حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

”أنتوني هوبكنز“ في فيلم ”الغريزة“
من هو الأكثر وحشية: الإنسان أم الحيوان؟

من شاهد الممثل الإنكليزي "أنتوني هوبكنـز" في فيلم "صمت الحملان Silence Of The Lambs - وهو يقوم بدور الدكتور "هانيبال لكتر" آكل لحوم البشر المثير للخوف بنظراته وتعبيرات وجهه المفزعة، فعليه أن ينسى ذلك كله حين يتهيأ لمشاهدة فيلم - Instinct - الذي قام به هوبكنـز بدور "إيثان بويل" أستاذ السلوك الحيواني والذي عاش لمدة سنتين مع عائلة من الغوريلات في إحدى الغابات، فتغيرت شخصيته كلياً (طبعاً مدة سنتين غير كافية لتغيير شخصية الإنسان) وعاد مجنوناً.هذا الاستاذ الذي كانت صلاته بعائلته باردة أقام علاقات أفضل مع الغوريلا.
لقد تخلى عن مكانته العلمية وموقعه الاجتماعي وما يسمى بالمجتمع المتحضر ليعيش وحيداً مع الحيوانات في "رواندا" -ولعل المكان مقصود ليذكرنا بأبشع المجازر القبلية ! - في النهاية اشتبك مع مجموعة من الحراس قامت بقتل أفراد عائلة الغوريلا ببشاعة فقتل اثنين من الحراس وجرح آخرين، فوضع في زنزانة انفرادية لمدة سنة ثم نقل إلى سجن في الولايات المتحدة وقد طال شعر رأسه ولحيته الأبيض بدرجة كبيرة جداً. وخلال(100) دقيقة يعرض لنا الفيلم أفكاراً أو مناقشات عن عدوانية الإنسان تفوق ما يمكن أن يقوله (فرويد) أو (كيركغارد) خلال سنة. يلتزم "بويل" الصمت المطلق التام وتنتابه نوبات عنف شديدة تجاه حراس السجن الساديين الذي يتبعون سياسة "فرّق تسد" السيطرة على السجناء من خلال خلق كبش فداء منهم يوجهون ضدّه عدوانهم المختزن وبينهم في ذلك الطبيب النفسي الفاسد في السجن المخصص لعتاة المجرمين المضطربين نفسياً.
وسط هذه الأجواء يكلّف الطبيب النفسي الشاب - (ثيو كيلدر) (قام بدوره الممثل كوبا غوودنغ" لتقييم القوى العقلية لبويل، لكن كان هاجسه الأساسي هو: ما الذي يجعل إنساناً ناضجاً وذا اختصاص علمي رصين لأن يصبح قاتلاً عنيفاً؟ وعبر الحوار الذي جعله المخرج "جون تورتلتو" شبيهاً بمطاردة بين كائنين في غابة - بين بويل والطبيب النفسي-سنعرف الكثير عن غرائز النفس البشرية، طبيعة الحرية، الشهوة للسلطة والتسلّط، ومفهوم الخداع وغيره، الأهم من ذلك هو أن الطبيب الشاب الذي يدعو السجين لأن يريه أين يكمن العنف.
يتعلم الكثير عن نفسه حيث يجد أن دافعه الأساسي في الاضطلاع بهذه المهمة لم يكن البحث عن المعرفة بل رغبته الشخصية في تطوير مسيرته المهنية ولنشر مقالة حول مريضه التعيس، وربما فكّر بكتابة رواية تظهره كبطل، وتنشر ضمن سلسلة أفضل الروايات الرائجة.
ومن المهم الإشارة إلى أن الممثل "كوبا غوردنغ" قد أجاد دوره إلى حدّ كبير وأداه بتناغم مع أداء هوبكنـز الرائع الذي كان كعادته مقتدراً وتقمص دوراً كان مخصصاً أصلاً للممثل المعروف "شين كونري" فوضع بصمته على الشخصية وكان تجسيده لشخصية العالم المشوّش محكماً من مشاهد التعامل مع أفراد عائلة الغوريلا إلى سلسلة اللقطات الساحرة التي قدم فيها درساً موجعاً لكيلدر حول المخادعة. وفي محاولة منه للتأثير في العالم الصام-الأب الهارب يقوم الطبيب بالاستعانة بابنته الكئيبة المنعزلة وأدت دورها ((مورا تيرن)) تنشأ علاقة افلاطونية بين الاثنين لاحاجة لها. بالإضافة إلى ذلك هناك نقاط ضعف أخرى في الفيلم تثير التساؤلات، منها: كيف يستطيع شخص بعمر ستين عاماً التغلب على ثلاثة سجناء من المجرمين العتاة يزيد وزن الواحد منهم على المائة كيلوغرام؟ وكيف قتل قبلها حارسين ضخمين؟
وما معنى الوقوف تحت المطر ممدد الذراعين كرمز للحرية وهو مشهد متكرر في الكثير من الأفلام؟ حتى الهندية منها؟ وهناك النهاية - نهاية الفيلم- التي ينصح بعض النقاد المشاهدين أن يخرجوا من صالة العرض ليتمشوا بهدوء ثم يتخيلوا - وهم في طريقهم إلى البيت - النهاية الخاصة بهم.
ويضيف أحد النقاد أنه مهما كانت النهاية التي يرسمها المشاهد للفيلم فإنه - أي الناقد - يضمن أنّها ستكون أكثر معقولية من النهاية التي لفقها مؤلفوا قصّة الفيلم. ألم ينتبه ممثل كبير مثل "هوبكنـز" وهو يقرأ السيناريو إلى مثل هذه النهاية الركيكة؟ هل هي مصائد اللاّ شعور الماكرة التي تستثمر لحظات الانتفاخ النرجسي لتغيّب البصيرة الناقدة.
وبرغم نقاط الضعف هذه، بل برغم النهاية المفبركة هذه، فإن هروب الدكتور "بويل" من السجن - بتواطؤ الطبيب - وعودته إلى البّرية - وبعد سلسلة المقارنات المحكمة بين عدوانية المجتمع "المتحضر" والمسلّح بالعلم وسبل التطور وبساطة - بل سذاجة - المجتمع البدائي بدوافعه الأولية الفجّة، يؤكد فكرة الفيلم المركزية وفلسفته الأساسية والتي تتمثل في رسالة جوهرية مفادها أنّ الحيوان مهما كان، فهو أقل وحشية وعدوانية من الإنسان.

 

حسين سرمك حسن


 

© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.