فيلم
لتوثيق الموت
"هل
أصبح العراقيون
أفضل من وكالة
ناسا الأمريكية
لنقل الناس
من الأرض إلى
السماء هل
أصبحت أجسادهم
سفن فضاء للراغبين
بالسفر عبر
الزمن؟؟؟
بهذه العبارة
يستهل فيلم"بدون
سيناريو"
شريطه التسجيلي
الذي يبدأ
من عتبة العناوين"التايتل"
بشريط ضمني
يعرض لقطات
مختلفة للحياة
العراقية
تمتزج فيها
مظاهر الفرح
بمظاهر العنف
وأعمدة الدخان
التي تلبد
سماء المدينة،
من يوميات
المواطن البسيط
وهو يذيب حبات
السكر في استكان
الشاي أو يرمي
النرد على
الطاولة إلى
قسوة العيش
في حياة مدججة
بالحزن وشوارع
تمخرها المدرعات
وأزقة يستبيحها
الملثمون،
هكذا يختزل"التايتل"حياة
العراقيين،ثم
يبدأ الفيلم
من جولة حرة
يقوم بها مواطن
بسيط بين أرجاء
العاصمة بغداد
التي ظهرت
شواهدها العمرانية
وعلاماتها
بدءاً من تمثال
الشاعر معروف
عبد الغني
الرصافي وقد
حلقت على رأسه
الحمائم،
من تدوين
يوميات على
ورقة منسية،
من عبور جسر
الجمهورية،
باتجاه الأسلاك
الشائكة والحواجز
والشوارع
المقفرة،
باتجاه الحرائق
وعربات الموت
التي تملأ
سماء المدينة
بالدخان،
أشلاء آدمية
وجثث محترقة
وبرك دماء
وأنقاض بنايات
وحياة مكتظة
بالموت، حياة
مؤجلة وأمانِ
مقموعة وأحلام
يغتالها المنتحرون
بأجسادهم
المحشوة حقداً
وكراهية وانتقاماً
من الحياة
التي عجزوا
عن مواجهتها.
"بدون
سيناريو"فيلم
جريء بالتقاط
صور الموت
كما هي عليه
في الواقع
اليومي للمدينة
من دون تعديلات
أو تجميل،
وهذا لايعني
أنه يسترسل
بسرد التفاصيل
المملة بل
كان يكثف التقاطاته
ليظهر بشاعة
ما يحدث، فهو
من الناحية
الفنية نفذ
بلغة وثائقية
مركزة ترسم
كادراً معبراً
ومشغولاً
بحرفية عالية،
لنشاهد الواقع
مكثفاً ومضغوطاً
في لقطة وكأن
للعدسة مجسات
حذرة في اختيار
زاوية التصوير
التي تثري
اللقطة وتركز
سرديتها إلى
أقصى حد، من
دون تفاصيل
مكررة، وبتسلسل
ينسج خطاً
درامياً شفافاً
يجعل من الصورة
مركزاً للسرد،
ويصبح التعليق
بعداً ثانوياً
ليس فاعلاً
بإزاء الصورة
التي اختطت
لغة سردية
بصرية مؤثرة
ومحفزة لانتباه
المتلقي.
يتجاوز
الفيلم آليات
المحظور الإعلامي
فيذهب دون
محاذير مسبقة
إلى عمق البشاعة
والعنف، وقد
نوه في "التايتل"
بمقولة مفادها"تشاهدون
مناظر مؤلمة
جداً وبشعة
جداً.. هذا هو
الحال في العراق..
مع الاعتذار"وهذا
التحذير يشبه
تحذيرات أفلام
العنف بخصوص
مشاهدة الأطفال
والأحداث،
وهو هكذا فعلاً
فمشهد الإرهابي
الذي يفجر
جسده في مطعم
كان عامراً
بالناس ليحيله
إلى أشلاء
مشهد لا تطيقه
العين البشرية،
بل من الناحية
الإنسانية
والأخلاقية
ليس من حق الإنسان
أن يمثل بجسده
وبأجساد الآخرين
بهذه الطريقة
البشعة التي
تأبى النفس
البشرية أن
تتقبلها كفكرة
فكيف الحال
إذا ما تشاهدها
مجسدة أمامك
كمشهد واقعي
أصبح جزءاً
من الحياة
اليومية التي
باتت محاصرة
بين عربات
محشوة بالموت
وأجساد مسعورة
لا تتردد أو
تفكر بما سيحدث.
على
مدى ثماني
عشرة دقيقة
وبضع ثوانٍ
يسرد لنا الفيلم
سيناريو العمليات
الإرهابية
بما تخلفه
من دمار وضحايا
أبرياء ليخاطب
ضمير البشرية
بلغة جارحة
حادة بلا رتوش
ويترك أكثر
من سؤال مفتوح
يستفز ثقافة
المتلقي و
وعيه ويستثير
إنسانيته
ويمر من خلال
ذلك على مختلف
مظاهر التسلح
من قوات عسكرية
وأمنية وملثمين
وحواجز و أسلاك
وخراب وشوارع
موحشة وكل
ما يجعل الحياة
مستحيلة في
مدينة تحتضر
تحت وطأة هذا
العنف، إنه
اختزال شديد
لراهن الحياة
العراقية
في جانبها
العنيف الأكثر
هيمنة وسطوة
على الرغم
من وجود بارقة
أمل هنا وأخرى
هناك، فعادة
ما كانت مشاهد
التفجير والخراب
تأتي بعد مشاهد
ضئيلة لحياة
بسيطة كالتجوال
في ما تبقى
من أسواق أو
الجلوس في
الأماكن العامة،
بمعنى آخر
كان العنف
الرسالة الأساسية
للفيلم والتي
تنتهي برسالة
جوابية مقابلة
في المشهد
الأخير الذي
يصور فتياناً
يتدربون على
رياضة الدفاع
عن النفس "الكونفو"يقوم
أحدهم بركل
لوحة كتب عليها
عبارة"الإرهاب"
لتتحطم ويعلو
بدلاً عنها
علم العراق
وهي (نهاية
ثالثة).
ربما
كان إشراك
ممثل صامت
يجسد لنا شخصية
العراقي البسيط
كخط سردي خفي
سبباً في إضفاء
الحس الدرامي
على وثائقي
الفيلم و تسجيليته
كما جسد الفيلم
أكثر من نهاية
ثانوية قبل
ارتفاع العلم
على أنقاض
الإرهاب،
ففي كادر واحد
جمعت لقطة
قريبة من النهاية
جسداً محترقاً
يتصاعد منه
الدخان لإرهابي
منتحر بينما
المطافئ تحاول
إخماد نيران
شبت على خلفية
ذلك(نهاية
أولى)اللقطة
التالية تظهر
محفلاً دولياً
بينما تنزل
العدسة على
وجه المواطن
العراقي"الممثل
جواد كاظم"متأملاً
ثم مشهداً
عاماً وهو
يقف بمعطفه
يائساً على
رصيف مقفر
ثم تنزل العدسة
على بركة دم
آسنة وبنايات
يرتفع منها
دخان الحرائق(نهاية
ثانية)أما
النهاية الرابعة
فهي "تايتل
الختام" الذي
يعرض شريطاً
صورياً لحياة
عراقية آمنة
مقاهٍ وشوارع
عامرة ونصب
وتماثيل وحدائق
وآثار تاريخية...الخ..
الفيلم
كان من سيناريو
محمد معارج
وإخراج ومونتاج
أحمد السبيعي
وقد اشترك
في تصويره
أربعة مصورين
من الواضح
أنهم بذلوا
جهوداً استثنائية
للحصول على
لقطات حية
في ظروف خطرة
وقد تضافرت
جهود كثيرة
لإنتاج هذا
الفيلم الذي
نفذ بإشراف
عام من قبل
السيدة نضال
السبيعي.
كريم
شغيدل / كاتب
من العراق