعي في أن ترعاهم المؤسسة وتنشر لهم كتبهم، كانت هناك بعض السلاسل التي بدأت متميزة، جيدة ولكن بعد عدة أعداد تحولت إلي البؤس نفسه الذي يخيم علي بقية السلاسل، مثل "كتابات جديدة" ومكتبة الأسرة.. أما السلاسل العريقة في البؤس فهي إصدارات هيئة قصور الثقافة مثل "إبداعات" ومثيلاتها!

* وما رأيك في وضع النقد الأدبي الآن... الأمر الأخر هل تري نفسك مظلوما نقديا؟

- وضع النقد وخصوصا نقد الشعر وبالتحديد الشعر الجديد وضع بائس ومحبط باستثناء اسم أو اسمين، أخص بالتحديد محمد بدوي أقرب نقادنا إلى كيمياء القصيدة الجديدة وأكثرهم قدرة علي التعامل معها بالإضافة إلي أن ذوقه "حلو" ولكنه مقل جدا وكسول وأنا ألومه كثيرا علي ذلك، أما الكلام عن أني مظلوم نقديا فلا مجال له إذا نظرنا إلي حال النقد البائس كما قلت وصدقني لن أفرح كثيرا إذا تناول شعري ناقد ممن أتحدث عنهم ولكني فرحت كثيرا بدراسة جميلة كتبها محمد بدوي عن ديواني الأخير ودراسة أخرى كتبها طارق أمام، وفرحت أيضا بندوة لاحقه تحدث فيها بعض الأصدقاء عن الديوان ذاته!

* ألا زلت حثي الآن تعتبر نفسك واحدا من إحدى الجماعات التي كنت عضوا أساسيا بها مثل "الجراد"؟

- لا أنتمي إلي أية جماعة، لا أجدها أصلا فكرة جذابة أو ذات جدوى، من الممكن أن يكون لي مجموعة أصدقاء نشترك معا في العادات والمزاج، قد يكونون شعراء أو أدباء أو أشخاص عاديين... ولكن جماعة أدبية لها أفكار محددة وطموحات جمالية معينة فهذا كان يشعرني بالنفور طوال الوقت!

* ولكنك كنت تحضر اجتماعات 'الجراد'وتدلي بآرائك فيما يثار بها؟

- احتككت بجماعات متعددة وربطتني بأفرادها صداقات، ودارت بيننا حوارات، ولكن لم أعتبر نفسي في يوم من الأيام ضمن أية جماعة!

* لماذا اتجهت إلي كتابة النص المفتوح مؤخرا.. الذي لا يخضع لأشكال أو باترونات أدبية متعارف عليها؟

- اكتشفت أن النثر المنفلت من الأطر فاتن ومثير، لا تتصور فرحتي أثناء كتابتي هذه النصوص أيا كانت قيمتها، فقد كنت أحس بمساحة هائلة من الحرية والمقدرة علي اللعب بالكلمات مع الإحساس بمتعة الخروج من سلطة الشعر وصرامته!

* هذا يبرر اقتراب لغة ديوانك الأخير من السرد وأجواء الحكي؟

- نعم طوال الوقت تجدني مأخوذا بالسرد والدراما وأجواء الحكي في معظم قصائدي ودائما ما كنت أجدني منساقا للغة الخطاب النثري التي يتخللها ما يشير إلي شعريتها، كنت أطمح لاصطياد الشعر في النهاية!

* والآن؟

- إذا كنت تقصد الكتابة عبر النوعية فقد أصبحت لها ارض حقيقية واسعة، كتابة تختفي فيها الحدود المميزة للأجناس المتعارف عليها، ولكن هناك ما هو أشمل وأكثر نفاذا من أي مسمي لأي جنس أدبي وهو روح الكتابة، هذا ما يصنع كتابة جيدة أو رديئة، متوهجة أو منطفئة فيها الشعر والسرد وكل المفردات التي تجدها في هذا الجنس أو ذاك!

* لكن ثمة تخوف لدي البعض من أن يؤدي ذلك إلي فوضي واختلاط للأجناس الأدبية؟

- هناك محددات للنص الأدبي مهما كان انفتاحه ينطبق هذا علي مقالات يحيي حقي في 'صح النوم' مثلا، فهو ليس قصة أو قصيدة ولكنه نص أدبي، نص أدبي تحدده روح الكتابة، الأجناس تحددها نافذة الكتابة، رؤيتك، وجهة نظرك أو طريقة تناولك من الممكن أن تكتب بلغة الشعر وأنت واقف في مكان القصة.. سيصبح عملك قصصيا، المسألة هي هل أنت تريد أن تري بعين الروائي أم القاص أم الشاعر، ومهما بلغت درجة انفتاح النص ستكون له أدبيته الخاصة!

