البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

شرعية السلطة كما ترويها الآداب السلطانية

ينطلق الباحث في الاجتماع السياسي العربي المعاصر من هاجس الكشف عن أصل لهذا الاستبداد المترامي الأطراف في البلاد العربية، إذ من الصعب إرجاع هذا الاستبداد إلى أوضاع خارجية وإقليمية معظمها حديث وناشئ، في حين أن هذه الظاهرة ـ ظاهرة الاستبداد ـ تملك جذوراً اجتماعية وسياسية وتاريخية لا تتجاوز هذه الأوضاع فحسب، بل وتضعها في طي الاهمال والنسيان، ولطالما اتهم المستشرقون والباحثون الغربيون الدولة الشرقية بأنها دولة استبدادية، وأن النموذج الحديث للدولة في العصر الحالي يضرب بجذوره في تاريخ قديم شكّل ما يشبه الخلفية المعرفية لهذه الدولة الحديثة.
على ضوء هذا الهاجس، يعمل كمال عبد اللطيف في كتابه (في تشريح أصول الاستبداد) على قراءة المتن السياسي في الاسلام ضمن برنامج في البحث يهدف إلى تحقيقه، ويتعلق بإجراء عملية مسح شاملة وعامة لمختلف جوانب القول السياسي في الاسلام، منطلقاً من مسلمتين أساسيتين، الأولى تنطلق من اعتبار أن أي تعامل مع التراث، ومع التراث السياسي على وجه الخصوص، لا يمكن أن يكون بريئاً ولا محايداً ولا موضوعياً، بل ان الانجاز هنا لا يتجاوز عتبة المساهمة الرامية إلى توضيح الصورة وتجلية أبعادها، وذلك انطلاقاً من معايير محددة، والثانية هي أن قراءة خطاب الآداب السلطانية ليس من الممكن حصره في حقبة محددة من تاريخ الكتابة السياسية في الاسلام، وفي مكان بعينه، وذلك لأنها تندرج ضمن نظام القول السياسي في الاسلام مما يشكل بدوره حلقة من حلقات الفكر السياسي الانساني.
ولكي تعطي القراءة مردودها ونتيجتها فإنه يستعين بعدد من المفاهيم والأدوات المعرفية في العلوم الانسانية المعاصرة كالنظام المعرفي والنقد التاريخي والقطيعة والاستمرارية وغيرها من المفاهيم، التي تساعد على الكشف عن الخلفية الفكرية المؤطرة، وتحقق مسافة ضرورية بين القارئ أو الباحث وموضوعه.
حدود الآداب
يبدأ في بحث ما يسميه "حدود الآداب السلطانية" الذي يُعنى فيه بموضوع التسمية والتشكل النظري لهذا المصطلح، وهو لذلك يفضل تعبير الآداب السلطانية على نصائح الملوك أو مرايا الأمراء أو الكتابة الديوانية وغيرها من التسميات. ذلك أن اصطلاح الآداب السلطانية يمكننا بشكل أفضل من استيعاب مختلف مظاهر الكتابة التي تتجه إلى الملوك والأمراء والوزراء والولاة وغيرهم، ممن يتقلدون مناصب التدبير السياسي في درجاتها المختلفة، وبذلك تكون الآداب السلطانية هي مجموع النصوص التي نشأت في سياق تاريخي سياسي محدد لإنجاز مهام ايديولوجية مضبوطة، ضمن دائرة القضاء السياسي الاسلامي، بمختلف الصراعات التي كانت تجري داخله، وتعبّر عن ديناميات التحوّل والتطوّر الجارية فيه. واستناداً إلى ذلك فإن التقصي التاريخي المتعلق بنشأة النصوص الأولى المؤسسة لخطاب الآداب السلطانية في تاريخ الفكر الاسلامي، يكشف أن هناك مواكبة فعلية تمت بين ميلاد الدولة السلطانية والخطاب السياسي السلطاني، ممثلاً في مؤلفات وترجمات ابن المقفع الخاصة بسير ملوك الفرس وتقاليدهم في الحكم، ثم ترجمات عهد أردشير، وكتاب العهود اليونانية، ثم كتاب (التاج في أخلاق الملوك) المنسوب للجاحظ.
