النارُ
التي ذهبتْ

رحيل المفكر المصري
نصر حامد أبو زيد
... ثم مات المنفيّ في وطنه. المفكر
المصري الكبير نصر حامد أبو زيد، تنشق هواء وطنه ورحل، عن عمر
يناهز السابعة والستين (مواليد 1943)، وهو في عز عطائه، وفي
عز نضجه، وتبلور مشروعه الفكري - الديني، الذي قاربه، بجرأة
وبعمق، وبشفافية، قلّما عرفها مفكر عربي آخر. قبل قرابة شهر
ونصف الشهر رحل كبير آخر هو المغربي محمد عابد الجابري، الذي
يتقاطع مشروعه الفكري في نقاط عديدة مع نصر حامد أبو زيد، على
تنوع منهجيهما، وطرائق توجهاتهما. خسرنا مفكرَين في شهر تقريباً،
في وقت يندر فيها أهل العقلانية، والاعتدال والتنوير، والاستقلالية.
لكن محمد عابد الجابري،
وبرغم ما عاناه من المتشددين والأصوليين، بقي في بلاده، وتنقل
في العالم العربي وأوروبا، ليشارك في الندوات ويقدم محاضرات
وأبحاثاً. ولهذا، فالتجني كان أقسى على حامد أبو زيد. تجني المتخلفين،
والمتعصبين، من أهل القرون الوسطى، والفترات الظلامية، والاستئصالية،
التي تسعى بديموغاجية رهيبة، الى تدمير التراث العربي والديني،
ومحاربة الأفكار النهضوية، والعالمية، وكذلك التراث الحداثي
الذي ساهم العرب في بنائه، سواء من المفكرين المعاصرين أم القدامى.
نصر حامد أبو زيد الذي حاول عبر الأدوات العقلانية المستمدة
من المخزون الفلسفي العربي والإسلامي، وكذلك من إنجازات الآخر
الخصب، في بلاد الله الواسعة، أن يقارب الواقع العربي، والنصوص
الأساسية، بحس مرهف، دقيق، وبمعادلة متفتحة، وبتأويل متعدد،
وبقراءات غير أحادية، وغير "حرفية" وغير جامدة؛ وقد أدرك نصر
حامد أبو زيد أن قراءة التراث، أو الواقع، أو الحداثة نفسها،
بأحادية إيديولوجية أو بذهنية متعصبة، هي قراءة ميتة، تنعكس
على مجمل النص التاريخي أو الاجتماعي أو الديني. إنها القراءات
"الجاهزة" المعممة التي تدفع التراث بإطار جامد، وساكن، وفضفاض
بالخرافات والأساطير، والتخلف. وعندما واجهه بعض من هؤلاء من
أصحاب "الفتاوى" والدسيسة، والنميمة، بسلاح الإرهاب الفكري،
ووضعوه عن جهل وكيدية، في خانة خيانة الإسلام، أو الخروج على
جوهره الى درجة التكفير، وتهديد حياته، وإصدار "فرمانات" تافهة،
وادعاءات مريبة، وصلت الى حد الفتوى بانفصال زوجته عنه، لأنه
من أهل "النار" وهؤلاء التعساء الجهلاء من "أهل الجنة" والإيمان.
كان عليه، وتحت ضغط الإرهاب والترويع، وفي ظل إحساسه بالوحدة
وفي ظل شعوره بأنه أعزل أمام هذه الوحوش، وتملص القيمين من حمايته،
أن يختار المنفى، في أحد البلدان الأوروبية، ليمارس التعليم
الجامعي، بعيداً من وطنه، ومع زوجته بالطبع، التي وقفت معه على
امتداد محنته. نتذكر هنا الاعتداء البربري من أهل الفتنة الجاهلة
على نجيب محفوظ (ونستحضر طه حسين)، والدعاوى التي أقامها بعض
هؤلاء على أكبر شعراء مصر ومفكريها، من باب التعرض للإسلام،
كجابر عصفور، والشاعرين حلمي سالم وأحمد عبدالمعطي حجازي وجمال
الغيطاني، وسواهم، حيث ما يزال بعضهم مستمراً في سياسة ترهيب
الثقافة النهضوية، وحرية التفكير، وديموقراطية الاختيار.
ونظن أن تخلي القيمين
على حماية المجتمع عن أبو زيد، وكذلك أهل الفكر والمدرسين وزملائه،
يدل على مدى انخراط كثيرين منهم في نهج التكفير، والإقصاء، والإنغلاق.
فحامد أبو زيد طالب بالتحرر من سلطة النصوص، وكل سلطة تعوق مسيرة
الإنسان في عالمنا. وكما قال المفكر اللبناني علي حرب يستهدف
أبو زيد بالنقد والتحليل خطاب الوحي، ليجعله مادة لمعرفة عقلانية،
مستلهماً موقف طه حسين الذي اعتبره أبو زيد "الفدائي الأول في
مقاومته للنظرة الجامدة للنصوص الدينية". وهذا يعود الى تبني
نصر حامد أبو زيد التصورات العلمانية والمضامين الجدلية للحياة
والكون والغيب.. وقد اتهم، وفي هذا الإطار بالإلحاد (وأهدر دمه)
بانتهاج الفكر الغربي في تطوير كل شيء حتى العقيدة الدينية.
وإذا كانت أفكار حامد
أبو زيد أثارت جدلاً واسعاً عند العلمانيين، وحتى الماركسيين،
فإن هذا الجدل أخصب الأفكار المتصارعة، والمتواقعة باعتبارها
صراعاً حيوياً بين التعدديات الفكرية، على عكس ما واجهه به بعض
المتخلفين، بتحليل دمه، وتهديده، ونفيه!
نصر حامد أبو نصر، يرحل
في زمن نحتاج فيه إليه. نحتاج فيه إليه مفكراً عقلانياً، عنيداً،
وتنويرياً، وتقدمياً، وخارج التصنيفات الجاهزة. يرحل حامد أبو
زيد، وكان استثناء، مع قلة من المفكرين والأدباء والكتاب والفلاسفة،
يواجه معهم هذه الموجات التجهيلية التكفيرية المبرمجة والتي
لا تصيب فقط الإسلام والمسلمين التنويريين وإنما أيضاً المسيحيين
التنويريين، خصوصاً من قبل اليمين المسيحي المتطرف والمهوّد
في أميركا وفي بعض أوروبا!
مات المفكر الكبير كبيراً،
بل يمكن القول إنه مات شهيد أفكاره، سواء كنت معه أو لم تكن،
في زمن تحوّلت فيه الأفكار الى بضائع استهلاكية وتجارية، تسليعية
كهذا الزمن المسلع.
بول شاوول
قراءة في فكر المفكر الراحل
نصر حامد أبو زيد
Sun, 11 يوليو 2010
صالح بن عبدالله البلوشي
برحيل الدكتور نصر حامد أبو زيد المفاجىء الأثنين الماضي 5 /
يوليو / 2010 يكون الفكر العربي المعاصر قد خسر ثلاثة من أبرز
رموزه الفكرية ذات الإتجاه العقلاني والتنويري خلال أقل من شهرين
فبعد صدمة رحيل ناقد العقل العربي الدكتور محمد عابد الجابري
الذي ارتحل عن عالمنا في بداية مايو المنصرم أعلن يوم الأحد
الماضي عن وفاة داعية الحوار المفكر الإسلامي والعربي محمد حسين
فضل الله ليفجع الوسط الثقافي العربي والعالمي بعده بيوم واحد
فقط برحيل المفكر المصري الكبير الدكتور نصر حامد أبو زيد. (
1943 – 2010 ).
والحديث عن الدكتور نصر حامد أبو زيد يطول ويتشعب وخاصة بعد
المحنة الشديدة التي تعرض لها والتي هي إمتداد لمحنة المثقف
العربي في زمن التكفيرالذي ابتدأ بالجعد ابن درهم في القرن الثاني
الهجري ليلحقه بعد ذلك شهيد العشق الإلهي الحلاج ليتواصل المشهد
المؤلم مع السهروردي المقتول إلى محنة الفيلسوف العظيم إبن رشد
الذي إضطر لحرق كتبه ولكن أبو زيد لم يفقد كتبه وإنما فقد وطنه،
بعد أن أريد له أن يفقد زوجته أيضا .
وقد بدأت قصة محنة نصر حامد أبو زيد عندما قدم المفكر الراحل
بعضا من ابحاثه للحصول على درجة " أستاذ " فقامت جامعة القاهرة
بتشكيل لجنة علمية أحد أعضائها هو الدكتور عبد الصبور شاهين
للإطلاع على الأبحاث وتقييمها علميا قامت بعدها بإصدار تقرير
تفيد بأن ما جاء في هذه الأبحاث هو كفر بالله ومحاربة لله ورسوله
وتطورت القضية إلى رفع دعوى تفريق بينه وبين زوجته الدكتورة
إبتهال يونس وصدر ضده الحكم الذي أيدته أيضا محكمتا الإستئناف
والنقض مما أضطره بعد ذلك سنة 1995 إلى ترك البلاد والذهاب إلى
هولندا مع زوجته التي ظلت معه إلى وفاته .
وكشفت قضية حامد أبو زيد عن إشكالية خطيرة حول علاقة التيار
الديني المحافظ مع أهل الفكر والتنوير وهي الإشكالية التي بدأت
تأخذ اتجاها خطيرا في العالم العربي بعد إعدام المفكر السوداني
الراحل محمود أحمد طه رحمه الله ( 1909 – 1985 ) في عهد
الرئيس السوداني السابق جعفر النميري بتهمة الردة والخروج عن
الملة وتلاحقت مع عمليات التصفية الجسدية التي شملت الكثير من
المفكرين العرب من رموز الإتجاه العقلاني أبرزهم حسين مروة في
لبنان والدكتور فرج فوده في مصر وأيضا المحاولة الفاشلة لإغتيال
الروائي الكبير نجيب محفوظ بالإضافة إلى إصدار العشرات من الفتاوى
التكفيرية بحق العشرات من المفكرين والروائيين العرب والتي ما
زالت متواصلة إلى هذا اليوم .
إبتعد أبو زيد عن فخ الوقوع في سجالات فكرية عقيمة مع معارضيه
من التيار الديني المتشدد لانه كان يدرك أنه سوف يدخل في معركة
خاسرة لو فعل ذلك ليس لقوة الخصم الفكري وإنما لأن الطرف الآخر
سوف يواجهه بسلاحه الأيديولوجي المفضل والوحيد ايضا وهو سلطة
النصوص الدينية
ولذلك بقي خارج دائرة النقاشات الجدلية يكتب ويؤلف ويبدع من
اجل خطاب تنويري للحاضر والمستقبل .
وسوف نحاول في هذا المقال المختصر عرض رؤية المفكر الراحل من
خلال ثلاثة من أشهر كتبه وهي " نقد الخطاب الديني " وكتاب "
دوائر الخوف .. قراءة في خطاب المرأة " وكتاب " هكذا تكلم إبن
عربي "
نقد الخطاب الديني :
يرى الدكتور نصر حامد أبو زيد أن الخطاب الديني المعاصر يقوم
على إفتراض أن الإسلام قد تم عزله وإقصاؤه عن حركة الواقع ثم
يقوم بالإنطلاق من هذه الفرضية بالمطالبة إلى العودة إلى ما
يصفه بالإسلام الحقيقي والإحتكام إلى الشريعة في جميع المشكلات
السياسية والإقتصادية والثقافية وغيرها ويتجسد هذا الإفتراض
بشكل خاص في مؤلفات الداعية الباكستاني الراحل أبو الأعلى المودودي
وخاصة كتابه " منهاج الإنقلاب الإسلامي " والأستاذ سيد قطب في
كتابه " معالم في الطريق " إضافة إلى المنشورات الحزبية لما
يسمى بحزب التحرير الإسلامي وغيرها من الكتب الاخرى .
ويعتقد المفكر المصري الراحل بان الخطاب الديني لا يشغل نفسه
بالبحث عن الكثير من الأسئلة قبل الدعوة إلى تحكيم الشريعه مثل
متى تم إقصاء الإسلام عن واقع المجتمعات الإسلامية ؟ ولماذا
؟ وكيف ؟ ودون مواجهة هذه التساؤلات ومحاولة الإجابة عنها بطريقة
علمية سيظل افتراض إقصاء الإسلام عن الواقع أمرا قدريا يستعصي
على الفهم والتحليل ولا يقبل التفسير
ويرى أيضا أن من أبرز الآليات في الخطاب الديني المعاصر هي التوحيد
بين الفكر والدين وإلغاء المسافة بين الذات والموضوع وكذلك إعتماد
مبدأ العلة الاولى في تفسير جميع الظواهر الإجتماعية والطبيعية
والسياسية وغيرها. ومن أهم الآليات وأخطرها أيضا الاعتماد بشكل
مطلق على سلطة السلف أو مرجعية التراث وذلك بعد تحويل هذه النصوص
ـ وهي نصوص ثانوية ـ إلى نصوص مقدسة لا تقبل الرد أو النقاش
والإعتقاد باليقين الذهني والحسم الفكري مما لا يجعله يقبل بأي
نقاش فكري إلا في بعض الفروع والتفاصيل فقط لإعتقاده بما يسمى
في الخطاب الديني بالثوابت التي لا تمس .وكذلك إهدار البعد التاريخي
وتجاهله ويتجلى ذلك في الحنين إلى الماضي العريق والبكاء عليه
ويتجلى ذلك أيضا في نشر ثقافة العودة إلى التراث أو ما يطلق
عليه في بعض المدارس الإسلامية بالعودة إلى الكتاب والسنة بفهم
السلف الصالح .
ويرى الدكتور أبو زيد أن من أهم المنطلقات الفكرية التي يقوم
عليها الخطاب الديني هي الحاكمية وهو المبدأ الذي نادى به أبو
الأعلى المودودي في كثير من كتبه ويقصد به حاكمية الله مقابل
حاكمية الطاغوت وحاكمية الشريعة مقابل حاكمية القوانين الوضعية
حتى تطور هذا المفهوم بحيث أصبح يشمل ايضا الفكر النصوصي مقابل
الفكر العقلاني ويرى أيضا بأن الإسلام جاء بعقيدة التوحيد تحريرا
للعقل البشري من سلطة الأوهام والأساطير وتاسيسا لحريته في ممارسة
فعاليته في الفكر والواقع الطبيعي والاجتماعي على السواء ومساهمتها
في إعادة صياغة العلاقات بين قبائله المتصارعة وتأسيس علاقات
جديدة جوهرها العدل والمساواة لكن الخطاب الديني يختزل هذه الحقيقة
ويؤول منطوقها لينتهي إلى إختزال الإنسان في بعد " العبودية
" كقمة التحرر التي يمنحها الإسلام للإنسان
وتكريس مبدأ الحاكمية سوف يؤدي إلى نتائج سياسية واجتماعية وخيمة
على المجتمع والوحدة الوطنية وقد لوحظ ذلك في بعض الدول التي
وصل فيها الإسلام السياسي إلى السلطة .
والمبدأ الثاني هو النص حيث يعتقد المفكر الراحل إن من أهم الجوانب
التي يتم تجاهلها في إشكالية النص الديني هو البعد التاريخي
لهذه النصوص ولا يقصد أبو زيد هنا ما يسمى في علم التفسير بأسباب
النزول وإنما تاريخية المفاهيم التي تطرحها النصوص من خلال منطوقها
حيث يقول في كتابه " نقد الخطاب الديني " ص : " إن النصوص دينية
كانت أم بشرية محكومة بقوانين ثابتة والمصدر الإلهي للنصوص الدينية
لا يخرجها عن هذه القوانين لأنها " تأنسنت " منذ تجسدت في التاريخ
واللغة وتوجهت بمنطوقها ومدلولها إلى البشر في واقع تاريخي محدد
إنها محكومة بجدلية الثبات والتغير فالنصوص ثابتة في " المنطوق
" متحركة متغيرة في " المفهوم " وفي المقابل تقف القراءة محكومة
أيضا بجدلية الإخفاء والكشف "
وتعود أولى محاولات إلغاء العقل لحساب النص إلى حادثة رفع المصاحف
على أسنة السيوف والدعوة إلى " تحكيم كتاب الله " من جانب الامويين
في موقعة " صفين " ولا خلاف على أنها " حيلة " أيديولوجية استطاعت
أن تخترق باسم النص صفوف قوات الخصوم وأن توقع بينهم خلافا أنهى
الصراع لصالح الامويين " ويقول أيضا إن حيلة التحكيم نقلت الصراع
من مجاله الخاص السياسي الاجتماعي إلى مجال آخر هو الدين والنصوص
.
الخطاب الديني والمرأة :
تحتل المرأة ركنا أساسيا في الخطاب الديني الذي يختزل قضايا
المرأة في بعض القضايا الشكلية مثل الحجاب أو النقاب أو الخضوع
لسلطة الرجل المطلق وفق التاويل السلفي الضيق لمفهوم القوامة
وغيرها والتي تقدم على شكل فتاوى وكتيبات خاصة للمرأة المسلمة
.
يصف الدكتور أبو زيد الخطاب المنتج حول المرأة في الخطاب الديني
المعاصر بانه في مجمله عنصري وطائفي بمعنى أنه يتحدث عن مطلق
المرأة / الانثى ويضعها في علاقة مقارنة مع مطلق الرجل / الذكر
ويرى رحمه الله بانه حين تحدد علاقة ما بأنها بين طرفين متقابلين
أو متعارضين ويلزم منها ضرورة خضوع احدهما للآخر واستلامه له
ودخوله طائعا منطقة نفوذه فإن من شأن التطرف الذي يتصور نفسه
مهيمنا أن ينتج خطابا طائفيا عنصريا بكل معاني الألفاظ الثلاثة
ودلالتها .
ويعتبر الخطاب التجديدي للدكتور نصر حامد أبو زيد حول المرأة
امتدادا للخطاب التنويري النهضوي الذي بدأ مع المفكر المصري
قاسم أمين ( 1863 – 1908 ) في كتابيه " المرأة الجديدة
"و" تحرير المرأة و" المفكر التونسي الطاهر الحداد ( 1899 –
1935 ) في كتابه " إمرآتنا في الشريعة والمجتمع " وتميزت دراسة
الدكتور نصر حامد أبو زيد في كتابه " دوائر الخوف ... قراءة
في خطاب المرأة " بأنه بحث القضية من زواياها المختلفة وليس
فقط من زاوية واحدة وخاصة في البعد الإجتماعي الذي وصفه بالمفقود
في الخطاب الديني المعاصرالذي ينظر إلى المرأة من خلال الرؤية
النصوصية القديمة فقط وإسقاط خطاب الماضي على الحاضر مع النظر
بريبة وتشكيك إلى كل التيارات التنويرية والإجتماعية التي تنادي
بحق المرأة في المشاركة الإجتماعية والسياسية والرياضية والثقافية
وغيرها أسوة بالرجل .
ومن يتأمل اليوم القوانين التي تتعلق بالمرأة في الدول العربية
وخاصة السارية في محاكم الاحوال الشخصية يجد أنها ما زالت تستند
إلى مرجعية الشريعة دون ان تتم صياغتها بشكل قانوني منضبط وفق
إجتهادات عصرية وحديثة ولذلك تخرج بعض الاحكام وفقا لتفكير القاضي
وخضوعه للمناخ الإجتماعي السائد بغض النظر عن مطابقتها للشريعة
أم لا ولذلك رأى الدكتور نصر حامد أبو زيد بضرورة القيام بقراءة
جديدة لفقه المرأة تستند إلى ضرورة التمييز بين مصطلح " الشريعة
" وبين الفقه ولأجل فتح النقاش – المغلق – حول مفهوم
الشريعة وعلاقتها بالدين / الإسلام فإن من الضروري العودة إلى
ما يسمى مجال التداول للألفاظ والعبارات وهو المجال السابق على
تحولها إلى مفاهيم ومصطلحات محملة بثقل الصراعات التاريخية –
الإجتماعية السياسية – وتعبيراتها الفكرية والثقافية وما
تحدثه من تراكمات دلالية ويضيف المفكر الراحل قائلا : " ولعل
من شأن هذه العودة التحليلية أن تكشف بعض جذور الخلط الذي يعاني
منه الخطاب الديني المعاصر والقرآن الكريم هو دائما مجال التداول
الأصلي لكل ما أندرج فيما بعد في منظومة أو بالاحرى منظومات
الفكر الإسلامي من خلال طبقات التفسير والتأويل التي كونت المفاهيم
وصكت المصطلحات "
وتحدث أبو زيد أيضا عن إشكالية التأويل والتأويل المضاد في قراءة
القرآن وموقفه من قضايا المرأة وتطرق أيضا إلى منهج القراءة
السياقية للنصوص مثل سياق ترتيب النزول وسياق السرد وهو يمثل
السياق الاوسع الذي يحيط بما يظن أنه امر أو نهي تشريعي وأيضا
مستوى التركيب اللغوي ويصفه بانه مستوى أعقد من مستوى التركيب
النحوي الذي اهتم به المفسرون لأنه يتناول بالتحليل علاقات مثل
" الفصل " أو " الوصل " بين الجمل النحوية وعلاقات " التقديم
والتأخير " و"الإضمار والإظهار – الذكر والأنثى –
" و " التكرار " وكلها عناصر أساسية في الكشف عن مستويات المعنى
.
بقي أن نقول بأن الخطاب التجديدي للمفكر الراحل نصر حامد أبو
زيد لم يستند إلى مرجعية تراثية سلفية أو مرجعية غربية علمانية
إنما إلى قراءة جديدة وتأويلية للنص الديني .
ابن عربي وقراءة جديدة :
لفت العارف الكبير محيي
الدين إبن عربي نظر الكثير من الباحثين من المستشرقين وغيرهم
وألف الدكتور نصر حامد أبو زيد حول هذه الشخصية العظيمة واحدا
من افضل كتبه ومن أروع ما كتب حول هذا العارف الكبير ولم يأت
إختياره لهذه الشخصية عبثا وإنما كان يهدف إلى تقديم مفهوم جديد
للدين قائم على مبدأ التسامح والتعددية الذي نادى به إبن عربي
في كتبه وقصائده وخاصة أبياته الشهيرة التي يتغنى بها عشاق المحبة
والسلام في العالم والتي يعبر عنها المفكر الراحل قائلا : "
كانت أبياته الشعرية عن " دين الحب " الذي يتسع لكل العقائد
– من الوثنية إلى الإسلام محتضنا اليهودية والمسيحية معا
على وجه الخصوص – تتردد دائما في سمعي
لقد صار قلبي قابلا كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب انى توجهت
ركائبه فالحب ديني وإيماني "
إن إستدعاء إبن عربي اليوم ليس فقط من أجل البحث عن سيرة عارف
كرس عمره في العلم والمعرفة والعرفان والتصوف وليس فقط من أجل
البحث في العلاقة الجدلية بين البيان والبرهان والعرفان وإنما
من أجل ما يمثله هذا العارف الكبير من تجربة روحانية كبيرة ما
يمكن أن يمثل مصدرا للإلهام في عالم اليوم المليء بالمشكلات
السياسية والإجتماعية والبيئية والدينية المعقدة ولأن التجربة
الروحية هي مصدر التجربة الفنية من موسيقى وادب وشعر وغيرها
وفوق ذلك كله فإن إستحضار إبن عربي في السياق الإسلامي كما يقول
المفكر الراحل واستعادته من افق التهميش إلى فضاء المتن مرة
أخرى لا يقل أهمية وذلك بسبب سيطرة بعض الإتجاهات والأفكار والرؤى
السلفية على مجمل الخطاب الإسلامي في السنوات الثلاثين الأخيرة
.
ولا يسعني في ختام هذا
المقال سوى أن أكرر ما كتبه الكاتب الفلسفي زهير الخويلدي في
موقع إيلاف الإلكتروني مودعا الراحل الكبير " صحيح أن نصر حامد
قد توقف عن الكتابة وعن الإبداع ولكن حرفه واسمه لن يتوقف عن
الإشعاع والتأثير وسيظل العقل العربي مدينا له بالصحوة الهرمينوطيقية
التي حاول إيقاظها في الثقافة العربية بعدما خلنا أنها تحولت
إلى رماد، فهل نقول سلاما أيها الروح المجنحة فوق الضباب، سلاما
أيها الطائر المحلق فوق الآراء الظنية والأقاويل المغشوشة؟ ألا
ننادي على هذا العقل أن يعود طفلا تماما مثلما قال هو عن نفسه:
"نكبر ونقرأ ونتزود بالمعرفة لكن تظل جذور تجربة الطفولة كامنة
في أعماق كل منا .
المصادر :
1 – كتاب " نقد
الخطاب الديني " للدكتور نصر حامد أبو زيد طبعة المركز الثقافي
العربي .
2 – كتاب " دوائر الخوف .. قراءة في خطاب المرأة " للمفكر
الراحل
3 – كتاب " هكذا تكلم إبن عربي " للمفكر الراحل أيضا
4 ـ هكذا تحدث نصر حامد أبو زيد ، زهير الخويلدي ، موقع إيلاف
الإلكتروني
http://main.omandaily.om/node/23144
فلاسفة العرب
الدكتور نصر حامد أبو
زيد (م 1943) مفكر مصري متخصص في الدراسات الإسلامية قسم اللغة
العربية، من دعاة التجديد الديني تأسيسا على إعادة تحليل النصوص
الدينية باستخدام المناهج العلمية الحديثة وفي ضوء سياقها الثقافي
والاجتماعي والسياسي.
حياته
ولد الدكتور نصر في إحدى
قرى طنطا في 10 يوليو 1943 ، حصل عام 1960 على دبلوم المدارس
الثانوية الصناعية قسم اللاسلكي، ثم حصل علي الليسانس من قسم
اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب، جامعة القاهرة 1972 م،
تقدير ممتاز. ثم حصل على منحة من مؤسسة فورد للدراسة في الجامعة
الأمريكية بالقاهرة 1976-1977م ثم على ماجستير في الدراسات الإسلامية
عام 1976 م، بتقدير ممتاز. ثم دكتوراه في الدراسات الإسلامية،
قسم اللغة العربية، كلية الآداب جامعة القاهرة،عام 1981 م، بتقدير
ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى. كما حصل على منحة من مركز دراسات
الشرق الأوسط، جامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية
1978-1980م.
عمل في وظيفة فني لاسلكي
بالهيئة المصرية العامة للاتصالات السلكية واللاسلكية 1961 -1972
م. ثم معيد بقسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب، جامعة
القاهرة 1972م. وتدرج في سلك التدريس من مدرس إلى أستاذ مساعد
حتى درجة أستاذ في كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1995. كما
عمل استاذ زائر بجامعة أوساكا للغات الأجنبية باليابان 1985
- 1989م.
عندما قدم أبحاثه للحصول
على درجة أستاذ اتهمه أحد أعضاء لجنة الترقية في جامعة القاهرة
بالردة وصدر ضده حكم بالتفريق بينه وبين زوجته ( تم إلغاؤه لاحقا)،
تأسيسا على هذا الاتهام، وانتهى الأمر إلى أن قام الدكتور نصر،
عام 1995، بترك الوطن في منفى اختياري حيث عمل كأستاذ زائر بجامعة
ليدن في هولندا ابتداء من عام 1995.
مشروعه الفلسفي
جوهر المشروع الفلسفي
للدكتور نصر أبو زيد هو الاعتماد على المناهج الحديثة والمعاصرة
في فهم النص الديني. وهو الأمر الذي يؤدي إلى إنجاز مرحلة الإصلاح
الديني ومن ثم دفع تحول المجتمعات العربية والإسلامية نحو النهضة.
والمناهج الحديثة هنا تشمل الهرمنيوطيقا، تحليل الخطاب، البنيوية،
الألسنية، والتاريخانية، إضافة إلى علم تاريخ الأفكار وعلم اجتماع
المعرفة. ويرى الدكتور محمود اسماعيل أن الدكتور نصر أبو زيد،
من المفكرين الذين جمعوا
بين الإحاطة بالتراث العربي الإسلامي وبين الفكر الغربي ومعرفتهما
معرفة علمية أكاديمية، خصوصا في مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية.
وهو فضلا عن ذلك من المهتمين بقضايا وإشكاليات الواقع العربي
المعاصر؛ سياسيا وفكريا؛ فقد شارك – ولا يزال –
في حركة التنوير بهدف صياغة مشروع نهضوي عربي معاصر؛ حيث قدم
دراسات رائدة في مجال نقد التراث العربي الإسلامي. (محمود اسماعيل،
1998، قراءات نقدية في الفكر العربي المعاصر، ص 23)
أما الأستاذ محمود أمين
العالم فيرى،
الواقع أن قراءة الدكتور
أبو زيد هي قراءة في إطار الدين نفسه، لا بما يعلنه ويؤكده بأقواله
وكتاباته فحسب، بل بمضامينها ونتائجها كذلك...
ولهذا يقول الدكتور أبو
زيد في مقدمة كتابه :النص، السلطة، الحقيقة" أن "الخطاب الذي
يطرحه هذا الكتاب يعد في جانب منه تواصلا مع خطاب عصر النهضة
في جانبه الديني، ليس بدءا من محمد عبده حتى محمد أحمد خلف الله،
بل هو تواصل مع هذا التراث في بعده الأعمق المتمثل في الإنجازات
الاعتزالية – الرشدية. ولكنه تواصل يمثل "الامتداد النقدي
لا لخطاب النهضة فقط بل للخطاب التراثي كذلك"...
ونقطة البداية في قراءة
الدكتور أبو زيد للخطاب الديني هي تفرقته بين الدين والفكر الديني.
فالدين – كما يقول – هو مجموعة النصوص المقدسة الثابتة
تاريخيا، في حين أن الفكر الديني هو الاجتهادات البشرية لفهم
هذه النصوص واستخراج دلالتها. وتتمثل إضافة الدكتور أبو زيد
في محاولة تحليل هذه النصوص وهذه الاجتهادات لاستخلاص أو لإنتاج
دلالتها على حد قوله. وهو يستند في تحليله إلى عدة أسس منهجية
ومفهومية لعل أبرزها تسلحه بالمناهج العلمية الحديثة في إنتاج
دلالة هذه النصوص مثل الألسنية والهرمنيوطيقا وعلم الاجتماع.
والحرص على إنتاج الدلالة من داخل النصوص نفسها دون أن يفرض
عليها رؤى أيديولوجية من خارجها، مدركا في الوقت نفسه أن الفكر
البشري عامة – بما في ذلك الفكر الديني – هو نتاج
طبيعي لمجمل الظروف التاريخية والحقائق الاجتماعية لعصره. (محمود
أمين العالم، 1997، مواقف نقدية من التراث، ص60)
فلسفته
كما ذكرنا أعلاه، ما يميز
المشروع الفلسفي للدكتور أبو زيد هو ارتكازه على المناهج الحديثة
والمعاصرة عند معالجته لنصوص التراث. لذلك، يمكننا مقاربة فكره
الفلسفي من خلال ثلاثة عناصر أساسية، منهجه، تحليلاته الفلسفية،
وموقفه الفلسفي.
منهجه
يقوم الدكتور نصر أبو
زيد بتطبيق المناهج الحديثة والمعاصرة في تحليل النصوص بشكل
يتسم بنوع من الخصوصية بالنسبة للنصوص التراثية والدينية الإسلامية.
فالمناهج الحديثة، على العموم، واحدة، ولكن التطبيق المنهجي
يختلف باختلاف الثقافات. لذلك يمكن القول بأن نصر ابو زيد يزاوج
بين المناهج التقليدية في التراث الإسلامي وبين المناهج الغربية
الحديثة والمعاصرة في فهم وتحليل نصوص التراث، وتحليل الخطاب
الإسلامي. وفي ذلك يقول،
يعتمد منهج تحليل الخطاب
على الإفادة من "السميولوجيا" و"الهرمنيوطيقا" بالإضافة إلى
اعتماده على "الألسنية" و"الأسلوبية" و"علم السرد". ولا يقوم
هذا الاعتماد على توظيف حرفي لمقولات تلك العلوم وقواعدها المنهجية،
بقدر ما يحاول الانطلاق كذلك من قراءة معاصرة للإنجازات التراثية
في علوم اللغة والبلاغة، خاصة تلك الإنجازات ذات الطابع المتقدم،
والتي تطرح بذورا تسمح بتأسيس إنجازات العلوم الحديثة تأسيسا
ثقافيا عربيا. (النص السلطة الحقيقة" ص 8)
التحليل الفلسفي
يمكن القول بأن المفهوم
المركزي في تحليلات نصر أبو زيد هو "التعددية الثقافية"، والتعددية
عند أبو زيد ليست فقط ما بين الثقافات الكبرى وإنما أيضا في
داخل هذه الثقافات نفسها. والوظيفة الأساسية التي تقوم بها عمليات
تحليل النصوص وتحليل الخطاب في الثقافة العربية الإسلامية، من
وجهة نظره، هي الكشف عن آليات الهيمنة الثقافية، أي هيمنة رؤية
معينة داخل نفس الثقافة على رؤى أخرى مغايرة.
ولذلك يؤسس نصر أبو زيد
تحليله على مسلمات تعكس بوضوح "التعددية الثقافية" في فكره.
وانطلاقا من هذه المسلمات يتم إنجاز عمليات تحليل النصوص وتحليل
الخطاب وصولا إلى الهدف النهائي وهو تحرير العقل من سلطة النصوص
(أي من سلطة ثقافية معينة تستخدم النصوص) كشرط أساسي لتحقيق
النهضة.
http://ejabat.google.com/ejabat/thread?tid=40b99962c6495924&clk=wttpcts