حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

طقوس الكتابة

هل للكتابة طقوس؟ متى يكتب الكاتب؟ أين؟ وكيف؟. إنها أسئلة تبدو خارجة عن فعل الكتابة و النص الإبداعي أو النقدي.

أوالفلسفي، ولكن هل حقاً هي أسئلة لا معنى لها ؟ - إنها أسئلة طرحت على جمع من المبدعين والنقاد وأجابوا عليها، ولعل هذه الأسئلة تكون فتحاً لملفات حافلة نسميها هوامش الكتابة وعتباتها. - الكتابة كسر للمألوف....للعادة، لأنها تخلق مألوفها من جنسها، فقلق الكتابة وعذاباتها أجمل بكثير مما يكتب، قهوة الصباح وشاي الظهيرة والقطيعة واعتزال الدنيا ومتاعها، والاستئناس بالوحدة والعزلة، وحلاقة الذقن ونوع العطر كل ذلك لحظة مخاض من دون شك، فلكل أديب وباحث طقس خاص به في ساعة كتابته. فقد اهتم بعض النقاد بذكر طقوس الكتابة عند الأدباء والشعراء الغربيين، ممايجعلنا نطرح سؤالاً مهماً: هل للكاتب العربي طقوس ؟ هل اهتم النقد العربي قديمه وحديثه بتلك الطقوس ؟ هل غيبت المناهج النقدية المنشغلة بالنص الإبداعي دون غيره هذه الزوايا؟ هل العودة إلى محيط النص اليوم والتنقيب عن العتبات والحواشي والهوامش والسكوت عنه من شأنها أن تعيد للمؤلف الحياة ؟ كان الروائي جابريال غارسيا ماركيز يلبس أثناء كتابته لباساً شبيهاً بلباس الميكانيكي، وقال في حديث أجري معه: عندما أكتب البس عفريتة الميكانيكي لأنها رداء مريح، فالعفريتة هي اللباس العملي لأقصى حد الذي تم اختراعه للعمل، فما عليك إلا أن تندس داخله في الصباح وتشد السحّاب. أما ايف نافار فقال: أكتب وأنا بالبيجاما، وقال انها ليست بيجاما، إنها عفريتة للأطفال لونها أزرق داكن، لدي بالفعل هذا الرداء الذي يشبه في آن رداء طفل كبير الحجم، يمكن أن يوضع له قماط، وأيضا يعد رداء طيار، كما أنني أنتعل خفاً من الصوف. -1- وجان شامبيون يقول: أرتدي المبذل الروب دي شمبر- طوال وقت الكتابة، بل وبعدها, وقال أنا لا أرتديه بل هو يلاحقني، أمسح فيه كل شيء، أقلامي ودموعي، وأصابعي التي اتسخت من الكربون، ألمي غير المنتج، وابتهاجاتي الصغيرة وكل شيء. وكان أنجيلو رينالدي يحتفظ بربطة عنقه أثناء الكتابة كما يقول احتراماً لقواعد اللغة، حتى لا يدع مجالاً للاسترخاء وقال نتالي ساروت عن الأمكنة التي يحلو للكاتب الكتابة فيها: اذهب كل يوم في باريس إلى حانتي المعتادة، انه لشيء رائع، كما لو كان المرء مسافراً فليس هناك مجال لأية تسلية، ففي البيت يلجأ المرء إلى كل شيء لكي لا يكتب، فهو يبحث عن خطاب مفقود أو يأخذ كتاباً أو يستمع إلى جلبة البيت، أما الحانة فيكون الشخص وحده تماماً ويعلم تماماً أن أحداً لن يزعجه، وهو لا يشعر في الوقت نفسه بالوحدة التامة، وبذلك يفضل وجود الناس حوله وهو يراهم أثناء مرورهم. أما روبير ساباتيه فيقول عن طقوس كتابته: إنه