* لم تجب عن التساؤل الأساسي الخاص بالتخوف من اختلاط الأجناس الأدبية؟

- علي العكس تماما.. سيفتح ذلك مجالا أوسع للكتابة من الممكن مواجهة كم كبير من النصوص الفارغة ولكن هذا ليس مدعاة للتخوف، فالمسألة تتوقف علي مدي أصالة الروح التي تكتب.. إذا كتبت نصا رديئا ستعرف علي الفور أنها كانت روحا رديئة لقاص أو شاعر، فالصياغة والإحكام التي تكتسبها الروح من خبرة الكتابة السابقة تلعب دورا كبيرا في إنتاج نص جيد.. نعم السرد بكل عوالمه جاذب لكل الناس بما فيهم الشعراء!

* هذا يفسر اتجاه عدد من الشعراء إلي كتابة الرواية.. ياسر عبد اللطيف.. إيمان مرسال وغيرهما؟

- الرواية عالم رحب، ويبلغ من الاتساع القدر الذي تهضم فيه كل الأجناس الأدبية وفي النهاية هو مطمح كل الكتاب (يضحك) ليس معني هذا أن مصير الشعر إلي الاندثار والذوبان في عالمها وإن كانت يده تطول قليلا لتقطف من أرضها.

حوار: حسن عبد الموجود

أخبار الأدب - 13 أغسطس 2003

أربعة سيناريوهات لمشهد واحد

لماذا تشعر بالوحدة..

ولديك سرير بهذا الاتساع،

وعلى مرمى بصرك..

سماء واطئة من الجير،

تتجول فيها بعينيك السارحتين،

لتكتشف - ما شئت - من بورتريهات ناقصة

لغرباء مسالمين

وحروب صامتة لا تنتهي؟.

لماذا تشعر بالوحدة..

وبإمكانك تمضية الليلة بالحمام

تصفق قبيل اندفاق البول من مثانتك

ثم تنحني متأملا الرغوة الكثيفة

لتفكر في أول كأس شربته من البيرة

وأول يد عمياء أطبقت على قضيبك

لتدكك فيه

عصا بلاستيكية طويلة

غير عابئة بصراخ طفولتك؟!

لماذا تشعر بالوحدة

وبإمكانك الليلة أيضا

فك الأحزمة المربوطة بعناية

حول ملفاتك المتورّمة

وليحتقن هواء الغرفة

بروائح نفاذة

.. لأزمنة غابرة ؟!

لماذا تشعر بالوحدة إذن

وها أنت تسعى بدأب - عبر الصالة الفسيحة -

ما بين الشرفة والعين السحرية

وفى منتصف الصالة تماما

وبعد أن تترنّح قليلا

بإمكانك أن تنطرح على ظهرك

مفر شحا ساقيك وذراعيك

وبعين حجرية

تصوب نظرة دائمة إلى المصباح المتدلّي من السقف

وبقليل من الإنصات

بإمكانك أيضا التسلي

بملاحقة دقات ساعتك الخافتة

مارس92

****

أفراح البيرة

لكم هسيس النار في رئتىّ

والرائحة الكريهة لغابة صغيرة تحترق.

ولى..

شبق ماجن يجدف بي دائما نحو دمكم.

صديقي الذي ظل طوال عمره متخفيا وراء قامته

والذي أطلق على نفسه:"الفحل الرومانتيكي"

إمعانا في التخفي

صارحنا أخيرا

أن له أختا سرية لم يعلم بها أبواه

وانه جني فاسق وعربيد لا يقارن

وبكى حين تذكر كيف كان الله يجره من قفاه عنوة -كل جمعة-

إلى الحلاق

ثم أخذ يدبج النكات اللاذعة للنيل منه

واكتشفنا نحن:

أنه طوال الوقت كان نبيا

لكنه جاهد كثيرا في إخفاء علاقة شاذة

كانت تربطه بالرب.

صديقي الطيب:

سنقيم قريبا أفراح البيرة

وستسمعني كلاما كثيرا عن أفخاذ النساء

وأثدائهن الممتلئة.

كان يزورني في نزلي الدائم بالمستشفى

وفى طلعته...

ينطلق بولي المحتبس وتهدأ كليتاي.

لم أره مطلقا بلباسه العسكري.

جاءت مرة معه وذهبت

وحدثني أنها بكت كثيرا ذلك اليوم.

وجدت مؤخرا أنني كنت أحبه هو.

وأنني كنت أقشر له البيضة كل صباح

لكنها كانت أوسع من فمه وأقسى من هشاشة أسنانه.

ولأنه أخفى علىّ جوعه

ظل جوفه فارغا طوال الوقت

إلا منى.

من كتاب: مثل ذئب أعمى

ذكريات

عِوضاً عن لعبة التذكّر

والحنين.. الدامية المملّة

بدءا من الليلة..

سوف أحلم بكِ..

ها هي تأتى من بعيد

سابحةً نحو ى بعزم وإصرار

سمكة القرش المختالة الرائعة..

لا..

?بل سمكة أبو سيف

شيطان الماء العابس

بحربتة المشرعة..

آآه

ها أنا مخترق من صدري مرة أخرى

أشق بظهري الأمواج

مخلفا نهيرا صغيرا من الدماء.

ثم..

ها هي القروش النهمة..تتكالب لتبدأ الوليمة.

ياإلهى.