إن تاريخ البدء يسهل علينا الكشف عن المرجعيات الفكرية المحددة والمؤطرة للخطاب السلطاني والتي يمكن حصرها في لحظات ثلاث، لحظة ابن المقفع في الكتابة النصيحة والرمزية والرسائل، وتستوعب ضمنها النص المنسوب إلى الجاحظ والتاج في أخلاق الملوك أو لحظة الآثار اليونانية، وفي إطارها نعثر على العهود اليونانية المنسوبة لأفلاطون وكتاب السياسة والفراسة في تدبير الرئاسة والمعروف بسر الأسرار المنسوب إلى أرسطو، ولحظة المرجعية المركبة والجامعة، وهي مرجعية تتجه إلى تركيب مظان المرجعيات السابقة محاولةً مزجها بمأثور التاريخ الاسلامي، وذلك من دون مراعاة الاختلافات القائمة بين مصادر النصوص، ومن دون الاهتمام بالتناقضات القائمة بين التصوّر الفارسي والتصوّر اليوناني للسلطة، والتناقضات القائمة أيضاً بين التصورين المذكورين والتصوّر الاسلامي للسلطة كما بلورته نصوص الفكر السياسي الاسلامي الفقهي منه على وجه الخصوص، وكما مارسته السلطة الفعلية في التاريخ الأول للاسلام.
بعد ذلك يعمد الباحث إلى الكشف عن النمط الذي يحكم النص السلطاني محدداً إياه في أربعة أنماط، وذلك بغية إظهار لعبة التناص الكامنة بكيفية ثابتة في النصوص، وقد هدفت إلى بناء نظامها عن طريق استثمار رأسمال الحكمة والتاريخ لتحقيق ما يمكن تسميته بدولة الخطاب التبريري الذي يهبها الحاضنة الضرورية لوجودها فتصبح مجسدة في واقعين: واقع التاريخ وواقع الكلمات، كلمات الآداب السلطانية التي تعكس أبهة السلطة الملكية ومجدها وطغيانها، وتعمل كل ما باستطاعتها لتستمر كذلك، وواقع التجربة التاريخية التي عرفتها الدولة السلطانية عبر مراحل التاريخ الاسلامي وخلال حقبه المتتابعة.
بعد ذلك لا بد من رصد المظاهر والتجليات التي تحكم النظام السلطاني، أي تشريح نظام الآداب عن طريق تحليل وإعادة تركيب نظام القول في هذا النظام، باعتباره قولاً في تدعيم الاستبداد السياسي.
تفصيل القول
وبناء على ذلك فإن لخطاب الآداب السلطانية مظهراً تقنياً واضحاً ومعلناً، إنه خطاب يعنى بتفصيل القول في تقنيات الممارسة السياسية، كما يُعنى بالنصح والتوجيه، وتشكل العبرة مرماه وذلك لإصلاح وترتيب الأوضاع السياسية التي يتم إنشاء الخطاب لمواجهتها، ولذلك فالخطاب السلطاني لا علاقة له بالنظر الفقهي الذي يُعنى بحقيقة الملك وانقسامه إلى خلافة وسلطنة وولاية وإمارة، ولا يهتم لا بالمدنية وآرائها، ولا بسلّم الفضائل ومطلب الخير والسعادة كما بلورته سياسة الفلاسفة المسلمين، إن مجال الآداب السلطانية هو التفكير في الأبهة الملكية، في كيفية المحافظة على السلطة القائمة واستمرارها، وهو مجال مرتبط بما هو عملي وواقعي، إنه خطاب يواكب سلطة فعلية قائمة، ويتوخى بناء القناعات والمسوّغات السياسية التي تكفل لها ما يرعى دوامها في كل الأحوال، لذلك فهو يهدف إلى تكريس تصوّرات معيّنة للسلطة، وإبراز حتمية القهر كخاصية ضرورية لكل سلطة في التاريخ ولزوم الولاء والطاعة والصبر، والتي هي أخلاق العامة المطابقة لإرادة التاريخ ومقتضيات الزمن.