يكتب في أي مكان وفي أي وقت عند الصباح وفي المقهى, في لحظة انفراده في المترو، يكفي أن تكون معي ورقة، وأنا أحمل معي دائماً دفتر شيكاتي ونادراً ما لا يكون غلافه مغطى بكتابات رفيعة مخربشة كما يحدث لي أحياناً أن أضحي بشيك أو شيكين، ويضيف ساخراً: والحق أنه يجب إجراء دراسة حول أهمية دفتر الشيكات في مجال الشعر، ويبدو أن عدم الالتزام بطقس معين للكتابة في حد ذاته أحد طقوس الكتابة، وما كان يفعله روبير ساباتيه يشبه ما كان يفعله محمود المسعودي و د. نزار بني المرجة، محمود المسعودي الذي عثر على كثير من نصوص كتابه الأخير من أيام عمران- الذي قدمه وحققه محمود طرشون مكتوباً على بطاقات ودعوات رسمية وعلى أوراق الجرائد، أما الدكتور الشاعر نزار بني المرجة فقد سمعته يقول في لقاء: بالنسبة لي القلم الذي اكتب به الوصفة الطبية هو القلم نفسه الذي أكتب به القصيدة، وكثيراً ما تسعفني أوراق الوصفة الطبية لشعر يأتيني فجأة، فأكتب عليها شيئاً من شعري. وإذا ضربنا الأمثلة عن بعض الأدباء والشعراء العرب وطقوس الكتابة عندهم نراها أنها متفاوتة، فلكل طقس خاص به، فنجيب محفوظ في قمة عطائه كان يكتب في فصلي الشتاء والخريف ولثلاث ساعات يومياً من العشرة صباحاً إلى الواحدة ظهراً، وفي مكتبه بمنزله في حي العجوزة ومن طقوس كتابته أن يتهيأ للكتابة بالمشي قليلاً والاستماع إلى الموسيقى وبعض الأغاني من المذياع، وكان خلال ساعات الكتابة يتناول ثلاثة فناجين قهوة، فنجان واحد كل ساعة تعدها زوجته من دون أن يطلب منها ذلك، ومع القهوة يدخن بشراهة. -2- أما صالح مرسي فكان يكتب بقلم جاف أما الصيغة الأخيرة فيكتبها بقلم حبر، وكان يحب اقتناء الأقلام ويشعر بمتعة في جمعها، ومن طقوسه أثناء الكتابة أن يتهيأ لها كما لو كان ذاهباً للقاء حبيبته، يحلق ذقنه ويأخذ حماماً ويتعطر، ويرتدي ثيابه كاملة ثم يجلس وراء مكتبه، في هذه الطقوس كتب الحفار والهجان صباحاً ومساءً، وقد يجلس وراء مكتبه ثمانية عشر ساعة متصلة، وكذلك كان عزيز أباظة يتأنق كثيراً كما كان يفعل نزار قباني. أما إدوارد خراط فكان يصمت شهوراً أو سنين وفجأة يبدأ بالكتابة بسرعة وبدقة، إلى أن يتوقف فجأة مثلما بدأ، ومن طقوس كتابته أنه لا يكتب إلا في آخر الليل على مكتبه بالتحديد في بيته، حيث يكون محاطاً بالكتب من كل ناحية التي قال عنها: إنها كائنات حية بيني وبينها حوار لا ينقطع، وقال: لا أستطيع أن أكتب في مكان عام مثلما يفعل إبراهيم أصلان فإذا كان الصمت يصيب أصلان بالتشتت فالخراط لا بد أن يجلس وحيداً في غرفته بشرط أن يشعر بوجود زوجته قريبة منه معنوياً لا مادياً يضغط على أنفاسه ساعة الكتابة، ومن عادته أن يكتب بأي نوع من الأقلام وعلى أي نوع من الورق المهم عنده ماذا يكتب، يقول في ذلك: إن لحظة التوهج لا تترك للكاتب فرصة تفضيل قلم أو ورقة على غيرهما، وكان يعيد كتابة بعض قصصه حوالي خمسين مرة في بداياته، كما كان من طقوس كتابته أن يستمع إلى موسيقا كلاسيكية هادئة وكأنها آتية من بعيد. أما إبراهيم أصلان فقد كتب معظم أجزاء روايته مالك الحزين في أحد المقاهي في قمة الضجيج، حيث يتوحد بالعمل وشخوصه، ويقول في ذلك: خلال الكتابة أشعر دائماً بحالة من التهيج، ترتفع درجة حرارتي وأنقلب كائناً عصبياً وتداهمني رائحة دخان السجائر حتى لو لم يكن في يدي سيجارة، وكان غالباً ما يكتب شتاءً. ومن طقوس الكتابة عند يوسف القعيد أنه ينام باكراً في الساعة الثامنة، ويستيقظ في الخامسة صباحاً، يذهب إلى حجرة الطعام ويكتب فيها من السادسة إلى الثامنة ثم يتناول فطوره ويغير مكان الكتابة أحياناً، لكنه لا يكتب بعد العاشرة صباحاً لئلا تتحول الكتابة عنده إلى وظيفة، ومن طقوسه أن يضع عدداً كبيراً من الأقلام من مختلف الأنواع لكنه لا يستعمل إلا القلم الجاف الأسود أو الفلوماستر الأسود، ويكتب وهو يسمع موسيقا بيتهوفن وتشايكوفسكي ومن عادته أنه يشرب أربعة كؤوس من الشاي أثناء ساعات الكتابة الأربع ويعده بنفسه مع سيجار كامل. أما إبراهيم عبد المجيد أثناء الكتابة لا يشعر بالجوع إنما يدخن بشراهة، وكان لا يكتب إلا شتاء وفي مكان دافئ وتحت ضوء باهر ومع سماعه لفيروز وعبد الحليم خاصة أثناء المخاض أي ما قبل الكتابة ليهتز جسمه ويتخمر شي ما في رأسه. -3- وإذا وصلنا إلى أسامة أنور عكاشة فسنجد أن له طقوساً خاصة به، فقد كتب أرابيسك وليالي الحلمية في الشتاء في شقته بالإسكندرية، حيث ينعزل هناك، فلا ضجيج ولا زيارات ولا مطالب عائلية وهناك البحر حيث يوفر له الهدوء النفسي، ويبدأ طقس الكتابة عنده من العاشرة صباحاً إلى السادسة مساءً، ثم يمشي ساعة على شاطئ البحر منفرداً ومن عادته أن يجهز أوراقه وأقلامه والموسيقى والمشروبات قبل الكتابة، ويبدأ بالكتابة بعد شربه كأساً من الشاي ويدخن نحو تسعين سيجارة يومياً، ثم أقلع عن السجائر وصار يدخن الغليون، وبعد الشاي بساعتين يشرب نسكافيه ثم كأساً من العصير ثم فنجان قهوة تركي، ومن عادته أن يكتب كل مسلسل بقلم خاص ويحتفظ به بعد أن يكتب عليه اسم المسلسل. أما خيري شلبي ففعل الكتابة عنده قاتل بقدر ما هو ممتع، فهو يتحول إلى شخص لا يطاق، فكثيرا ما تنصحه زوجته أن يكتب من داخل سرداب لا يرى أحداً ولا أحد يراه، لذلك أقام فعلاً في مقبرة خاصة بأسرة منقرضة منذ القرن الثامن عشر، وأنجز فيه ثلاثاً من أهم رواياته الطويلة { ملحمة الشطار والأمالي وموال البيات والنوم ». ومن طقوس كتابته أنه عندما يستعد للكتابة يصيبه اكتئاب حاد، ويشعر برغبة جامحة في الانتحار، ويشعر كأن أسباباً غامضة أتت به إلى الحياة لكي تعذبه وتملأه حقداً على حد قوله، وهو بالفعل