مركز
بومبيدو يستضيف جان كوكتو في معرض استعادي ضخم:

قراءة
شاملة لأعماله ودوره في ضوء الميول الفنية الحديثة
لا
يزال اسم جان كوكتو يرن بشكل مألوف داخل المحيط الثقافي الفرنسي.
ليس فقط للشعور الذي يتملكنا بأنه معاصر لنا، مع العلم أن أربعين
عاماً تفصلنا عن وفاته، وإنما أيضاً لأن ما يربطه بالحركة الرمزية
على مستوى تعبيراته الفنية المختلفة يتزاوج بشكل متناقض مع عدد
من الميول الفنية الحالية. ومع ذلك ـ ومهما بدا هذا القول غير
معقول ـ لم يلق هذا المبدع الكبير أبداً احتفاء يوازي تنوّع
أعماله الفنية والأدبية وصخب حياته. فعلى الرغم من شعبية اسمه،
يتبيّن اليوم إهمال المؤسسات الثقافية به منذ وفاته، وكأنه بذلك
يسدد ثمن الاحتفاء المفرط به حين كان لا يزال حياً، مع العلم
أن هذه الشهرة حجبت في الواقع الجزء الأكثر جرأة من عمله الخلاق.
من هنا أهمية هذه التظاهرة الفنية الكبيرة في مركز بومبيدو التي
تمنح شخصية كوكتو الفنية كامل أبعادها من خلال عرضها لتسعمائة
قطعة فنية تتألف من 335 رسماً و300 صورة فوتوغرافية لكوكتو و22
لوحة لفنانين كبار احتفوا به ونحو خمسين مخطوطاً وعشرات المنحوتات
ونخبة من أفلامه، مثل "دماء شاعر" و"أورفيوس" و"وصية أورفيوس"
و"الجميلة والوحش"... إلخ.
وتبدو أعمال كوكتو المتعددة، في المعرض بدون أي غموض، على مستوى
صورته الشعبية التي حجبت شخصية مجددة وأحياناً راديكالية. ويظهر
من خلالها مقاربته لجميع الميادين الفنية: الرسم، النحت، السيراميك،
السينما، المسرح، الموسيقى والرقص إلى جانب الشعر والرواية والنقد
طبعاً. وبذلك كان نقيض مرسيل دوشان، معاصره. ففي الفترة التي
سيقرر دوشان فيها العمل خارج أي ميدان محدد، سيبدأ كوكتو "الاحتكاك
بكل شيء". كما أن افتتان هذا الأخير بالأضداد غير المحلولة،
ليجعل منه محدثاً وكلاسيكياً، ثورياً و"رجعياً" في آن واحد.
ففي الوقت الذي سيشجع فيه موسيقى الجاز والسينما والتجريد التشكيلي،
سيكتب أيضاً "الانحراف الكبير" و"استرعاء للنظام".
أما عالم كوكتو الذي يظهره العرض فيبدو مسكوناً بكثافة: صداقاته
الفنية الطويلة (بيكاسو) أو العابرة (راديغي)، عداواته اللدودة
(بروتون، أندره جيد)، رفاق دربه (جان مار، أديت بياف وكوكو شانيل)،
حُماته (أنا دو نواي)، جميع الذين رسموه أو صوّروه (كيسلنغ،
بيكاسو، موديغلياني، ديلوناي، مان راي، وارهول... إلخ)، الأشخاص
الذين تبعوه أو جمعهم أو شجعهم (فرقة الستة فرنسوا تروفو، إريك
ساتي)، الفنانون الذين تأثر بهم (دو كيريكو، سترافينسكي)...
إلخ. ويشكل هذا الفيض من الشخصيات والميادين التي تتقاطع وتتأثر
في ما بينها، أحد محركات المعرض الرئيسية.
وباختيار كوكتو، يحاول القيّمون على هذا المعرض إبراز جانب آخر
من فن قرن العشرين الذي طبعته بشكل خاص مينيمالية تميّز بها
معظم الطليعيين، والنزعات التجريدية والبيانات النظرية التي
ادعت تحديد انتاج الأشكال، وطهرية شجعها الالتزام الإيديولوجي.
إذ يحتل كوكتو بالتحديد موقعاً فنياً يتناقض مع هذه السمات التي
تميّز الفن الحديث. فهو يحب ما هو خارق أو سحري ويدافع عنه ويصوّره،
كما أنه لا يخشى الغنائية أو بعض السقطات الرومانسية أو الرمزية
بل يدافع عن عودة إلى القديم ويمدح فضائل السرنمة الشعرية مقابل
الصحو الايديولوجي المزعوم، لكنه يحيد عن التحليل النفسي ويهزأ
بهندسة أشكال الحداثة المعممة عبر اعتمادها بشكل كاريكاتورالي.
وبعكس الاكتفاء الذاتي الذي يتبع أحياناً راديكالية الطليعيين
يلعب كوكتو بفرح دور الوسيط القادر على تمييز ما هو متين ويمكن
استيعابه داخل منظر الطليعيين الشامل، والقادر دائماً على إيصال
التأثيرات التي استقبلها بنفسه إلى الآخرين، بكرم وعبقرية، مما
يمنحه مقام "أستاذ في الحداثة".
وبشكل غير متوقع، يلاقي الفنان اليوم حالية أعيد تنشيطها. إذ
عرف الفن التشكيلي المعاصر خلال العقدين الأخيرين إسهاماً منعشاً
من قبل فني الموسيقى والسينما. وفي هذا السياق، سنفاجأ لدى تحديدنا
حجم تأثير أعمال كوكتو على القرن العشرين. وإذا كانت هذه الأعمال
لا تزال تقاوم بقوة الأهواء والأذواق المتتابعة فلأن كوكتو كان
عن حق رجل سينما وموسيقى في الوقت ذاته. وإذا كان كوكتو الكاتب
لا يزال معروفاً وكوكتو الرسام شهيراً فذلك يعود إلى السرعة
الفريدة التي تحرّك كتابته وإلى التحوّلات غير المحدودة لخطه.
وما السرعة والتحوّل سوى السمتين اللتين تميّزا فني الموسيقى
والسينما. كما أن كوكتو يبقى أحد أول الفنانين في القرن العشرين
الذي ساهم عامل الزمن في عملية خلقة وفرادته. فما وراء ألعابه
الرمزية ونزعة التعاقب بين الموت والانبعاث لديه، سيدرك "عاشق
أورفيوس" باكراً أن مادة عصره الفنية التي لم تستخدم بعد لعدم
بلوغها هي الزمن. فمحاولاته للتلاعب في تمثيل طول الزمن (La
Duree) ولتخفيف أوهام المرايا ولإحياء ونسخ الأجساد المرغوبة،
تجسد مسبقاً عصرنا: تحققه على شكل صور وتعرّضه للمشاهدة.
وطوال حياته، اختبر كوكتو كل شيء تقريباً: الاغراءات المدنية،
وهم "الحرب الجميلة"، تهوّره مع الاحتلال الألماني، جفاء الفنانين
السرياليين وحبهم السري له، الشتيمة لفوضويته والاعتراف الأكاديمي
به، نفاد بصيرته في ما يتعلق بنفسه أو "بالجحيم الاصطناعي"،
المخدرات)... ويقارب المعرض هذه "الانحرافات الكبيرة" مفضلاً
الفضاءات المفتوحة والمناظر العميقة بهدف انصاف تعددية اختصاصات
كوكتو.
وتنفتح الصالة الأولى من المعرض على أيقونة مستورة من الفن الحديث
هي كناية عن رأس صنعه الفنان من الأداة التي تستخدم لإفراغ حشوة
القليون يمكن ملاحظته في بعض صور مان راي وفي فيلم "دماء شاعر".
ويبدو الرأس فارغاً وهشاً ومتألقاً وغير أخلاقي. ولا عجب في
ذلك طالما أن الأداة المستخدمة تذكّرنا بغلايين الأفيون التي
تضيع الرأس أو تفرغه أو تملأه بالنسيان. كما نجد في هذه الصالة
ثلاثين بورتريهاً ذاتياً رسمها كوكتو للإفلات من مأساة فقدانه
لرفيقه وعشيقه إدمون راديغي. ومن خلال هذه الرسوم، سيسبر الفنان
بشكل استحواذي سر وجهه في المرآة. وتشهد هذه التغييرات (Variations)
الرسمية والشعرية على قدرة نظرته التحويلية.
في الصالة الثانية من المعرض نشاهد كوكتو الاستعراضي بين عامي
1910 و1930. وهو نشاط لن يٌغفر له فيما بعد. ومع ذلك، نجده آنذاك
ضرورياً في كل مكان: يتشرب، يعكس، يشهد، يحيي، يثير، يرشد، بدون
أن يهمل عمله الابداعي. وسيولع في تلك الفترة ببيكاسو ويدهش
دياغيلف وينتقد سترافينسكي ويشجع ساتي. ومن صدمة عروض الباليه
الروسية إلى التفكيك التكعيبي ـ المستقبلي في عمله Parade، يبدو
كوكتو وكأنه لا يستجيب إلا لأمر واحد: أن يكون حديثاً. أما كتابته
الحية ونصه النابض بالحياة فيترجمان فكراً في حركة دائمة، وهذه
الحركة ستدوم طوال حياته.
في الصالة الثالثة من المعرض نلاحظ كيف كان كوكتو، غير المحبوب
من الجميع، أفقاً لا يمكن إهماله لكثير من معاصريه. ونستنتج
على الرغم من كرهه لنفسه ولشكله، بأنه إحدى أكثر الشخصيات التي
رسمت أو صوّرت خلال القرن الماضي من قبل كبار الفنانين. لكن
هذه البورتريهات الكثيرة التي نشاهد عدداً منها في المعرض ستجعله
بشكل متناقض أكثر فأكثر شفافاً إلى حد الاختفاء. كما نمر في
هذه الصالة على ميادين وفنون أخرى "صغيرة" استخدمها الفنان ببراعة
مثل الأزياء والموزيك هول والسيرك والأغنية الشعبية، فنجده يؤدي
دور الطبّال في مسرحيته "ثور على السقف"، ويكتب أغاني مريان
أورفالد وسوزي سوليدور، ويخرج المهرّجين فراتليني ويسرنم ويرقص
بلا كلل في الأماكن المشبوهة.
وتقارب الصالة الرابعة معضلة كوكتو المستحيلة: أن يكون في كل
مكان، أن يراقب كل شيء وكل شخص، أن يتدخل في كل شيء، لكن أن
يعيش مقنّعاً يحمي أصالة أسراره واستيهاماته ويتقدم متنكراً.
وسيغذي هاجس الاختفاء لديه جزءاً مهماً ورائعاً من ابتكاراته
الرسامية، كسلسلة البورتريهات الذاتية المعدومة الوجه التي تتبع
ذوق العصر نظراً إلى أسلوبها التكعيبي البارع، والمقنع الذي
هو محي آخر للوجه، والذي ستمنح انحرافاته وأشكاله المختلفة حججاً
جديدة لكوكتو للعب بالكلمات والصور والأشياء. ويستدعي القناع
القديم الأسطورة: نفسيات بلا نفس، شخصيات بلا وجوه، تحركها قوى
خفية تتخطاها مثل أنتيغون المقنّعة أو أوديب المفقوء العينين
أو أورفيوس صاحب العيون الملوّنة. كما سيقوم كوكتو بمجازفة أخيرة
في هذا السياق من خلال ابتكاره لحوار يكون أحد المحاورين فيه
خفياً، غائباً جسدياً أو ذهنياً، مثل "الصوت البشري"، (Le Bel
Indifferent) اللذين هما حوارين مع الغيب.
وتتطرّق الصالة الخامسة من المعرض إلى محاولات هروب كوكتو الكثيرة.
سجين نفسه وسجين نظرة الآخرين إليه، سيلقي الفنان على عصره نظرة
متشائمة. ألم يبتكر هذا العصر عبارة "الهروب" فيما الوسيلة الوحيدة
للإفلات من الذات هي في ترك هذه الأخيرة عرضة للاجتياح؟ باكراً
سيمنحه النوم ملجأ كما سيخلف لديه رؤى من الطراز السريالي تسبق
رؤى سلفادور دالي وبونويل المجسّدة في فيلم "العصر الذهبي".
وكذلك الأمر بالنسبة إلى الصداقة والحب اللذين سيؤمنا لكوكتو
هروباً سعيداً. لكن إلى متى؟ فالموت سيحصد أصدقاءه وأحبابه بالتتابع
مخلفاً جروحاً لا تلتئم، بل تتقاطع مع جروح من نوع آخر خلفها
النقد الجارح وموقف الجمهور والمجموعة السريالية منه. من هنا
كان تعاطيه للأفيون الذي يجعلنا نعيش الحياة كتلك "السقطة الأفقية"
المصوّرة في فيلمي "دماء شاعر" و"أورفيوس" عبر تدرجات بهلوانية،
هوائية، رغم طابعها الجهنمي.
وتسلّط الصالة السادسة الضوء على أسطورة أورفيوس التي ستواكب
كوكتو طوال حياته إلى حد المماثلة (Identification). فبعد "دماء
شاعر"، سينجح فيلم "أورفيوس" من جديد في بلوغ حصيلة لجميع مواضيع
الفنان المفضلة: المرايا، البورتريه المجهول، الواقعية كشرط
للحلم ولكن خاصة حركة الالتفات إلى الخلف التي تميّز هذا العمل
الفني بكامله. فإذا كانت هذه الحركة مشؤومة بالنسبة إلى أوديس
في الأسطورة، إلا أنها البنية الأساسية لفكر كوكتو ومحرّك مفارق
يجعل من العودة إلى الوراء شرطاً للتطوّر والتشجّر. والالتفات
إلى الخلف بالنسبة إلى الشاعر هو سفر داخل الزمن واعتقاد بمنظور
زمني. ومن "الانحراف الكبير" إلى "البورتريهات ـ الذكريات"،
لن يتوقف كوكتو عن سرد حياته وإعادة تنظيمها بشكل استعادي، كما
في رواية "حياة هنري برولار" وفيلمي "الجميلة والوحش" و"الأطفال
الرهيبون".
أما الصالة الأخيرة من المعرض، فقد كرّست لرسم كوكتو الخطوطي
الفريد. وتجدر الاشارة أولاً إلى أنه الشاعر والروائي الوحيد
الذي زيّن نصوصه بدون تردد. وإذا كان اللون منبوذاً لديه، فإن
كل شيء في رسمه يجلبنا إلى خطه الدقيق، أو خيطه الوجودي. ويترك
تصوير مشاهد Oedipus Rex وتصميم رقصة "الشاب والموت" والخط المتحرّك
في مقدمة أفلامه، صورة رجل ملتبس مع هذا الخط. ولن يتردد كوكتو
في دمج الأشياء والصور التي كان يعثر عليها لإعطاء حجم لخطه.
ويمكن تقريب هذه القصائد "المادية" التي وصفت بالشعر التشكيلي،
من بعض أعمال بيكابيا وبيكاسو وشفيتر وماكس أرنست. وان استعار
الفنان من معاصريه بعض الأفكار أو التقنيات، فإن الكثير من معاصرينا
تبعوا ابتكاراته.
حذرنا كوكتو بقوله في إحدى المرات: "سأبقى معكم". وبالفعل يبدو
تأثيره جلياً في أفلام العديد من المخرجين السينمائيين وخاصة
جان لوك غودار وبيدرو ألمودوفار. وفي أعمال عدد كبير من الرسامين
مثل دافيد هوكني أو مرقس رايتس. لكن إذا كان كوكتو حاضراً بقوة
بيننا اليوم فلأنه قطعياً خفي.
أنطوان
جوكي - المستقبل - الاثنين 13 تشرين الأول 2003