وبذلك يعمد التاريخ السلطاني إلى ترسيخ مبادئ معيّنة تتجلى في التأكيد على مراتبية المجتمع، تبدأ بالملك أو السلطان ثم طبقة الرعية التي تتعدد إلى طبقات، كل طبقة بحاجة إلى كيفية خاصة في تدبير أمرها بما يناسب مكانتها، فالطبقة العليا في حاجة إلى رأفة بالملك، والوسطى ترغب في إنصافه، أما الطبقة السفلى ففيها الخوف، ففيه تنظيم أحوالها، وبذلك تكون بنية المجتمع في الخطاب السلطاني هرمية يقع الملك في قمتها، وتتسع القاعدة بالتدرّج لتستوعب خاصة الخاصة من المحارم والأعوان، ثم الخاصة الفاعلة في مستويات التدبير المتنوّعة، ثم العامة وهم قاعدة المجتمع العريضة وموقعهم أسفل الهرم، وهم قاعدة الانتاج المادي.
أما المبدأ الثاني فيقوم على ميتافيزيقا الشر، إذ يعمد هذا الخطاب إلى تأصيل الشر في الانسان وهذا يقتضي دور السلطة في الحد منه عن طريق تأسيس الملك، وذلك من أجل عمارة الدنيا وحراسة الدين، وهذا يقتضي بدوره أيضاً ويستدعي صياغة مبادئ ملازمة للحد من هذا الشر، مبادئ تقنية وعملية، تقوم على الحزم كآلية سياسية، وعلى الحذر كمظهر لمبدأ المحافظة على السلطة، فلا ثقة في الرعية، التي تحتل هذا الخطاب منزلة لا تحسد عليها عندما تصبح معدناً لكل شر وسبباً لكل بلاء.
أما المبدأ الثالث فيقوم على ثنائية الملك والدين أو التشريع للاستبداد المطلق، حيث تتم مرادفة الدين بالملك بالأساس والأس ووظيفة الحراسة، إضافة إلى الاستعارة البيولوجية القرابية، ممثلة في كونهما توأماً، كذلك مسألة الهدم والضياع والعماد، إذ يتحوّل الملك إلى حارس للدين.
لا بد من الكشف عن المفاهيم والمواقف وآليات الاستنباط المتبعة في إنتاج الخطاب السلطاني، حيث نلحظ هناك مبادئ ثلاثة تقبع وتتمركز خلف بنية هذه الآداب، تكشف عن نفسها في قلب الخطاب في المفاهيم والكلمات والصور التي يتم ترتيب القول بواسطتها، وذلك بغية الوصول إلى الغاية التي يطمح هذا الخطاب دائماً إلى تحقيقها وتختصر في تمجيد الأبهة الملكية والسؤدد الملكي.
تتكوّن الصور إذاً من مشهد الملك الذي هو "البهاء والعزة والأبهة" وهي لذلك لا تفكر في ميثاق السلطة ولا تشترط له القواعد والقوانين، فالملك مكانة وموقع، إنه صورة قائمة ترعى الحدود، وتمنع الفتنة، وبذلك تتم المماثلة بين الملك والإله، فالملك كله الإله واهب المراتب ومحددها، وهي الحاصلة بأمره، ووظائفها تدور في فلكه، وتستجيب لنظام الترتيب القائم انطلاقاً من إرادته وإشارته وأمره وتدبيره.
وتبدأ الصور بالأسماء التي تحتكر كل الصفات الفضلى كالعز والنصر والولاء والاعانة والفخر... إذ لا تشير إلى أسماء فقط، بل تعكس حالات ومواقف، إنها تشكل رسالة، وتحدد توجهاً معيناً في موضوع الوظيفة الملكية، أما المشهد الآخر فعندما يتحوّل الملك إلى امتياز إلهي فهو كالغيث والشمس والقمر، فلولا الملوك لأكل الناس بعضهم بعضاً كما عبّر الثعالبي، أما الطرطوشي فيخصص باباً كاملاً للحديث عن حكمة كون السلطان في الأرض، إن استعراض المشاهد والصور في الخطاب السلطاني يسمح لنا بالحديث على أن هذا الخطاب يحصر مشاهده في التفكير بالصور والتفكر من خلالها، وهذا ما يستحضر آلية الانعكاس، حيث تروم الصور إلى إيصال رسائل متتالية تبرز درجة الامتياز القصوى التي يحتلها الملك في سلم البشرية.