لحظة الكتابة لا يطيق أولاده ولا زوجته ولا معارفه، هكذا تنتابه حالة من السخط، وحين ينتهي من الكتابة ويخرج من هذا السجن ويشعر بالشفاء يبادر بإصلاح ما أفسده الإبداع، فيزور أهله وأصدقاءه ويتحول إلى شخص ودود ومرح، ومن طقوسه أنه لا يكتب وهو جائع لا يدخن إنما لا يكتب بلا شيشة وصوت فيروز، ومن طبعه أنه يكره الكتابة في الشتاء. وإذا عدنا إلى بعض الأدباء الغربيين وجدنا عندهم طقوساً غريبة، فبورخيس كان يغطس في الصباح الباكر في حوض الاستحمام ليستغرق في التأمل. وكان ماركيز يؤمن بأن الأزهار الصفراء على طاولته تجلب له الحظ, ومتذكر أنه يستهلك مئات الأوراق حتى يستخلص قصة في اثنتي عشرة صفحة. ويذكرنا يوسا بانضباطه ودقته بنجيب محفوظ الذي كان يمر في وقت محدد أثناء تجواله في القاهرة، فتضبط الساعة حسب مروره بذات المكان، ولكن المفاجئ في سلوك يوسا الأدبي أنه كان يكتب وأمامه دمى ألعاب- لأفراس النهر. وسيمنون كان يصحو في السادسة صباحاً ويحضر لنفسه القهوة ويأخذ فنجانه إلى غرفة عمله، حيث الستائر مسدلة لا يرفعها لأنه يحب الكتابة تحت المصابيح الكهربائية ولا يكتب إلا لثلاث ساعات يومياً. -4- أما أجاثا كريستي فقد كانت أفضل الأ فكار في الحمام كما قالت، فكانت تجلس في البانيو ساعات طوالاً،حتى تجد القصة الملائمة، وقالت: لا أستطيع وضع التصاميم إلا في الرياح الممطرة ، أما إذا أشرقت الشمس فيكون أحب شيء إلى نفسها الجلوس في الحديقة، وفي الأيام العشرة قبل الأخيرة أي قبل البدء في الكتابة تحتاج لتركيز محكم فتخلو وحيدة دون ضيوف وتلفون ورسائل. وكان همنغواي يجلس للكتابة في البرج الأبيض المطل على العاصمة الكوبية هافانا، فيذكرنا بميخائيل نعيمة والشخروب في أعلى بسكنتا في لبنان. وفاروق مواسي الشاعر والناقد والباحث الفلسطيني يقول عن طقوس كتابته: إن النظام والدقة أهم ما أهتم به، والصدق هو العمود الفقري لكتابتي، فإذا ورد وارد القصيدة وكنت سائقاً كتبت بعض أبياتها وأنا أقود السيارة، وإذا كنت على فراشي ليلاً فإنني أدون الوارد والنور مطفأ، لئلا أعكر صفو عائلتي، ومن عادتي أن أقرأ بصوت عال كل ما أكتبه. أما عبد الملك مرتاض من الجزائر فيقول: لقد كتبت أكثر من عشرين كتاباً أثناء ساعات القيلولة. وإذا عدنا إلى التراث العربي وجدنا أن جريراً كان يكتب شعره في أول الليل، وكان الأدباء القدامى أمثال ابن رشيق والجاحظ وابن قتيبة وابن خلدون أفضل من تحدث عن طقوس الكتابة وفي أي وقت يجب أن تكون، فأجمعوا على أن أفضل وقت للكتابة هو ساعة الفجر حيث يكون الذهن أصفى والقريحة أنقى، لكن الزمان تغير وصار كل كاتب وكل أديب يتخذ لنفسه طقساً معيناً لكتابة فيض إبداعه.

 

محمد عيد الخربوطلي / الملحق الثقافي


 

© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.