ألفريد
نوبل..

تعلم
الشعر وتخصص في صناعة القتل!!
يعتبر
اسم ألفريد نوبل أحد أشهر الأسماء في العالم، كما تُعَدُّ الجائزة
المعروفة باسمه من أقدم الجوائز العالمية وأكثرها شهرة وأكبرها
قيمة؛ سواء من حيث قيمتها المادية، أو من حيث قيمتها الأدبية
والمعنوية..
وُلد ألفريد نوبل يوم
21 من أكتوبر عام 1833 في مدينة "أستوكهولم" عاصمة السويد، وكان
أبوه "عمانوئيل نوبل" مهندسًا مدنيًّا مختصًا بإنشاء الطرق والكباري،
كما كان مبتكرًا ومخترعًا، خاصة فيما يمس طرق تدمير الصخور.
وعلى
العكس من مسار الأحداث بعد ذلك كان ألفريد مصدر تعاسة لأسرته،
فقد أفلس الأب في نفس العام الذي وُلد فيه ابنه ألفريد، كما
التهمت النار مسكن العائلة؛ وهو ما دفع الأب إلى السفر وحده
إلى فنلندا عام 1837م بحثًا عن فرصة أفضل للحياة، ثم ارتحل سريعًا
إلى "بطرسبرج" عاصمة روسيا القيصرية القريبة جغرافيًّا من أستوكهولم،
وأنشأ في مدينة بطرسبرج ورشة ميكانيكية، وما لبث أن عقد صفقات
مع الجيش الروسي فتحسنت أحواله المادية وأرسل لعائلته عام 1842م
لتلحق به في بطرسبرج.
وكان
نجاح عمانوئيل الأساسي يتمثل في اختراع الألغام البحرية المستخدمة
في الحروب، والتي استخدمها الجيش الروسي في إقامة شبكة من الألغام
البحرية في مياه بحر البلطيق وحول مدينة بطرسبرج، وهو ما وفَّر
الحماية للمدينة من البحر أثناء حرب القرم (عام 1853- 1856)
بين روسيا من جهة وفرنسا وبريطانيا من جهة أخرى، ولم تستطع السفن
الحربية البريطانية اختراق شبكة الألغام أو الاقتراب من المدينة.
وتقديرًا لمجهوداته واختراعه حصل عمانوئيل على وسام الإمبراطور
الذهبي من قيصر روسيا.
مع
والده على طريق الديناميت
والد
العالم ألفريد نوبل بعد
نجاح عمانوئيل نوبل في حياته العملية في مدينة بطرسبرج، وتكوينه
لثروة كبيرة من اختراعه للألغام البحرية، أراد أن يعوِّض أولاده
الأربعة: روبرت، ولودفيح، وإميل، وألفريد عن سنوات الضنك السابقة
فأتاح لهم مستوى رفيعًا من التعليم الخاص؛ حيث وفَّر لهم مدرسين
قاموا بتعليمهم علوم الطبيعة والكيمياء واللغات والآداب، وبلغ
نبوغ ألفريد حدًّا مذهلاً، فلم يكد يتم السابعة عشرة من عمره
حتى أتقن خمس لغات، وهي: السويدية، والروسية، والفرنسية، والإنجليزية،
والألمانية.
واتجه
اهتمام ألفريد إلى الأدب، خاصة الأدب الإنجليزي، وتأليف الشعر،
غير أن أباه لم يكن راضيًا عن اهتمام ابنه بالآداب ومحاولات
تأليفه الشعر، وكان يريد إلحاقه بمشاريعه في الهندسة المدنية،
فأرسله للخارج في سلسلة رحلات لعدة دول؛ ليواصل تعليمه في علم
الكيمياء، فزار ألفريد السويد وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
وفي
باريس وجد ألفريد نفسه منخرطًا في الكيمياء فالتحق بمعمل البروفيسور
بيلوز، وتوجه اهتمامه نحو نفس اهتمامات والده في التفجير والديناميت؛
حيث زامل عالمًا شابًّا من علماء الكيمياء له نفس اهتماماته،
وهو الإيطالي "أسانوي سوبر يرو" الذي توصَّل إلى تحضير سائل
النيتروجليسرين شديد الانفجار.
وفي
الولايات المتحدة التقى بالمخترع السويدي الأصل الأمريكي الجنسية
"جوذا أريكسون".. وكان لهذه اللقاءات أثرها في أن يقتنع ألفريد
بوجهة نظر أبيه في العمل في مجالي الطبيعة والكيمياء وتطبيقاتها
في مجال المفرقعات.
وفي
غضون عام 1862م، ومع انتهاء حرب القرم وتوقف صفقات الجيش الروسي،
تدهورت الأحوال المادية لعمانوئيل نوبل، فقرر العودة للسويد
والإقامة في مدينة أستوكهولم هو وولداه إميل وألفريد، في حين
بقي روبرت ولودفيح في بطرسبرج.