حتى في الحلم

.تطاردني

نفس الذكريات ؟؟

أخّّوة

قال لها:

-اطمئني

لا حب ولا رغبة

بدءا من الآن

نحن أخوة في الدم

"محارم"

باختصار:

أنتِ علىّ كظهر أمي

قالت:

-حسنَ

وسكتت قليلا ثم قالت:

-والأخوة عادة لا يحبوننا...

فضلا عن أنهم لا يرغبون فينا.

-بل أحيانا يكرهوننا

-حقا..

لكنهم فجأة يوجدون وقت الشدة

-نعم..

لكن لا تنسى

أن الأذى لايأتي أحيانا من أحد سواهم

هم وحدهم

....

ومضى..

كان كمن يتعلم المشي

واختفى في أقرب زاوية

كانت تجلس مازالت

تحدق ذاهلة في أثر خطواتة

لم تكن تعرف حقا..

هل كان يتوجّب عليها أن تكون الآن..

سعيدة..أم تعسة.

سنتمنتالية

كنتِ ستموتين بين ذراعيّ

أليس هذا ما اتفقنا عليه؟

ماذا أصنع إذن بأقراص الفاليوم

التي اشتريت لكِ منها علبة كاملة؟

هل أبلعها أنا!

لقد تبدلتِ سريعا

أصبحتِ فجأة تتشبثين بالحياة

يا للعجب

.. ألحياة!!

أليست هي النفق المعتم الكئيب

ورحلة العذاب المتخبطة التي لاتتنتهى؟!

ثم ماذا سأصنع الآن

بالقصيدة التي أعددتها لرثائِك؟

هل تسخرين منى؟

لن أغفر لك ذلك أبدا

....

لكن الآن

ما العمل؟

بعد أن رتّبت حياتي المقبلة بالفعل؟

حياتي!!

..لقد أطحتِ بها بضربة واحدة خرقاء

كنت أوشكت على توطيد علاقتي بمحل الزهور

من أجل أن يخصّني بأجملها

وبسعر مناسب

حتى يتسنى لي الرحيل إلى قبركِ كل أسبوع

وفى يدي هدية جميلة

إن قلبي منذ الآن يدق بعنف

كلما مررت بشارع صلاح سالم

وحنين جارف يقودني دوما إلى البساتين

حيث مقبرة العائلة

والبارات:

أجل..

عثرت أخيرا على واحد هادئ وقديم

نوافذه عالية

وحوائطة الخشبية صفراء

.. لأذهب إليه كل ليلة

وقد حددت المنضدة المنزوية

التي سأقضى عليها بقية أيامي

أشرب.. وأدخن.. وأبكى

وسيغدو بإمكان الشعراء الشبان

أن يشيروا إلى دائما:

"إنه السنتمنتالي المتوحد الحزين"

أيتها الجبانة

لقد أفسدتِ كل شيء.

إيروتيكية

نظّارتكِ السوداء

وبنطلونك الجينز، الرمادي، الضيق، الرث، الثرثار

وبلوزتك الكطّ القصيرة

بلوزتك السخية

التي منحتني أشياء ثمينة

أذكر لها استدارة كتفيكِ

كتفيك الأملسين، المحمصين

وشعر إبطيك الأشقر المحترق

منحتني عنقكِ

ياااه.. كم أحب عنقك

وبالتحديد.. قفاك

تلك الربوة الأرستقراطية الصغيرة

التي تشرف من بعيد

على صحراء ظهرك الشاسعة

ولا أنسى أبدا أسفل ظهرك

..بل أعلى كفلك

حيث ينبت السرداب

السرداب الضيق المظلم

الذي يهبط بي في رحلة مدوخة

صوب كهف الأسرار

منحتني أيضا..

لا..

لن أنداح أبعد من ذلك

لن أقع أنا هذه المرة أيضا

في الشرك الذي أنسجه لكِ

خذيها

خذي البلوزة

خذي بطنكِ المدورة ذات الأعكان

والثنيات الوفيرة

خذي جبهتك العريضة

وشعرك السائل المنحول

وحاجبيك الخفيفين

خذي فمك الشهواني الغليظ

وابتسامتك البنية الموحشة

خذي ساقيك القصيرتين الملفوفتين

حديقة الزغب المهملة

التي تستشري فيها الحشائش البرية السوداء

خذي صدرك الضامر القوى

بحلمتيه الوقحتين.. كإصبعين

خذي كل ما يخصّك ودعيني أغفو

أتوسّل إليك

لقد جمعتها لك في صرة كبيرة

مدى يدك والتقطيها من على رف أحلامي

لا تخافي

اقتربي قليلا.. أكثر

اطمئني تماما..

ها ها هاااااى

ما جدوى صراخك الآن أيتها الحمقاء

كان الأجدر بك أن تظلي بعيدة كما كنتِ

وأن تنتشيها مثلا..بخطاف طويل

ألم يدر في خلدك

أن خيالي المحموم

خيالي الشقي

ربما يكون رابضا يتربص في أحد الأركان؟!!

هَم م م م م.

 

أسامة الدناصوري
من كتاب: عينٌ سارحة وعين مندهشة


 

.Copyright ©2003- Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri