نوبل
لقتل الشعر!!

نسيان
الشعر. قتله.
أهكذا
باتت العادة عند أهل القطب الاسكندنافي: هجران الشعر والانحياز للرواية؟!
السنوات
الفائتة تؤكد تلك الحقيقة المرّة. فالشعر بات مطارداً ومنزاحاً عن
الترشيح. فيما
الرواية،
كما هو واقع الحياة الجليدية في هذا المكان من العالم، تكتسب لدى
الناس القدر الأعظم من الاهتمام، ربما لأن أهل البرد، يريدون الاحتماء
بمواقد الثرثرة على حساب الشعر، كألماس لا يجدون فيه ما يمسّ عواطفهم،
فيسخنها، أو يجعل منها مولدات للطاقة وسط شتات العزلة وموت الأرواح
أو ذبولها الذي يغلف عالم ما وراء الثلج في دنيا بلاد القراصنة.
شيوخ
الأكاديمية السويدية من جماعة نوبل، والتي لم تعد محصورة بالسويديين
كما نعتقد، فضلوا الهجوم بالديناميت للانقضاض على الشعر، بعد سنوات
متواصلة من الانحياز للرواية.
تلك
ظاهرة مقلقة واضحة، خاصة بعد نيل رهط كتاب روائيين من الدرجة العاشرة
تلك الجائزة.
((هل
يستحق الروائي كويتزي نوبل حقاً؟ أنا أشك بذلك. فقبل ساعات قليلة
من صباح اليوم الخميس، كان على جائزة نوبل أن تذهب إلى شاعر. لكن
ثمة انقلاب مفاجئ حدث في اللحظات الأخيرة من صباح اليوم الخميس الثاني
من اكتوبر، ليعلن عن اسم آخر هو الروائي الجنوب أفريقي (جون ماكسويل
كويتزي)!! لن أهدأ قبل معرفة ما حدث!!))
هذا
ما صرح به لموقع (الإمبراطور) أحد شعراء الدنمرك، رفضاً الكشف عن
اسمه، وذلك حتى معرفة ما حصل في اللحظات الأخيرة من عمر جائزة نوبل
لعام 2003!!
أسعد
الجبوري
للموضوع
صلة
جائزة
نوبل للاداب العام 2003 تمنح للجنوب افريقي جون كويتزي الخميس 02
أكتوبر 2003
ستوكهولم
-
اعلنت
الاكاديمية السويدية لجائزة نوبل انها منحت جائزة نوبل للاداب للعام
2003 الى الكاتب الجنوب افريقي جون ماكسويل كويتزي. وقالت لجنة التحكيم
ان كويتزي سيمنح الجائزة وقيمتها 10 ملايين كورون سويدي (3.1مليون
دولار).
وكويتزي
هو سادس جنوب افريقي يفوز بجائزة نوبل. وكانت الكاتبة نادين غورديمير
فازت بالجائزة ذاتها قبل 12 عاما. ومن المواضيع الاساسية التي عالجها
كويتزي في رواياته نظام الفصل العنصري الذي كان سائدا في بلاده،
والذي يقول الكاتب انه "قد يظهر في اي مكان".
ولد
كويتزي عام 1940 في الكاب وبدأ حياته روائيا العام 1974 وحقق شهرة
عالمية عام 1980 بفضل رواية "ويتينغ فور ذي باربيريانز" (بانتظار
البرابرة). وفي 1983، تأكدت مكانته البارزة في الادب العالمي مع
فوزه بجائزة "بوكر" الانكليزية عن كتابه "لايف اند تايمز اوف مايكل
ك." (حياة وزمن مايكل ك.). وحصل كويتزي على جائزة "بوكر" مرة ثانية
عن روايته "ديسغريس" (العار) عام 1999 ليكون اول كاتب يحصل على هذه
الجائزة المرموقة مرتين.
وقالت
لجنة التحكيم ان رواياته تتصف بالمهارة في التركيب والتحليل. الا
انها ذكرت ان كويتزي "لا يرحم في انتقاده للنزعة العقلانية القاسية
والاخلاق المزيفة للحضارة الغربية".
واضافت انه في الوقت الذي يجعل كويتزي الفرق بين الحق والباطل واضحا
وضوح الشمس، فهو في نهاية المطاف ذلك الفرق على انه لا معنى له على
الاطلاق. واشارت الاكاديمية الى انه "من خلال تقصيه الضعف والهزيمة،
يستطيع كويتزي ان يقبض على الشرارة الالهية في الانسان".
واوضحت
الاكاديمية في حيثيات قرارها ان "كويتزي لا يعتمد الوصفة ذاتها في
كتابين، الامر الذي يساهم في تنوع نتاجه". اما كتابه الاخير "اليزابيث
كوستيلو: ايت ليسونز" (اليزابيت كوستيلو: ثمانية دروس) الذي صدر
هذا العام فهو مزيج ما بين البحث والادب التخييلي. وسيتسلم كويتزي
جائزته من ملك السويد كارل غوستاف في حفل رسمي يجري في ستوكهولم
في 10 كانون الاول/ديسمبر المصادف لذكرى وفاة الفرد نوبل مؤسس جائزة
نوبل عام 1896.
الفائزون
في السنوات الخمس عشرة الاخيرة
في ما يأتي اسماء الفائزين في السنوات الخمس عشرة الماضية بجائزة
نوبل للاداب التي منحتها الاكاديمية الملكية السويدية اليوم الخميس
للكاتب الجنوب افريقي جون كويتزي:
- 2003: جون كويتزي (جنوب افريقيا)
- 2002: ايمري كيرتيش (المجر
- 2001: ف.س. نايبول (بريطانيا)
- 2000: غاو كسينغجيان (فرنسا)
- 1999: غونتر غراس (المانيا)
- 1998: جوزيه ساراماغو (البرتغال)
- 1997: داريو فو (ايطاليا)
- 1996: ويسلاوا سزيمبروسكا (بولندا)
- 1995: شيموس هيني (ايرلندا)
- 1994: كينزابورو اوي (اليابان)
- 1993: توني موريسون (الولايات المتحدة)
- 1992: ديريك والكوت (سانتا لوتشيا).
- 1991: نادين غورديمر (جنوب افريقيا).
- 1990: اوكتافيو باث (المكسيك)
- 1989: كاميلو خوسيه سيلا (اسبانيا).
((أ
ف ب))
ج.
م. كويتزي الفائز بنوبل للآداب 2003
روائي الشر الأسطوري والغريزة العنصرية
لم
تختر الأكاديمية السويدية هذا العام كاتباً مجهولاً، حتى للعالم
العربي الذي يعترض كل عام بأنه يجهل الاسم الفائز (بدلاً من التساؤل
حول ماذا يقرأ وماذا يعرف مما يكتب في الغرب)، اذ ترجمت لجون ماكسويل
كويتزي، احدى رواياته الى العربية، وهي رواية <<خزي>>
الحائزة جائزة <<بوكر>> البريطانية العام 1999 (نقلها
أسامة منزلجي وصدرت عن دار الجندي في سوريا مطلع العام الحالي).
من هنا قد يكون من النادرين الذي عرفوا <<هذا الحظ>>،
حظ ان يكون مقروءا بالعربية قبل ان تلقي الجائزة الأضواء عليه. كما
انه ليس غريبا عن المشهد الروائي العالمي، اذ يعتبر أحد أكبر كتاب
جنوب افريقيا، ويحتل مكانته المتفردة في ساحة بلاده الأدبية، الغنية
جداً والمعقدة جداً.
واذا كان كويتزي يوضع عادة في هذا الجيل العظيم الذي يضم نادين غورديمير
(التي حازت نوبل للآداب قبله، العام 1991 ) وأندريه برينك و برايتن
برايتنباخ، الذين جاء ميلهم الأدبي، ميلاً واقعياً، لكتابة المجتمع
الجنوب افريقي، المتسلط، تحت نظام التمييز العنصري، والذي ساهم بشكل
كبير في إثارة الوعي العالمي الجماعي بالبربرية التي كانت متفشية
هناك، إلا انه كان يصر دائماً وبإلحاح على رفض جعل كتابته مكاناً
عادياً وبسيطاً لتقديم الواقعي والتاريخي، اذ فضل ان يعالج مشكلات
بلاده المتعددة، عبر المجازات والاستعارات، كما عبر الحكايات <<غير
التاريخية>> والكونية، في معظم الأوقات. فبعيدا عن أي التزام
سياسي مبسط وللمبتدئين تضع روايات كويتزي فوق مجرى الأحداث عوالم
<<أسطورية>> يتقابل فيها نموذجا السيد والعبد، السلطة
والثورة عليها، والتي عولجت مراراً في الأدب الكلاسيكي كما عند دوستويفسكي
ودانيال ديفو على سبيل المثال، أكثر مما عولجت في الأدب الذي استعاد
تاريخ الكولونيالية الأوروبية في افريقيا. وما روايته <<خزي>>
التي ترجمت الى العربية الا ضمن هذا السياق التخييلي <<الخرافي>>،
وان كانت في النهاية تتموضع ضمن إطارها التاريخي المعاصر. بمعنى
آخر، نجد فيها كل الأفكار والتصرفات المنبثقة من نظام التمييز العنصري،
الا ان الكاتب يجد بأنها تستطيع ان تتطور في أي مكان في العالم لتشكل
<<تيمة>> أساسية في رواياته.
ولد كويتزي العام 1940 في <<الكاب>> في جنوب افريقيا.
ينحدر من اصول المانية وانكليزية. أرسله والداه الى مدرسة انكليزية،
حيث كانت لغته الأولى اللغة الانكليزية. ذهب في بداية الستينيات
الى لندن للعيش هناك، حيث عمل في البداية كمبرمج كومبيوتر. الا انه
عاد ورحل الى الولايات المتحدة ليتابع دروسا في تاريخ الأدب، وليعلم
فيما بعد الأدب واللغة الانكليزية في جامعة ولاية نيويورك بمدينة
بوفالو حتى العام 1983. بعد ذلك حاز على كرسي الأستاذية باللغة الانكليزية
في جامعة الكاب العام 1984. في العام 2002 رحل الى استراليا للعمل
في جامعة <<أديلاييد>>.
بدأ كويتزي حياته كروائي العام 1974 مع رواية <<أراضي الفجر>>،
التي تبدت لديه، من خلالها، سلطة <<التماثل>> الي عاد
وعالجها لمرات عدة في كتب لاحقة، عندما <<حاصر عن قرب الغريب
والدنيء>>. خلال حرب فيتنام، كان أحد موظفي الادارة الأميركية
يحلم بان يخترع نظاما لا يقهر يسمح بكسب الحرب النفسية، في حين كانت
حياته الخاصة تتفتت وتتدمّر، بينما تأملاته مرتبطة بالتقرير الذي
قدم حول البعثة التي ارسلت الى المواطنين الافريقيين الأصليين، والذي
يقال ان اصله اصل هذا التقرير يعود الى القرن الثامن عشر. في هذه
الرواية نقع على شكلين من أشكال الفظاظة وكره البشر، الأول هو الشكل
الثقافي المصاب بمرض العظمة أما الثاني، الحيوي، فعائد الى البربرية.
وهما شكلان ينعكسان في قلب بعضهما البعض.
في روايته التالية <<في قلب هذا البلد>> (1976) ينحو
كويتزي الى سرد <<الذهان>>، نحن أمام قصة مليئة بالهوس
لدراما تدور في <<مكان مقفل>>. في إحدى المزارع المعزولة
في سهوب جنوب افريقيا، تفتتح أربع شخصيات القصة: ماغدة، ابنة سيد
المزرعة، حيث كان قوتها اليومي الوحدة وأحلام اليقظة <<العاقرة>>،
والتي نضجت كثيراً <<في عذريتها>>. باس، والدها، سيد
المكان، المتسلط والدموي. هندريك، <<السيد المضاد>>،
الرجل الأسود الذي كان يعمل في خدمة العائلة. وأخيرا هناك آنا، زوجة
هندريك الشابة الذي كان يأتي بها الى المنزل حين تبدأ الرواية. يغوي
الوالد آنا، وهي الفتاة الملونة، فتكون المذلة الأخيرة بالنسبة الى
ماغدة التي فكرت مطوّلاً بقتلهما، لكن ومخافة ان يحكم عليها، تجد
ان أفضل وسيلة للانتقام تكمن في إقامة <<حلف>> معاكس،
أي ان تهب نفسها، للخادم.
قد يبدو من الصعب تحديد مسار الأحداث في هذه الرواية، لأن المصدر
الوحيد الذي يجعلنا نطلع عليه، يكمن في اليوميات والملاحظات التي
كانت تكتبها ماغدة، حيث كانت تمتزج فيها الأخيلة والحقائق، الفجاجة
والرهافة، المتنقلة من سطر الى آخر. وكأننا أمام <<مونولوغ
ادواردي>> براق، يتناغم مع الطبيعة الافريقية الخلابة.
خط روائي
في العام 1980 أصدر كويتزي رواية <<بانتظار البرابرة>>
التي عرف الشهرة من خلالها، وكانت السبب في جعل اسمه حاضرا كواحد
من افضل كتاب جنوب افريقيا. يصف النقاد الرواية على انها <<ثريللر>>
سياسي، تقع في ذات الخط الروائي الذي نجده عند جوزف كونراد، حيث
البراءة المثالية تفتح الباب أمام الرعب. نحن في واحة، في الصحراء،
تقع على تخوم الأمبراطورية. ثمة والٍ، عادل وطيب، يسهر على هذه المدينة
المطمئنة، اذ ما من إشارة واحدة على مرور الزمن الا تعاقب الفصول.
وفي ما وراء الحدود، كانت هناك ارض مجهولة يجوبها البدو الصيادون.
شعرت المدينة ان هذه الموجة البشرية قد تهدد أمنهم وسلامهم، لذلك
واحترازاً من هجوم محتمل لهؤلاء البرابرة، تقرر السلطة المركزية
إرسال بعثات للاقتصاص منهم. يعود الجنود ومعهم مساجين سرعان ما يعذبونهم
بشكل بشع وقاس. يستولي الوالي على سجينة شابة تكسر عرقوبا قدميها،
ليجعلها تشاركه سريره، ومن ثم يقرر ان يعيدها الى اهلها على رأس
حملة سرعان ما تتعرض لأقسى المخاطر: المناخ، الفضاء الذي يهرب من
دون توقف، عدم تفهّم البدو له. في ذلك الوقت، بدأ الهجوم المعاكس،
ليقع الوالي بدوره ضحية التعذيب. وشيئا فشيئا أفرغت الأعمال العدوانية
المدينة من قواها الحية. مدينة نهبها الجنود، قاحلة، وتنتظر بهلع
هجوم البرابرة الأخير.
في العام 1983 جاءت رواية <<حياة وزمن مايكل ك>>. التي
كرست صاحبها بحيازتها جائزة <<البوكر>>، وهي بدورها
<<تستوحي>> من ديفو وكافكا وبيكيت، وقد فرض فيها كويتزي
نفسه وبوضوح على انه كاتب التوحد والوحدة. الاطار العام هو جنوب
افريقيا المتزعزعة بسبب سنوات الحرب الأهلية. يقرر بستاني متواضع
يدعى مايكل ك. الهرب من هذه المدينة المدمرة، وباصطحاب والدته معه
للعودة الى اماكن طفولته السعيدة. الا أن <<آنا ك>>.
تموت على الطريق. فيعاند مايكل بالوصول وحده الى هدفه: الى المزرعة
والى الحقول البور التي وبعد ان ينثر فيها رماد والدته، يزرع فيها
بذور الشمام (البطيخ الأصفر) واليقطين. تنبت الفواكه فوق الأرض الجدباء
وتزهر، بشكل مستدير وحار مثل الطفال. ومع ذلك، أينما ذهب تلاحقه
الحرب. يتعرّض للمطاردة، للملاحقة، للايقاف، للسجن، وفي كل مرة كان
يهرب من عالم مليء بالشوك وبأشخاص يرتدون الثياب العسكرية. وفي كل
مرة كان يعود الى مربعه المليء باليقطين، الى جنته. هذه هي قصة هذا
الرجل <<الفظ>> المستعد على تخطي الصعاب، وعلى تجنب
السلطات كي يعيش حياته مثلما يحلو له. انها قصة نضال شاق كي يحافظ
على ما يسمّيه الكرامة البشرية.
في العام 1986 نشر رواية <<فو>> التي اعتبرها النقاد
نسخة <<حديثة>> من <<روبنسون كروزو>>، وهو
كتاب يقدم <<مزحة>> عن تنافر الحياة والأدب كما عن عدم
افتراقهما عن بعضهما البعض، وهي <<مزحة>> مصوغة من قبل
امرأة ترغب في أن تصبح جزءا من قصة كبيرة في حين ان القصة الموضوعة
امامها لا تملك الا اتساعا محدودا.
حين يتم التخلي عن سوزان بارتون فوق جزيرة في المحيط الأطلنطي، تدخل
الى عالم رجلين. الأول زنجي يدعى <<فرايدي>> (جمعة)
والثاني ليس سوى روبنسون كروزو. كانت الجزيرة عبارة عن مجتمع محدد
الملامح. قواعدها بسيطة ومستقيمة: الاستمرار في الحياة، العمل، النظام.
كروزو هو السيد وجمعة العبد. كانت سوزان تراقب ابداع هذا العالم
العاقر هندسة شرفات مبلّطة تشرف على شواطئ كئيبة وحزينة وتنتظر ان
تتم نجدتها. بعد عودتها الى لندن مع فرايدي كشاهد على مغامرتها الغريبة،
تتوجه الى الكاتب دانيال فو. بيد ان فو لم يهتم كثيرا بقصة الجزيرة،
على الأقل اهتم أكثر بسوزان، لنقع بذلك على سطور المعركة الدائرة
بين الكاتب وموضوعه. الشاهد الوحيد على هذا النضال، كما الشاهد على
سر الجزيرة، كان فرايدي الذي لم يكن يستطيع الكلام. حكاية مجازية،
تحاول ان تسبر وتحلل الحدود القصوى التي تندفع باتجاهاتها حيواتنا.
لكن وما بين هذين الطرفين الكلمة والصمت، العقل والجنون، الحقيقة
والكذب يعرف كويتزي جيدا كيف يضيء وكيف يغني ما نسميه عادة : الفن
والحلم والمتخيل.
في العام 1992، جاءت رواية <<عصر الحديد>> والتي يمم
فيها شواطئ بلاده، بعد عودته من الجزيرة الواقعة في المحيط الأطلنطي.
تعود الرواية الى سنة 1986، في منطقة الكاب. تموت اليزابيث كارين
من جراء مرض السرطان. وهي ان عارضت دوما نظام التمييز العنصري عن
اقتناع، نجدها كيف حافظت على نفسها من رعب السلطات. عبر رسالة طويلة
موجهة الى ابنتها المنفية الى أميركا والتي لا تستطيع قراءتها الا
بعد وفاة والدتها، تروي اليزابيث عن الانقلابات الغريبة التي عرفتها
في ايامها الأخيرة. كانت شاهدة على التظاهرات التي اندلعت في تاون
شيب كما على ردات الفعل القاسية التي قامت بها الشرطة، تروي كيف
اكتشفت جثة ابن خادمتها السوداء المخروقة بالرصاص. كذلك عن ذلك الطفل
الآخر الذي التجأ الى منزلها وبعد ان عثر عله تمّ تعذيبه تحت نظرها...
أخبار وأخبار عن القمع والاضطهاد والبحث عن الحرية، ترويها العجوز
في رسالتها، وكأنها في هذه اللحظات التي يحلق فيها ملاك الموت فوقها،
كانت تبحث عن محاولة سلام بينها وبين العالم.
يصدر كويتزي في العام 1994 كتاب <<سيد بطرسبرغ>>، الذي
يأتي كشرح لحياة دوستويفسكي وفضائه الروائي. ان التجربة التي تترصد
شخصيات كويتزي الروائية، التي تتحرر جوهريا من العالم، تبدو وكأنها
جوهر حرية الارهاب الصلفة. اذ ان نضال الكاتب ضد الشر يأخذ هو سمة
شيطانية. اننا في العام 1869. يعود شخص منفي الى بطرسبرغ. وما ان
يصل حتى يقع صهره، بافل زوج ابنته ضحية حادث مأساوي: توجب عليه ان
يستلم أغراض الميت الشاب. كان هذا المسافر، وهو كاتب يدعى دوستويفسكي،
قد تنكّر بهوية مزيفة. تكتشفه الشرطة وترفض تسليمه اوراق بافل، الذي
ارتبط بنشاطات مجموعة ارهابية. يقيم دوستويفسكي في غرفة بافل ويعقد
علاقة ايروتيكية مع صاحبة المنزل، وهي امرأة ناعمة وقاسية، في الوقت
عينه، تأخذ عليه عدم قدرته اتخاذ أي قرار.
يغرق دوستويفسكي في عالم من الكآبة حيث تبدو المظاهر خادعة: هل انتحر
بافل، هل قتلته الشرطة أم رفاقه العدميون؟ يشعر بالتشتت من جراء
تحقيقات الشرطة، من هذه التي دخلت الى حميمياته، كذلك شعر بالدهشة
بعد ان التقى بالمتطرف نيتشاييف. يتوه دوستويفسكي وراء أثار بافل،
حيث كانت صورته المثالية تطير في الهواء وتتفتت. لقد اصاب المرض
روسيا، ينهشها الفقر، مثلما تنهشها السلطة الحمقاء والعنف المدمر.
من هنا لم يكن امام الكاتب الهاجس بعدم قدرته الا ان يكتب متغذياً
من الحيوات الجريحة التي تحيط به كما من خيباته وفشله الخاصين.
<<بوكر>> مرتان
في العام 1999 أصبح كويتزي، أول كاتب في العالم يحوز جائزة بوكر
لمرّتين، وذلك عن كتابه <<خزي>>، حيث تدور أحداثها في
مزرعة مجهولة في جنوب افريقيا وهو الاطار عينه الذي دارت فيه احداث
روايته <<في قلب هذا البلد>>، لكنها في الفترة التي
أعقبت سقوط السلطة البيضاء. يشركنا كويتزي في النضال الذي يأخذ بيد
جامعي مهان ليدافع عن شرفه كما عن شرف ابنته. ترفع هذه الرواية سؤالا
أساسيا ينبثق من أعمال الكاتب: هل نستطيع الهرب من التاريخ؟
كان ديفيد لوري يدرّس مادة الشعر الرومنسي وعلم الاتصال في جامعة
الكاب. يبلغ الثانية والخمسين من عمره. لا يزال فتي الجسد والقلب،
كان دون جوان الحرم الجامعي ولا يترك اي فرصة قد تقوده الى متعة
جديدة. بيد ان الطالبة الصغيرة كانت تسخر من ووردزوورث وبايرون،
من هنا اتخذت المغامرة شكلا مخالفا لما كان متوقعا. بعد اتهامه بالتحرش
الجنسي، يستقيل ديفيد لوري. يلتجأ عند ابنته، في مزرعة معزولة، ليحاول
ان يجد معنى للمكان الوحيد الذي لا يزال يعني له شيئا. بيد ان الزمن
تغير. فالشرخ الاجتماعي وصل الى قلب البلاد ولم ينج الريف من أعمال
العنف. من هنا تحول هذا المثال الرعوي الى كابوس. في روايته هذه
يسجل كويتزي اول رواية جنوب افريقية تتحدث عن الوضع الاجتماعي لفترة
حكم مانديلا.
في كتاب <<مشاهد من حياة فتى شاب>> (1997) يلتفت كويتزي
نحو السيرة الذاتية التي يعالج فيها الهوان الذي يمارسه الأب على
ابنه، بيد ان الرواية تخاطب حضورا ساحرا للحياة في الشارع التقليدي،
الجنوب افريقي، بكل ما يحمله من ازمات لا تنتهي ما بين <<البوير>>
والانكليز. وقد عاد في العام الماضي ليكمل هذه السيرة بكتاب <<نحو
سن الرشد>>. واذا كان في الجزء الأول يتذكر هذه الطفولة المختنقة
تحت عائلة <<افريقانية>> اضاعت بوصلتها، نجده في <<نحو
سن الرشد>> يرسم صورة عن هذا الشخص الذي ما ان بلغ التاسعة
عشرة من عمره، وبعد ان حصل على دبلوم الرياضيات، يقرر الهرب من جنوب
افريقيا غداة مجزرة <<شاربوفيل>>. كان يحمل التمييز
العنصري داخله مثلما يحمل جرحا، وهذا الجرح هو ما يحاول ان يطرده
في ضباب لندن التي رحل اليها. في هذه المدينة المكفهرة، عمل في مهن
صغيرة، متعددة، ما جعله يتواجه مع الواقع التالي: لقد غادر كويتزي،
المنفي، جحيم بلاده كي يسقط في دغل مخيف لا مكان له فيه، لقد كان
البرد يلفه من جميع الجهات، لقد لف غرامياته التي تساقطت الواحدة
بعد الأخرى. بيد ان ذلك كله لعب دورا معاكسا، اذ جعله يتحصّن. ولتمضية
الوقت، كان يزور المكتبات وصالات السينما. التهم اعمال عزرا باوند،
اليوت، جيمس، جويس، بيكيت،كتب عدة قصائد واكتشف في هذا العمر الجميل
ان موهبته الوحيدة تكمن في ان يكون تعيساً.
ومع ذلك، اكتشف كم ان الكلام الذي يمارسه لن يذهب هباء، على الرغم
من ان هذه التجربة في الكتابة، كانت تجربة أليمة. من هنا احس، انه
سيصبح ذات يوم كاتبا. بأنه سيحول هذا الظلام الذي سيلفه الى شمس
سوداء صاعقة كشمس وليام فوكنر. لماذا جاء الى لندن؟ كي يسبر الأغوار.
<<ان لم ننزل الى الأعماق لن نصبح فنانين. هذا ما يعترف به
في كتابه. كتاب يأتي كأنه ذلك النبع الحارق الذي أفضى الى كل تلك
الأعمال العظيمة فيما بعد، تلك الأعمال التي هي من دون شك، الأقوى
والأفضل في آداب جنوب افريقيا.
اسكندر
حبش - ملحق السفير - 03.10.2003
كويتزي
الروائي الليبرالي شرّح علاقات البيض بالسود في أفريقيا
يعمل
جي. إم. كويتزي الفائز بجائزة نوبل للعام 2003، والفائز بجائزة البوكر
البريطانية مرتين عام 1983 و1999، أستاذاً للغة والأدب الإنكليزيين
في جامعة كيب تاون في جنوب أفريقيا. وهو، بحسب نقاده ومتابعي أدبه،
واحد من أهم كتاب جنوب أفريقيا المعاصرين، وأصدر حتى الآن عدداً
من الروايات وكتب السيرة الذاتية والتأملات ومنها: "مشروع فيتنام"،
و"حكاية جاكوبَس كويتزي" (1974)، و"في قلب البلاد" (1977)، و"بانتظار
البرابرة" (1980)، و"حكاية مايكل كي. حكايته وعصره" (1993، التي
حصلت على البوكر) و"العصر الحديدي" (1990)، وهو مونولوغ اعترافي
طويل، و"سيد بيترسبورغ" (1994)، و"حياة الحيوانات" (1999)، و"العار"
(1999) التي فازت بجائزة البوكر للمرة الثانية.
يفكك كويتـزي البنيـات
الاستعماريـة وما بعد الاستعمارية في رواياته. وهو يستعمل للوصول
إلى هذه الغاية أسلوب المحاكاة الساخرة أو أسلوباً مجازياً ــ رمزياً
يعتمد الحكايات التمثيلية لفهم الطبيعة التوسعية للفلسفة السياسية
الغربية التي تؤثر بصورة غير مباشرة في البلدان الواقعة تحت السيطـرة
الاستعمارية أو البلدان التي خرجت منها تلك القوى الاستعمارية ولكنها
ما زالت مؤثرة فيها.
في روايته "العار" يحكي
كويتزي عن أستاذ جامعي جنوب إفريقي حوكم بسبب علاقاته غير الشرعية
مع عدد من تلميذاته اللواتي يصغرن ابنته الوحيدة. وهو بعد أن يجلله
العار يلجأ الى ابنته التي كانت تركته سابقاً وذهبت لتعيش في مزرعة
تمتلكها في الريف الجنوب إفريقي حيث تكدح في أرضها بعيداً من أبيها
الذي لم تكن راضية عن أسلوب حياته وتحلله الأخلاقي. إن الرواية في
النهاية لا تركز على هذا المفصل من حياة الأستاذ الجامعي المجلل
بالعار، لكنها تناقش واقعة اعتداء عدد من العمال السود على الابنة
واغتصابهم إياها كأن يقول الأستاذ الجامعي لابنته المغتصبة (عندما
تسأله: ماذا فعلت لهم؟): إن الأمر لا يتعلق بها بل بالتاريخ والشروط
المحيطة. ففي جنوب أفريقيا، نهاية القرن يقوم التاريخ الماضي بتصفية
حساباته. يقوم باغتصاب ثلاثة غرباء سود البشرة" هم رجلان وصبي يقتحمون
بيت لوسي بعد ظهيرة أحد الأيام، ويطلقون النار على كلابها ثم يرشون
مادة مشتعلة على الأب لوري ويشعلون النار فيه ويستقلون سيارته هاربين.
لكن الأب وابنته ينجوان. ويعلق لوري على حظهما السعيد:
"عليك
أن تعد نفسك محظوظاً لأنك لم تمت، محظوظاً لأنك لست سجيناً الآن
في السيارة المنطلقة بأقصى سرعتها، أو لأنك لا ترقد في قاع أخدود
وقد استقرت في رأسك رصاصة. عليك أن تعد لوسي محظوظة أيضاً. لوسي
فوق أي شيء آخر. إنها لمجازفة أن يملك المرء أي شيء: سيارة، زوجاً
من الأحذية، علبة من السجائر. ليس هناك أمكنة كافية، سيارات كافية،
أحذية، سجائر. هناك الكثير من البشر والقليل من الأشياء. ينبغي أن
يتداول الناس الأشياء حتى تكون هناك فرصة لكل شخص لكي يحس بالسعادة
ليوم واحد. هذه هي النظرية" فلنتمسك بالنظرية وما تجلبه النظرية
من راحة وسعادة. إنه ليس شراً إنسانياً، بل نظام تداولي هائل لا
تجدي معه مشاعر الشفقة والرعب. بهذه الطريقة على المرء أن يرى الحياة
في هذه البلاد: بمظهرها التخطيطي البسيط، وإلا فإنه سيجن. سيارات،
أحذية" نساء أيضاً. لا بد من أن يكون هناك موضع ملائم في النظام
للنساء، وما يحدث لهن".
يلخص
كويتزي في هذا المقطع، الذي اقتبسناه من واحدة من أهم رواياته، ما
أصبحت عليه جنوب أفريقيا بالنسبة للبيض بعد انهيار نظام الفصل العنصري.
تمزقت أواصر العلاقات الأسرية، ونسي الطرفان، السود والبيض، طبيعة
العلاقة التراتبية التي كانت سائدة من قبل بينهما، وأصبح الأسود
راغباً في الانتقام بغض النظر عن موضوع الانتقام. لكن كويتزي يرى
أن العار "استناداً إلى معاييرها وأساطيرها الخاصة". وتتمثل هذه
المعايير في الروابط غير الطبيعية بين الأب والطفل الذي ولدته لوسي
نتيجة الاغتصاب الذي وقع لها، والرجل والمرأة، حيث بليت هذه الروابط
وتقطعت بالفعل.
ويمكن
العثور على هذه العناصر المفتاحية الموجودة في "العار" ــ الأب الضاري
المفترس جنسياً للنساء السوداوات بصورة خاصة ــ، والابنة المتوحدة
المكتفية بنفسها والتي يقوم جارها الأسود باغتصابـها، وتقـرر الخضوع
له جنسيا أكثر فأكثر أملاً في أن يقبلها مغتصبها ــ في عمل كويتزي
السابق "في قلب البلاد" الذي يحكي قصة فلاح أفريقي. وتقع أحداث "في
قلب البلاد" في منتصف القرن العشرين وتروى على لسان ماجدا (التي
يعني اسمها بالأفريكانية العذراء)، وهي تعيش وحيدة مع أبيها مستاءة
من استبداده الذي يمارسه ضد أتباعه الذي يتواطؤون معه على رغم ذلك.
وهي تتوق لوضع حدّ لهذه الوحدة. إنها منعزلة عن جاريها في المزرعة،
وهما عامل أسود يدعى هيندريك وزوجته أنا كلاين. يملك هيندريك أرضاً
بلا حقوق في التملك. وعندما يقلب الأب هذه المراتبية رأساً على عقب،
إذ يتخذ كلاين أنّا عشيقة له، تقتله ماجدا. وتبلغ عملية انحلال علاقة
السيد ــ العبد ذروتها عندما يقوم هيندريك باغتصاب ماجدا، ما يؤدي
الى نشوء علاقة جنسية قصيرة الأجل بينهما تنتهي بأن يهجرها هيندريك.
وتدرك ماجدا فزعة أن "الرغبة التي أبداها تجاهي كانت غضباً". وتنتهي
الرواية نهاية كئيبة معتمة حيث تفشل في إقامة أي علاقة تبادلية بين
الأب والابنة، والرجل والمرأة، والمستعمِر والمستعمَر.
وفي
المقابل تعرض "العار" فرصة لإعادة التفاوض حول هذا الوضع المعقد.
ومع ذلك فإن اختيار "العار" عالماً من العلاقات المميزة أكثر براعة
من رواية "في قلب البلاد".
"العار"
في
"العار" تتخذ الشخصيات وظائف مجازية ورمزية. وعندما نقابل ديفيد
لوري في الفصول الأولى من الرواية يكون منشغلاً بإقامة علاقات جنسية
مع فتيات من عمر ابنته ــ وهو في حديثه مع ميلاني، التي يقيم معها
علاقة، يصف نفسه بأنه بمثابة أبيها. وهذا يعني ضمناً أنه أب غير
طبيعي" إنه مفترس أكثر من كونه حامياً. كما أن المرأتين اللتين يقيم
معهما لوري علاقة، هما "هامشيتان" ولونهما أسود. والكاتب يقيم مقارنة
مع نوع من الأبوية الاستعمارية المستغلة. ومع ذلك فإن هذه المقارنة
تستدعي لحظات مماثلة في الروايات السابقة: استغلال والد ماجدا أنّا
كلاين في رواية "في قلب البلاد"، عبارة يوجين دون الساخرة "الأب
يمرح مع الأطفال" تعليقاً على صورة جندي أميركي يغتصب فتاة فيتنامية
في "مشروع فيتنام"، إشارة جاكوبس كويتزي، من شعب البوير، إلى النساء
اللواتي اغتصبهن بأنهن أسمال بالية "ينظف الواحد نفسه منهن ويرميهن
بعيداً" (في "حكاية جاكوبس كويتزي")، رغبة الحاكم الإمبريالي الجنونية
بإقامة علاقة مع الفتاة البربرية التي التقطها من الشارع واتخذها
خليلة له (في انتظار البرابرة).
ومن
هنا فإن العطب الأساس في المشروع الاستعماري يتمثل، كما تقترح روايات
كويتزي، في غياب علاقة حقيقية بين السلطة الأبوية والخاضعين لها!
ومن بين الأمثلة الكثيرة للهوة الواسعة التي تفصل البيض عن السود
في روايات كويتزي هناك مثالان بارزان. في "رواية مايكل ك حياته وعصره"
يهرب البطل، وهو بستاني أسود اللون، من مدينة كيب تاون، التي تمزقها
الحرب الأهلية، ويتجه إلى المناطق الريفية ليزرع ما يأكله ويستمتع
بحرية مثالية لا تدوم طويلاً إذ يقبض عليه ويلحق بمخيم للعمال. لكنه
يرفض بعد الأسر الأكل أو الكلام. ويحير إصراره على عدم التعاون المفتش
الطبي الذي يشرف عليه. ثم إن المفتش يصبح مأسوراً بمايكل ك. ويعلن
في النهاية أن مايكل "رمز... لأي مدى يبلغ الفضيحة والعنف عندما
يسكن في معنى ما نظاماً معيناً من دون أن يصبح جزءا لا يتجزأ منه".
وهذا اوضح مفهوم شنه كويتزي على الخطر والفساد اللذين انطوى عليهما
نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا.
يعالج
كويتزي الفكرة السابقـة فـي كتابه "فو" حيث يأخذ فرايدي (جمعة) دور
الآخر الصامت الذي يرفض أي تفسيـر. وفي عمل يعيد فيه كويتزي كتابة
"روبنسون كروزو" يحكي الراوي قصة مملكة كروزو في الجزيرة على لسـان
سوزان بارتون، وهي امرأة هاربة أمضت سنة كاملة في الجزيرة قبل أن
تنقذها سفينة مارة. وتحكي سوزان الحكاية للمؤلف دانييل ديفو، (مؤلف
روبنسون كروزو) وتعيد فرايدي إلى العالم المتحضر. ويغلب على معظم
ما ترويه سوزان وصف الاقتصاد المنزلي في الجزيرة والترتيبات العقيمة
التي ينوء تحت ثقلها كروزو وفرايدي طوال النهار لبناء مصاطب حجرية
في أرض قاحلة لا ينمو فيها شيء. لا يستطيع فرايدي الكلام لأن لسانه
كان قطـع، ربما بيـد كروزو نفسه، وهو يستـطيع فهم كلمات قليلة بالإنكليزية.
لكنه لا يعرف القراءة والكتابة. بعد عودتها إلى إنكلترا تتكلم سوزان
بارتون إلى فرايدي من دون انقطاع معتقدة أنها "إذا جعلت الهواء حوله
مشبعاً بالكلام فإن الذكريات التي ماتت داخله بسبب سيطرة كروزو قد
تولد ثانية." لكنه يظل، على رغم ذلك عقبة في النص، رافضاً أن يفصح
عن معناه، إلى أن يتدخل كويتزي في السـرد بصفـتـه مؤلفاً ويجرد نفسه
من سلطة المؤلف، مومئاً إيماءة صريحة فيحكي عن فرايدي بنفسه. ويفسر
هذه الإيماءة إدراك سوزان التام بأن صمت فرايدي لا يمكن اختراقه:
"إن فمه ينفتح. ومن داخله يجري سيل صغير، من دون نفس، بلا انقطاع.
إنه يتدفق من جسمه باتجاهي... رقيقاً وبارداً، أسود بلا نهاية، مكتسحاً
جفوني، وبشرة وجهي."
إن
لحظة تخلي المؤلف عن وظيفته التأليفية هي محاولة درامية للفت الانتباه
إلى الصمت الذي يلقي بثقله على الكثيرين، الصمت التاريخي للمستعمَر.
وفي رواية كويتزي "سيد بطرسبرغ" نشاهد كاتباً وهو يعمل، ويحاول الكاتب
إعادة خلق الحياة السرية الداخلية لابنه، مشوها تلك الحياة. وعلى
الشاكلة نفسها تصوّر سوزان بارتون دانييل ديفو معتقدة أنه سيعمل
على تسجيل حكايتها على أرض الجزيرة بأقصى ما لديه من دقة. وتكتشف
سوزان في النهاية أنه يعيد كتابة حكايتها بصفتها أسطورة المكتشف
الذكر. إنه ديفو كاتب واقعي من طراز فريد، وهو يكيف كتابته الروائية
ليخفي صنعته السردية، كما أنه يبتدعالأحداث من دون أن يترك نهايات
متقلقلة. ومع ذلك فإن سرده يسكت كلاً من سوزان وفرايدي. إن ديفو
عدو الحقيقة، ولذلك يتدخل كويتزي في النص رافضاً الحديث باسم فرايدي.
الرفض
السابق تعبير عن التكفير الملازم لفعل الإنكار الذاتي الذي يمارسه
الكثير من الشخصيات الرئيسة في روايات كويتزي. إن خضوع ماجدا لهيندريك
هو شكل من أشكال الكفارة وعقاب الذات، جزء من "التطهير الذي ينبغي
أن نمر به ونحن نقطع الطريق إلى أرض السمن والعسل." ويميز ديفيد
لوري في "العار" الغريزة نفسها في خضوع لوسي لبيتروس ويقول لها:
"أنت ترغبين أن تذلي نفسك في حضرة التاريخ." ولوري نفسه، المشوه
الوجه بعد الاعتداء عليه وعلى ابنته، يبدأ بصورة موازية علاقة مع
بيف شو محققا شكلاً من أشكال الخلاص الشخصي عبر التنازل عن خيلائه
الجنسي وشعوره بالتفوق. وفي عيادة طب الحيوانات الضالة، غير المرغوبة
فيها، يعنى لوري بأكثر المخلوقات ذلاً وبؤساً، وأثناء عمله يكتسب
معرفة وتبصراً لا بمعاناة الحيوانات فقط، بل بمعاناة البشر كذلك.
وتتطابق تضحيته بالكلب الجريح، الذي حاول جاهداً حمايته، مع إدراكه
أنه لا يملك الحق في توجيه لوسي، وأنه لا يستطيع إسداء النصح لها.
ويضع هذا التبصر علاقتهما كأب وابنة على قدم المساواة.
ومن تلك الزاوية ــ الوعي
بأن صحتنا الأخلاقية تعتمد قدرتنا على الاعتراف بذاتية الآخرين ــ
يمكن النظر إلى سلسلة محاضرات تانر التي ألقاها كويتزي قبل سنوات
في جامعة برينستون عن حقوق الحيوانـات. "حيـاة الحيـوانـات" كتاب
غريب يتكون من محاضرتين تؤطرهما على شكل رواية حكاية لقاء متوتر
بـين أم وابنها. المحاضرة هي إليزابيث كوستيلو (وقد قام كويتزي بنشر
رواية هذا العام بعنوان "إليزابيث كوستيلو" ورشحت للبوكر ولكنها
لم تصل القائمة القصيرة) وهي روائية طلب منها أي موضوع تختاره في
كلية أبلتون (تماماً كما طـلب من كويتزي أن يقدم محاضرات تانر التي
قام عليها الكتاب). الابن جون بيرنارد، الذي يدرس في أبلتون، ليس
سعيداً بلقاء أمه المدافعة المتحمسة عن النباتيين. ومن الواضح أن
علاقة كوستيلو بابنها، مثلها مثل علاقة لوري بابنته، علاقة عليلة
مضطربة.
تستلهم روايات كويتزي رؤية
ليبرالية إنسانية عميقة، وتوضح هذه الروايات أن السلطة الغاشمة ضد
الآخر، السلطة التي لا تنطوي على أية رحمة، تدفع في العادة الثمن
غالياً. وبكلمات مواطنته الجنوب إفريقية نادين غورديمر، الحاصلة
على نوبل الآداب قبله بسنوات، فإن كويتزي "إذا كان يشمئز من الحلول
السياسية الثورية" فلأنه يعلم أن الثورة لها مكانها في التاريخ كذلك.
وهو إذ يستشهد باللغة الثورية بصورة مباشرة في بعض رواياته، كما
يفعل في "سيد بطرسبرغ"، فإن جفاف اللغة وعقمها يبدوان واضحين للعيان
بصورة لافتة للانتباه. وكما يقول نيتشييف، أحد قادة الجماعات الفوضوية
في الرواية، فإن "الثورة هي نهاية كل شيء قديم، بما في ذلك الآباء
والأبناء. إنها نهاية الإرث والسلالات. كما أنها تحافظ على تجديد
نفسها إذا كانت ثورة حقيقية. مع كل جيل تسقط الثورة القديمة ويبدأ
التاريخ ثانية... كل شيء يعاد ابتداعه من جديد، كل شيء يولد ويمحى
من جديد: القانون، والأخلاق، والعائلة، كل شيء." إنها الحياة يقتلها
التاريخ. تلك هي أطروحة كويتزي، حول العيش والتاريخ وعلاقات البشر،
التي نعثر عليها في عدد كبير من أعماله الروائية، والتي قد تكون
جذبت أنظار أصحاب نوبل إليه ففاز بالجائزة وتخطى قامات أدبية كبيرة
في مشارق الأرض ومغاربها.
وأود
أن أشير أخيراً الى أنني استفدت في هذا العرض لتجربة كويتزي من مقالة
لـ"إليزابيث لاوري" كتبتها قبل فترة في "لندن ريفيو أوف بوكس".
خمسة
عشر فائزاً بجائزة نوبل للآداب
-
2003: جون كويتزي (جنوب افريقيا)
-
2002: ايمري كيرتيش (المجر)
-
2001: ف.س. نايبول (بريطانيا)
-
2000: غاو كسينغجيان (فرنسا)
-
1999: غونتر غراس (ألمانيا)
-
1998: جوزيه ساراماغو (البرتغال)
-
1997: داريو فو (ايطاليا)
-
1996: ويسلاوا سزيمبروسكا (بولندا)
-
1995: شيموس هيني (ايرلندا)
-
1994: كينزابورو اوي (اليابان)
-
1993: توني موريسون (الولايات المتحدة)
-
1992: ديريك والكوت (سانتا لوتشيا).
-
1991: نادين غورديمر (جنوب افريقيا)
-
1990: اوكتافيو باث (المكسيك)
-
1989: كاميلو خوسيه سيلا (اسبانيا).
فخري
صالح - الحياة - 03.10.2003
ادباء
خارج ذاكرة نوبل الجمعة 03 أكتوبر 2003
يقول
الكاتب الفرنسي فرنسوا مورياك الحائز على جائزة نوبل للاداب عام
1952: احيانا لايفوز بالجائزة اعظم الكتاب، بل اكثرهم فاعلية، اولئك
الذين يسعون للتأثير على معاصريهم. لكن هذا لايعني ان كل من لا يفوز
بها كاتب عظيم.
وهو
قول ينطوي على الحيققة الى مدى بعيد؛ وان كان كل كاتب يؤثر على معاصريه
هو كاتب عظيم ايضا. لكن ثمة كتاب عظماء بتأثيرهم على معاصيرهم و
تكريسهم ككتاب عالميين كانوا خارج قائمة الذين نالوا جائزة نوبل
للاداب؛ امثال كونراد وجيمس جويس و ليف تولستوي وبروست وبورخيس وبريخت
وكافكا وريلكة وحتى يشار كمال وغيرهم بل منهم من مازال على قيد الحياة
ولم يتم ترشيحه للحصول على الجائزة التي لما تزل اسباب عدم فوز الكثير
من المرشحين لها طي كتمان حكمائها المصرين على عدالة اختياراتهم
دائما حتى في الاوقات التي كادت تستحوذ فيها السياسة العالمية على
معايير منح جائزتي نوبل للاداب والسلام خاصة ابان فترة الحرب الباردة
وبعد معاهدة كامب ديفيد بين مصر واسرائيل وما تبعها من مفاوضات سلام
بين الفسطينيين والاسرائيليين حيث بدا حينها انور السادات ومناحيم
بيغن بمثابة المرشحين الوحيدين لجائزة نوبل للسلام وهما الجنرالان
اللذان لايمكن اعتبار تأريخهما الانساني والعسكري والسياسي عظيما
الى حد بعيد. والامر ذاته ينطبق على منح نوبل الاداب للكاتب المصري
نجيب محفوظ الذي لم يزل الكثير من القراء خارج الوطن العربي يجهلون
اسمه ناهيك عن ان شهرته جاءت، حتى عربيا، بعد منحه الجائزة التي
يبرر اعضاء لجنتها قلة منحها خارج اوربا لقلة الكتاب غير الاوربين
المترجَمين خارج لغاتهم.
اما بعيدا عن الاسباب السياسية التي تلاشت كما يبدو وقف بعض المتتبعين
حائرين امام اسماء لم تحقق من الشهرة واهتمام القراء بها الحيز الكبير
ابان منحهم الجائزة امثال فرجيينيا وولف وفريدريك ميسترال و بول
هايزي وغيرهم من الذين كان الفضل في انتشار اعمالهم الكتابية بلغاتهم
واللغات الاخرى لجائزة نوبل.
مهما يكن من أمر فجائزة نوبل تظل الجائزة التي أنصفت كتابا عظاما
حققوا بمشاريعهم الادبية والفكرية تأثيرا كبيرا في معاصريهم والاجيال
التي تلتهم. وهي الجائزة التي تجعلنا نأسى لمن يتهم اعضاء لجنتها
بالتآمر على شعب ما او كتابه دون ان يتساءل عن سبب كثرة المبدعين
في دول خارج الاطار الذي يكلل نفسه به الى الحد الذي يحجب عنه الرؤية
باتجاه ابعد من أرنبة أنفه. وهي الجائزة التي اثبتت ان الادب هو
المعيار الامثل والاهم لدى الامم فجوائز نوبل للطب والفيزياء مثلا
لايحظيان بذات الاهمية والمتابعة المتواصلة التي يتمتع بها الادب
وبالتالي جائزته.
انما تبقى أسباب منح الجائزة او حجبها لهذا الاديب او ذاك محط تساؤل،
يبدو، سيظل مواكبا مطلع كل شهر اكتوبر، ولن يجيب عليه قول أحد أعضاء
لجنة جائزة نوبل للاداب وهو يتحدث عن تلك الاسباب" الجائزة ليست
مباريات أولمبية، فكل ملف يدرس على مدى سنوات. لدينا أفضل الاجهزة
سرية في عالم الادب". وهو جواب ليس بالشافي لمن لم يكن يتوقع فوز
الكاتب الجنوب افريقي جون ماكسويل كويتزي المقيم الآن في استراليا
الذي كان يتنافس عليها بقوة مع ادباء اخرين لايتجاوز عددهم اصابع
اليد الواحدة ليس بينهم، حتما، عربيا.
عبد
الرحمن الماجدي - إيلاف
(خاص)