علوان:
شخوصي مزيج من الوحدة والتأمل والترقب
ان القراءة
الأولى لأعمال جبر علوان لا تكفي، فبعد انخطاف العين نحو حركة
الالوان المتفجرة لابد من التأمل الصامت، فمنذ رحلته الطويلة من
بابل البعيدة الى روما، قبل نحو ثلاثين عاما، ظلت ذاكرة جبر مسكونة
بتنويعات الحياة والالوان الشرقية التي تمزج الواقع بالحلم، وعلينا
ان نتأمل لوحاته كما تأملها هو في ولاداتها الاولى.
ومع ان جبر علوان
استقر في روما على ارض صلبة، وانتشر غربا، الا انه ظل يحج الى
الشرق ويعرض اعماله، ويرسم، مغامرا، مراهنا على اضافات جديدة الى
انجازاته التي اعترف بها الغربيون قبل الشرقيين.
يحرص جبر على
التواصل مع مشاهديه واصدقائه، ولهذا لم تنقطع معارضه الفنية في
العواصم العربية، ومعرضه في »جرين آرت« في دبي لم يكن الاول، في
الوقت الذي صدرت فيه السيرة الحياتية والفنية له في كتاب عن دار
المدى بدمشق من تأليف عبدالرحمن منيف بعنوان »جبر.. موسيقى الالوان«
ويحمل هذا الكتاب صورا لجبر منذ طفولته، وصورا لأهم اعماله في
مراحلها المختلفة.
يقول عبدالرحمن
منيف: ان الرحلة مع الوان جبربمقدار ما تولد متعة بصرية، فانها
تطرح اسئلة بالغة الاهمية، لأنها تجعلنا نعيد النظر بالالوان من
حولنا، او تجعلنا نراها بشكل مختلف عما تعودنا رؤيتها.
بين مواعيد جبر
التي لا تنتهي مع الالوان والاصدقاء، في دمشق، كان هذا الحوار
معه قبل سفره الى دبي لحضور معرضه الذي اقيم بصالة الجرين آرت.
التحليل باللون
*
ثمة علاقة خاصة تربطك باللون، والذين يعرفون اعمالك يمكن ان يميزوا
ويعرفوا لوحاتك عن بعد، ويقولوا: هذه الوان جبر علوان، فكيف تشكلت
وتطورت علاقتك بالالوان؟
ـ انا درست النحت،
ولكن اللون هيمن على مشاعري، واللون هو فلسفة تعبيرية بحد ذاتها،
وانا احاول من خلال اللون تجسيد مفاهيم خاصة بي، فمن خلاله استطيع
التعبير عن الشكل الجمالي للانسان، عن حالات الفرح او الوحدة،
ومع الزمن تطور هذا اللون، فوصلت في اعمالي الجديدة من خلال اللون
الى مرحلة التحليل النفسي للشخوص المرسومين.
* هل لديك شروط مسبقة
تتحكم باختيار الالوان في اللوحة الواحدة قبل او اثناء عملية الرسم؟
ـ عندما ارسم اكون
في حالة تحرر من الشروط المسبقة، لأن الفنان هو مجموعة مكتسبات،
وعليه ان يترك مساحة واسعة للاوعي.
فاللوحة احيانا تفرض
شروطها، فيحدث لي احيانا وانا ارسم ان اغير الالوان او الاشكال
قبل انتهاء اللوحة.
* هل لاحظت او شعرت
ان ممارستك الطويلة في الرسم، بلغتك الخاصة، تركت اثرا على حياتك
الشخصية وعلاقتك ومشاعرك، مثلا؟
ـ اية عملية ابداعية
صادقة تؤثر على كيان الانسان المبدع، تهذب وتشذب الزوائد ويصبح
الانسان صغيرا امام ابداعه.
الفن
يصقل السلوك، واذا وجدنا بعض المبدعين التي تتضخم لديهم الانا فهذه
مشكلة، او حالة مرضية.
* عندما
نحاول قراءة اعمال بعض الفنانين قد نحتاج الى مفتاح او لوحة مفاتيح
خاصة، وهذا ما ينطبق على بيكاسو ودالي وجياكومتي مثلا، فما هي الفكرة
الاولية التي تشكل مفتاحا يستخدمه المشاهد العادي لقراءة لوحاتك؟
ـ حاولت
منذ البداية ان تكون لوحتي بسيطة، وخصائص اللوحة هي فن بصري، يخاطب
العين مباشرة، واعتقد ان لوحتي تخاطب عيني انا مباشرة، ولهذا فانني
اشعر بمتعة بصرية اثناء العمل، متعة سهلة ومقروءة لي، وحيث انني
بسيط اصلا، فأعتقد انها سهلة لعين القارئ، ومع ذلك فان هناك ابعادا
وخفايا لا يكتشفها المشاهد في القراءة الاولى، فهو يحتاج الى التأمل،
بعد المشاهدة الاولى، وهذا يمكن ان يكون المفتاح.
* من
خلال استعراض سريع لأعمالك القديمة والجديدة يمكن ان نكتشف انك تميل
الى اللوحة ذات الحجم الكبير، فما هو السر في ذلك؟
ـ انا
افضل اللوحة الكبيرة لأنها تمنحني حرية واسعة في التعبير وتمنح نفسها
حرية في الامتداد، فاللوحة الكبيرة كالبحر، يشبع خيالك وتصوراتك
ورغباتك، بينما اللوحة الصغيرة كالنهر الصغير الذي يقيد الخيال ولا
يدعو الى مزيد من التأمل.
الاحتفال
بالجسد البشري
* في
اعمالك احتفال بالجسد البشري وتمجيد لحركته وانطواءاته، وهذا الاحتفال
يأخذ اشكالا من الاناقة والغزل، والحب الخفي الصامت، والاثارة الرفيعة،
وسبق لك ان اشتركت مع سعدي يوسف في اصدار مجلد خاص بعنوان »ايروتيكا«
يضم قصائد ورسوما خاصة بالجسد البشري وتجلياته، فماذا ترى في هذا
الجسد، عادة؟
ـ
ان الاهتمام بجماليات الجسد البشري يدخل في يوميات السلوك العادي،
لدى الناس، ذكورا واناثا، وفي كل مراحل حياتهم، ولكنه عند الفنانين
والشعراء يأخذ ابعادا اخرى، فهو نبع دائم للابداع.
* يمكن ان نقول
ان للجسد البشري لغة خاصة به، وهذه اللغة يمكن اكتشافها في نبض
الجسد الحي، او في ايقاعات الجسد المرسوم في لوحة، فكيف تفهم ذلك؟
ـ للجسد البشري
رموزه ولغته، وبين المليارات من الناس لن نستطيع ايجاد جسدين متشابهين
بكل التفاصيل الكبيرة والصغيرة، في الشكل والحركة، والعضو الواحد
في الجسد تتغير وظيفته، فاليد الواحدة لها آلاف الوظائف، ويمكن
للفنان ان يميز بين حركات الايدي المختلفة، فهذه يد نجار، وتلك
يد موسيقي، وهما يختلفان عن يد المصارع، وهناك حركات العيون التي
تمثل مرايا النفس البشرية، والامثال الشعبية في اللغات المختلفة
تحمل الينا صورا لا تنتهي من معاني حركات الاعضاء البشرية، في
حالاتها المختلفة.
ان الطبيب يتعامل
مع الجسد البشري بطريقة مختلفة عن الفنان، ويقرأ لغة الجسد من
موقع الباحث عن الخلل في ايقاع الجسد، وهو يلتقي مع الفنان في
بعض المسارات، لكن الفنان يحلل الجسد البشري، ويبدع منه حالات
كثيرة، جمالية وتعبيرية، ونفسية.
واذا كنا كبشر نتعرض للاستغلال والاضطهاد في اجسادنا ونفوسنا،
فلماذا لا نحرر انفسنا في تعاملنا مع جماليات اجسادنا التي تشكل
جزءا من جماليات الحياة على الارض.
* تبدو العين
البشرية في رحلتها اليومية في الزمن الراهن مرهقة بازدحام المرئيات
المتحركة والثابتة والملونة، فما هو انعكاس هذه الحالة على علاقة
العين البشرية باللوحة التشكيلية او النحت؟
ـ تعددت الفنون،
بانواعها واساليبها بحكم التطور الطبيعي والقفزات التقنية، لكن
بعض الفنون تظل متماسكة على الرغم من المزاحمة، وهكذا تستمر حركة
الحياة والفن في ايقاعات متوازية، متعايشة بما فيها اللوحة والمنحوتة.
حينما يضجر الانسان في اوروبا من الزحام والضجيج يهرب الى المتاحف،
او الى اي نوع من الفن، واذا لاحظنا اي نقص في اهتمام الناس بالفن
فهذا لا يعني خراب العلاقة القديمة بين الانسان والفن، وانما بسبب
تسارع الحياة اليومية والاحتياجات الاضافية للعمل والركض وراء
المشاغل اليومية المتزايدة.
*
انت كفنان عربي تعيش في ايطاليا، كيف ينظر النقاد الى تجربتك من
حيث العلاقة المزدوجة بالشرق والغرب؟
ـ منذ البداية كانت تربيتي
الفنية حديثة ومكتسبة، فقد درست الفن بشكل اكاديمي على ايدي اساتذة
درسوا في اوروبا، وبعد ان انتقلت الى ايطاليا منذ ثلاثين عاما
صرت قريبا اكثر من مصادر الفن الحديث، وتعمقت تجربتي الفكرية والفنية
معا، لكن هذا لا يمنع ان القول بأنني شرقي احمل شخصية مركبة من
ثقافتين، فالقراء والنقاد في اوروبا يشيرون دائما الى جذوري الشرقية،
بينما القراء والنقاد العرب يشيرون الى تأثري بالغرب.
* كيف تنظر الى الواقع
الراهن للفن في اوروبا، كمشهد يمكن ان ينعكس على راهن الفن في
العالم؟
ـ ليس هناك شكل واعد
او نموذج من الفن الجديد يطرح في اوروبا، لكن هناك تنويعات كثيرة
على الاتجاهات التي ولدت بعد الحرب العالمية الثانية، فهناك الفن
المفهومي (Conceptual Art) وفن التركيب (Installation) ودخلت الى
الفنون عناصر اخرى كالفيديو والفوتوغراف والكمبيوتر وكل وسائل
التقنية والاتصال، ولكن كل هذه العناصر لا تلغي كلاسيكيات الفن
كاللوحة والمنحوتة، وانما تتعايش معها، بشرط وحيد هو انتسابها
الى الابداع، فلا يطغى فن على فن اخر، وفي المعارض الكبيرة مثل
بينالي فينيسيا يمكن ان نجد اللوحة الى جانب اعمال مركبة او فوتوغرافية،
او عرض فيديو، او نجد جسدا بشريا حيا او كائنا حيا بين العروض
الاخرى.
* ماذا تعني لك ايطاليا،
وما هي الخصوصية التي تربطك بها؟ ـ
ايطاليا هي اقرب البلدان الاوروبية الى روحي واروح الفنان الشرقي،
كذلك فإن ايطاليا كانت ومازالت مزارا للفنانين العالميين، لأن
لها سحرها الخاص، وكثيرون هم الذين استقروا فيها بعد زياراتهم
الاولى اليها.
كانت الحياة في روما
سهلة بالنسبة الي، بحكم تسامح الايطاليين، وكانت روما تقدم لي
غذاء فكريا وجماليا، فالمدينة ذاتها تشكل متحفا حيا كبيرا، في
شوارعها ومعابدها ومتاحفها وساحاتها وطبيعتها المعمارية، وهي امتداد
معاصر للتاريخ الحضاري.
وفي
ايطاليا طبيعة متنوعة وبيئة غنية، من البحر الى السهل الى الجبل،
وفيها كثافة في تعداد الالوان، فهي تختصر الوان الطبيعة، والشعب
الايطالي يملك ذائقة فنية عالية في كل وجوه حياته من الطبخ الى
اللبس الى العمارة الى الفن والحب.. فكيف لي، اولأي فنان، الا
احب ايطاليا؟!
* ان كل الشعوب التي
تهتم بالثقافة والفنون تحاول ان تستلهم تراثها الثقافي والفني
البعيد، ونحن ننتمي الى حضارات قديمة كان لها دور كبير في تنمية
الفنون، فما هو سبب انفصالنا عن هذا التراث القديم؟
ـ لدينا تاريخ حافل
بالحضارات القديمة التي قدمت الابجديات الاولى وانواعا خالدة من
الفنون، فيما بين الرافدين وبلاد الشام ومصر والجزيرة العربية،
وبرزت بين وجوه هذه الحضارة، العمارة والنحت والرسم، ولكننا انفصلنا
عن هذا التراث، في ظروف معتمة من التاريخ العربي،في عصر الانحطاط
الذي دام قرونا، ويجب ان نعترف بأن العرب لم يكونوا متعصبين ضد
الفنون، في كلمراحل حياتهم، وعلينا العمل لاستعادة علاقتنا الابداعية
والحياتية مع تراثنا الثقافي والابداعي.
* كان الشرط الاول
لموهبة الفنان هو التشريح، ولكن حركات التحديث في الفن ازالت هذا
الحاجز، وطرحت بدائل مختلفة، فما هو البديل الراهن للشرط القديم:
التشريح الاكاديمي؟
ـ كان الفنانون القدامي
يهتمون بالشكل الخارجي واتقان التشريح، ولكن قراءة الحالة النفسية
بدأت في عصر النهضة، ومن خلال محاولة مايكل انجلو اضافة وصف الحالة،
مع التشريح المتقن. ففي تمثال »الرحمة« الذي يمثل العذراء والمسيح
طفلا، جاء وجه العذراء اصغر من وجه طفلها تأكيدا لعذريتها.
وبعد مايكل انجلو دأبت
التيارات الفنية المستحدثة على الخروج عن الشروط الاكاديمية، حتى
صار التشريح شرطا منسيا، وصار الشرط الوحيد هو »بناء العمل الابداعي«.
* من خلال تجربتك الطويلة
في عرض اعمالك في المدن الاوروبية والمدن العربية، كيف تنظر الى
نوع الاختلاف في قراءة اعمالك بين المشاهد الاوروبي والمشاهد العربي؟
ـ المشاهد الغربي يمتلك
ثقافة تشكيلية لها جذور بعيدة، لذلك تأتي قراءته للوحة اعمق واكثر
تحليلا، من المشاهد العربي او الشرقي، لأن اللوحة فن جديد في الشرق،
كما ان المعارض غير مألوفة في الماضي.
في الغرب، الفن متاح
للعين منذ الطفولة، في الشارع والبيت والمتحف والمدرسة والكنيسة،
وهذا يساهم في تنمية الذائقة التشكيلية الفردية والعامة.
والذائقة التشكيلية
ايضا مرتبطة ببقية الفنون، كالعمارة والموسيقى، والنحت، والسينما.
ومع ذلك فإن المشاهد العربي حقق خطوات ناجحة في الاقتراب من قراءة
العمل الفني وتذوقه.
ان ثقافتنا العربية
تعتمد على الكلمة، وعدد كبير من الفنانين التشكيليين العرب نقل
الكلمة الى اللوحة تحت تأثير هذه الحالة.
* من خلال متابعة قراءة
اعمالك يمكن ان نلاحظ غياب بعض التفاصيل في الشخصيات التي ترسمها.
لماذا؟
ـ عندما ارسم جسد الانسان
بشكل عام احاول ان الغي كثيرا من التفاصيل البسيطة لضرورة العمل
الفني، كالعيون وغيرها، واركز على بعض التفاصيل الاخرى كالايدي
او حركة الوجه تبعا للموضوع الذي اريد التأكيد عليه.
* في شخوصك مسحة خفية
من الحزن او الحنين الى شيء ما، فما هو سر هذا الحزن، وما هو مصدره؟
ـ انا لست مع الحنين
بشكل عام، انا مع الذاكرة، فالحنين مزور لأنه يعطي صورة جميلة
لكل الماضي، اما الذاكرة فيدخل العقل في ترسيمها، او صياغتها.
ان حنينك الى مكان
اليف كنت تحبه في طفولتك يحجب عنك كل ما هو سلبي في ذلك المكان،
مثلا، اما الذاكرة فانها تعطيك كل التنويعات الايجابية والسلبية
في ذلك المكان.
في شخوصي اجد الوحدة والتأمل والترقب لشيء ما.. سيحدث، او قد يحدث
شيء اخر، مختلف عنه تماما.
* لماذا الوحدة؟
ـ هي حالة اغتراب عام،
اغتراب مع الهم، انفصال عن الواقع والحاضر، وهذه نتيجة لقسوة الحياة
التي نعيشها، وهيمنة التقنية والانحسار الاقتصادي.
بندر
عبدالحميد - بيان للثقافة