الحارس
وتستكمل الصور مشهديتها مع تحقيق المماثلة بين الملك والإله، فالملك هو الحارس الأكبر للدين، بل إنه حافظ الدين وحامي البيضة ومقيم الحدود ومحصّن الثغور كما عبر الماوردي، وترمي هذه المماثلة إلى رسم صورة مكبرة للنموذج الالهي وإسقاطها على الملك، وذلك كما يحفظها الخيال الشعبي ويرعاها، وهي صورة تضيف إلى قداستها المفترضة والمقدرة صوراً لا حصر لها، تحمل مختلف التناقضات في كمالاتها القصوى، فالملك يجمع عندئذ بين الصفح والعقاب، والعدل والطغيان، والموت والحياة، وكذلك فهو العادل والجبار والواحد القهار... إلى غير ذلك من الصور التي تهدف من ورائها إلى إخضاع الرعية وإقناعها بوجوب الطاعة بوصفها قيمة خلقية مثلى على الرعية الامتثال لها، وهذا ما جعل مفهوم الطاعة يشكل المبدأ السياسي الملازم للسلطة في تاريخ الاسلام كما تشهد على ذلك نصوص الآداب السلطانية، التي تؤكد باستمرار على الاعلاء من شأن الطاعة ولزومها، وذلك من أجل المحافظة على المراتب المجتمعية والقواعد السياسية السلطانية، وهكذا تصبح الطاعة في هذا الخطاب معقل السلامة وتمثل أرفع منازل السعادة وهي الطريقة المثلى والعروة الوثقى، وهي العاصمة من كل فتنة، والأداة المناسبة لاستمرار السلطة حارسة للدين في الدنيا، ومدبرة لشؤون العامة بما يضمن الاستقرار والأمن.
أما البحث في محدودية الآداب السلطانية في النظر والتاريخ، فيهدف إلى الوقوف على بعض إشكاليات استمرار اللغة السياسية التقليدية في الخطاب السياسي المعاصر، فعند النظر إلى موقع الدين في الدولة السلطانية نلاحظ أن السياسي الذي يستند في شرعيته إلى الدين، يواجه الذين يخاصمونه دينياً، وذلك باستعمال الدين لحساب السيادة السياسية، لأنه يعي جيّداً أن المرجعية الدينية هي قاعدة القواعد في المجتمع في مستوى التربية الخلقية والدينية، كالتربية التي تعنى بالشأن الفردي الذاتي، أما السياسة، وهي شأن عام، فإن محافظتها على قوتها واستمرارها تدفعها إلى استعمال الدين لتبرير مشروعها في القيادة الدنيوية، وذلك بنشر قيم الطاعة والانقياد، مما يمكن اعتباره في النهاية أن الدين في الدولة السلطانية يعتبر جزءاً من المشروع السياسي السلطاني.
وفي محاولة للإجابة عن أسباب عوائق تطوّر الثقافة السياسية السلطانية في الاسلام، فلا بد من البحث في سقف التدبير السلطاني انطلاقاً من أن التدبير السياسي في الآداب لم يستطع التخلص من هيمنة السند والمرجعية الأخلاقية، ممثلة في استحضار المفهوم والعبرة والموعظة، بل انه لم يتخلص من الأخلاق أيضاً بحكم أن المقاربة الغائبة في النصوص توسلت بواسطة المنزع النصحي والنصائحي، بناء رؤية سياسية في موضوع الممارسة السياسية التدبيرية، وهذا ما منع الخطاب السياسي السلطاني من التطوّر وجعله يراوح في مكانه حيث النصح والأرشاد والموعظة الأخلاقية.
ولكن ما السبيل إلى تجاوز الثقافة السياسية السلطانية، هنا يجيب الباحث بضرورة صياغة أسئلة الحداثة السياسية من جديد في فضاء الثقافة السياسية العربية المعاصرة، وذلك لن يتم بمجرد استعادة نموذج الحداثة السياسية الغربية كما هو، فهناك استحالة تامة في إمكانية حصول تحوّل في النظر يكتفي بالنسخ، ولكن ذلك لن يمنعنا من أن نستفيد بلا شك من أجوبة الآخرين وتجاربهم وهذا ما يعني ضرورة المواجهة المركبة لتاريخنا وتاريخ غيرنا، من تجمعنا بهم علاقات متعددة لا يمكن تجاوزها بسهولة، وربما لا يمكن تجاوزها تماماً إلا باستيعابها.

الكتاب: في تشريح الاستبداد، قراءة في نظام الآداب السلطانية
المؤلف: كمال عبد اللطيف
الناشر: دار الطليعة، بيروت

 

رضوان جودت زيادة - المستقبل - الثلاثاء 7 تشرين الأول 2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri