حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

جمعة اللامي..
صورة القصاص في شبابه

مازلت اذكر جيداً وجهه الأليف القريب الى نفسي يوم رأيته اول مرة في عرس احد أقربائه في قطاع (33) لمدينة الثورة، كنا مجموعة من الفتيان الممتلئين شيطنة وحركة ومشاغبات، فجأة هبط علينا ذلك الوجه بسحنته المحببة، جمعنا في بوتقته الدافئة والملم ضياعاتنا الاولى في شوارع القهر اخذ يقص علينا حكاية (نيسناس)

المليئة بالشخصيات القردية في مجتمع حيواني مليء بالحكمة والحياة والصور انه عالم بديل عن عالم الانسان وهو في الوقت ذاته يعبر تعبيراً صادقاً عن عمق عوالمنا الداخلية كبشر، بعدها نهض وتركنا مذهولين، قيل لنا انه كاتب يكتب القصص والحكايات اسمه جمعة اللامي وهو قريب للحاج داخل الذي تربطني مع اولاده علاقات حميمة، منذ تلك اللحظة صرت ابحث عنه واتابع اخبار نسانيسه واقرأ كل مايقع بيدي من اوراقه  حتى انني اخذت ابحث عن قصة (نسناس) الرواية الحلم حتى عثرت عليها ذات يوم وصارت تشكل احدى ثوابت قراءاتي الروائية، وتمر الايام واذا بي اعرف ان بيت اهل جمعة قريب من بيتنا وفي القطاع ذاته، عرفت مكان البيت وصرت اتخطف من امام الباب، فان كان مفتوحاً ابطأت الحركة وتراخيت امام فرجته المؤدية الى مشهد مألوف وغير بعيد عن البيوتات العراقية أملأ ان المح شكله  وهو يجلس يقرأ او يكتب او حتى ينام، لكنني لم اره، بينما كان ابن عمي يجزم ان اباه الحاج كشكول كان كلما يستيقظ فجراً ليؤدي صلاة الصبح يجد جمعة اللامي نائماً عند عتبة داره لانه لم يستطع مواصلة المسير الى اهله حين يعود ثملاً من نادي اتحاد الادباء، فيضطر الى الاستراحة عند عتبة  بيت عمي، لكن الاغفاءة تأخذه لينام حتى ساعات الصباح الاولى، فيقوم عمي رحمه الله بايقاظه من نومته الاثيرة واخذه الى بيتهم ليكمل مشوار النوم الطويل، اما انا فلم اره نائماً ابداً،كنت اراه يقظاً عطوفاً قلقاً، مستوخزاً في حركة لاتهدأ، لذلك رأى عمي رغم اعتراضه على سلوكه الغريب وثمالته المستديمة ان يرسلني اليه حاملاً منه رسالة توصية لتعييني في مكان يراه مناسباً لي ولانني والكلام مازال لعمي احمل موهبة في خربشات الكتابة اخذني الرجل من يدي مرحباً باشاً في وجهي بابتسامة اليفة طارداً معها كل غربة وخجل وتلكؤ خصوصاً حين علم بأن الذي ارسلني هو منقذه اليومي الحاج كشكول، وكان اللامي يعمل انذاك في القسم الثقافي باذاعة بغداد وكان يأمل بمنحي فرصة عمل هناك لكنه لم يفلح في ذلك فأصحو على مواصلة البحث حتى وجد فرصة سانحة في القسم الثقافي لمجلة (صوت الطلبة) وبالفعل تسلمت عملي هناك وصارت اتصالاتي به مستمرة سواء في التلفون او بالذهاب  الى بيته الخاص مع اخيه صباح وكانت المفاجأة الابداعية حين وقعت في يدي مجموعتة الاولى من قتل حكمت الشامي) الصادرة عن وزارة الاعلام مطلع السبعينيات وكنت حينها في بداياتي الاولى، فانبهرت بها لانها كانت تحمل البذور الاولى للتجريبية العراقية شكلاً ومضموناً، بحيث ان الرجل استطاع بكل جرأة  وفرادة - ان جاز لي ذلك ان يتناول يثمات تشكل توابات محرمة على الكاتب العراقي - خصوصاً التراث الشيعي والفكر الشيوعي - وغني عن القول ان الرجل كان نزيلاً في نقرة السلمان التي أوت  قيادات القوى السياسية الوطنية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي. كانت امة العراقية الشجاعة بكدها وقوتها  تذهب الى صحراء السماوة حيث السجن الرهيب محملة بوصايا الحب وبقايا المؤن والامتعة والملابس الى ابنها السجين السياسي القابع هناك، وقد وفق اللامي كثيراً في توظيف مناخات تلك التجربة المريرة في مجموعته القصصية المهمة (الثلاثيات)، اما مجموعة (من قتل حكمت الشامي) فقد كانت النور الاول الذي اخترق ظلمات السواكن والثوابت السائدة في القصة العراقية ابان الخمسينيات، انه الستيني المتوثب الذي اثار غبار المعارك الابداعية واسس مع رفاقه بناهم التحتية الموغلة في ؟ حداثوية شكلت خطوة اولى محطمة القواطع وفاتحة الافاق الواسعة امام شباب القصة العراقية ليقتحموا الحاصيل ويواصلوا مغامرات الشكل والمعنى والافكار، ولم يكتف عند هذا الحد فقد رافق زملاءه الذين كانوا معه في الكلمة والمنطق والصف فأحمد خلف وجليل القيسي ومحمد خضير وفاضل العزاوي وسركون بولص ومحمد عبد المجيد ليؤسسوا منهجاً جديداً في القصة ويوجهوا دفة السرية الى معالم اخرى وسواحل غريبة، واستمر اللامي في الكتابة حتى وهو يعيش عزلته الصوفية بعد وفاة والدته، فكتب مجموعة (اليشن) وهي الاخرى ارث المتصوفة (العرفانين) الشيء الكبير اضافة الى ترحاله المستمر الى منابع النشأة الاولى وموطن الاجداد ومساقط رؤوسهم هناك في ثرى الجنوب الثر بالارث الانساني النبيل وحكايا القرى التي كثيراً ماشكلت لنا ينابيع الخيال الخلاقة وتواصلت اصدارات اللامي في غربته الطويلة عن بلده ابتداءً من مقامته اللامية وحتى (مجنون زنوبيا) اضافة الى كتب مقالاته السياسية والفكرية التي اعطت للعالم صورة واضحة المعالم لما يحمله هذا المبدع من هم وطني وانساني متأصل في ذاته ومنطلق الى افاقه البعيدة ليعطي بالتالي صورته المثلى للقصة العراقية التي اعادت بهؤلاء المبدعين شبابها لاول ولادتها الجديدة. 

 

حميد المختار / كاتب من العراق


 

© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.