وبالعودة
لمدينة أستوكهولم حمل ألفريد في أمتعته مذكراته عن سائل النيتروجليسرين،
وقام هو ووالده ببناء مصنع بالقرب من المدينة لتصنيع هذه المادة
شديدة الانفجار، وقام بتصنيع نحو 140 كيلو جرامًا من هذه المادة،
ولكن المصنع انفجر عام 1864م، وتسبب الانفجار في مقتل الأخ الأصغر
لألفريد (إميل)، وأربعة من الكيميائيين والعمال.
وقد
ترك هذا الحادث جرحًا عميقًا في نفسه، وفكر ألفريد فصار همه
الأول هو كيف يستأنس هذه المادة شديدة الانفجار ويُخضعها لرغبات
الإنسان وإرادته، ونجح بالفعل عام 1866 في اختراع الديناميت،
وحصل على براءة اختراعه فتهافتت على شرائه شركات البناء والمناجم
والقوات المسلحة، وانتشر استخدام الديناميت في جميع أنحاء العالم،
وقام ألفريد بإنشاء عشرات المصانع والمعامل في عشرين دولة، وجنى
من وراء ذلك ثروة كبيرة جدًّا حتى أصبح من أغنى أغنياء العالم،
وأُطلِقَ عليه "ملك المفرقعات في العالم".
ألفريد..
جانٍ أم مجني عليه؟
هاجمت
الصحافة ألفريد في أوروبا وحملت عليه بشدة، وأطلق عليه بعض الصحفيين
لقب "صانع الموت"؛ لأنه صنع شهرته وثروته من صناعة المفرقعات
التي استخدمت في الحروب على نطاق واسع.
وواجه
ألفريد هذه الحملات بأن رسم لنفسه صورة ذهنية معاكسة تمامًا
للسائد عنه، فقد صور أنه كان يحلم دائمًا أن يرى نهاية للحروب،
وأن يعم السلام بين الأمم، وزعم أنه كان يرى في الديناميت أملاً
في رخاء وسعادة البشرية(!!) من خلال استخدام الديناميت في حفر
المناجم واستخراج الخيرات والثروات الطبيعية من باطن الأرض،
إلى جانب حفر الأنفاق وشق القنوات وشق الطرق لتسهيل التجارة
والاتصالات بين البشر.
وفي
إطار حملته هذه تعلل بأن الشر الكامن في النفس البشرية هو الذي
أدى لاستخدام الديناميت كوسيلة مدمرة من وسائل الحروب.
واستمر
هذا الاتجاه يؤكد أن ألفريد نوبل قد حزن لذلك حزنًا شديدًا،
وقرر في أواخر حياته أن يهب بعض ثروته لكل من يُسهم في إسعاد
ورخاء البشرية.
ورغم
انتشار هذا التفسير ونجاح أصحابه في جعله قاعدة ومُسلَّمة، فإن
ذلك لا يمنعنا من التساؤل حول بدايات ألفريد وتوجهه الدائم نحو
التخصص في المفرقعات، وكذلك كمُّ المصانع التي أنشأها هو ووالده،
والتي تخصصت في عقد صفقات مع الجيوش في المقام الأول، واكتسابهم
القوة والشهرة من خلال استمرار هذه الحروب، بل وانتشارها. ولا
يمنع هذا الأمر من أن يكون قد ندم بعد ذلك، ولكن هل ينفع الندم
بعد أن خرج مارد الموت من القمقم؟ وهل تكفي الدولارات لإقناعه
بالعودة؟
الوصية..
الجائزة
مات
ألفريد نوبل يوم العاشر من ديسمبر سنة 1896م في مدينة "سان ريمو"
الإيطالية وحيدًا، لا يجد حوله إلا خدمه؛ حيث إنه لم يتزوج،
وقد خلّف وراءه ثروة طائلة قُدِّرت بحوالي 30 مليون كورونا سويدية،
تقدر بنحو 150 مليون دولار.
ولم
يوجه نوبل كل ثروته للجائزة كما يُشاع، ولكن وصيته تضمنت مبالغ
معقولة لأقاربه وأصدقائه. أما الجانب الأكبر من ثروته فقد أوصى
باستثمارها في مشروعات ربحية، ويتم من ريعها منح خمس جوائز سنوية
لأكثر مَنْ أفاد البشرية في خمس مجالات حددها: في مجال الكيمياء،
والفيزياء، والطب أو الفيسيولوجيا، والأدب، والسلام العالمي.
وأوصى
بأن تقوم الأكاديمية السويدية للعلوم باختيار الفائز في مجال
الكيمياء والفيزياء (الطبيعة)، وأن يقوم معهد كارولينسكا بأستوكهولم
باختيار الفائز في مجال الطب والفسيولوجيا، ويقوم البرلمان النرويجي
بانتخاب خمسة أشخاص ليختاروا الفائز بجائزة السلام العالمي،
وقد أوصى نوبل برغبته في أن يكون الاختيار للجوائز نزيهًا، وأن
تُمنَح الجوائز لمن هو أكثر استحقاقًا بها بغض النظر عن جنسية
المرشح؛ سواء كان سويديًا أو لم يكن..
وقد
حدث خلاف وجدل سياسي ومجتمعي وقانوني حول تفسير نصوص وصية ألفريد
نوبل، واستمر هذا الجدل لمدة خمس سنوات، فقد أرادت الحكومة السويدية
الضغط على لجنة نوبل المخول لها تنفيذ الوصية لتُغيِّر الوصية
وقصرها على السويديين فقط، ولكن اللجنة قررت أن تنفذ الوصية
بالحرف دون أي تغيير.
الجائزة
ومراسم الاحتفال بها
بدأ
تقديم جوائز نوبل لأول مرة عام 1901م في يوم ذكرى وفاة ألفريد
نوبل العاشر من ديسمبر، وحسب الوصية التي تركها. وحفل تسليم
الجوائز يقام في صالة الاحتفالات الموسيقية أستوكهولم، والصالة
تتسع لألف وثلاثمائة ضيف، والضيوف هم عائلات الحاصلين على الجائزة
وأفراد العائلة المالكة السويدية والسياسيون والدبلوماسيون وممثلو
الحكومة السويدية وأعضاء البرلمان.
ويتم
توزيع الجوائز في السويد، ويُشْرِف ملك السويد بنفسه على تسليمها
لأصحابها، وذلك في جوائز نوبل في الكيمياء والطبيعة والأدب والطب.
أما جائزة السلام فيتم تسليمها في قاعة مجلس مدينة أوسلو بالنرويج
وفقًا لبنود الوصية.
وجائزة
نوبل عبارة عن مبلغ مالي كبير تضاعفت قيمته من ثلاثين ألف دولار
في السنوات الأولى للجائزة، ووصلت إلى 700 ألف دولار في أوائل
التسعينيات من القرن العشرين، في حين بلغت قيمة الجائزة المادية
حاليًا نحو مليون دولار، ويقوم الفائز؛ سواء كان شخصًا فرديًّا
(أي فردًا واحدًا) أو مجموعة أفراد، باستلام قيمة الجائزة من
خلال شيك بقيمة الجائزة، ويُمنح معه ميدالية ذهبية مرسوم عليها
صورة ألفريد نوبل، وشهادة تقدير.
وقد
أضيفت جائزة سادسة في الاقتصاد عام 1969م، يقوم البنك المركزي
السويدي بمنحها، ويسدد قيمتها بنفسه بمناسبة مرور 300 عام على
تأسيس وإنشاء البنك، وتحظى عملية تسليم جائزة نوبل في الاقتصاد
لصاحبها بمراسم الاحتفال والتكريم التي يحظى بها مَنْ ينال جوائز
نوبل في الكيمياء والطب والطبيعة والأدب.
ومنذ
بداية توزيع الجائزة عام 1901 وحتى عام 2001، أي طوال مدة قرن
من الزمان، لم يفز بالجائزة مرتين سوى أربعة علماء هم:
1-
العالمة الفرنسية "ماري كوري"، أو مدام كوري عام "1903" في الفيزياء،
مقاسمة مع زوجها "بيير كوري"، وعام 1911 في الكيمياء منفردة.
2-
عالم الكيمياء الأمريكي "ليناس باولنج" في عامي 1954، 1962.
3-
عالم الفيزياء الأمريكي "جون باردين" في عامي 1956، 1972.
4-
عالم الكيمياء الإنجليزي "فريدريك سانجر" في عامي 1958، 1980.
وخلال
مائة عام هي عمر جائزة نوبل من 1901 : 2001 فاز العرب بالجائزة
ثلاث مرات، وكانوا جميعًا مصريين.
المرة
الأولى في عام 1978م، حيث حصل الرئيس المصري الراحل "أنور السادات"
على جائزة نوبل للسلام مناصفة مع رئيس وزراء إسرائيل السابق
مناحيم بيجن(!!)، بعد التوصل إلى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية
في كامب ديفيد عام 1978م.
والمرة
الثانية في عام 1988م، عندما حصل الأديب المصري "نجيب محفوظ"
على جائزة نوبل للأدب عن مجمل أعماله الأدبية التي تُصوِّر واقع
الحارة المصرية في القاهرة في فترة ما قبل ثورة يوليو 1952 وما
بعدها.
أما
المرة الثالثة فكانت في عام 1999م عندما حصل العالم المصري الأصل
الأمريكي الجنسية د. "أحمد زويل" على جائزة نوبل في الكيمياء
بعد توصله لاختراع كاميرا أطلق عليها "الفيمتوثانية"، والتي
تقوم بتصوير عملية التفاعل الكيميائي في أكثر وحدة زمنية، وهي
جزء واحد على ألف مليون مليون من الثانية الواحدة.
المراجع:
(1)
راوية سالم: نوبل وجائزته- مجلة الشباب المصرية- عدد رقم (239)
يونية 1997.
(2)
كمال قبيس: هل تُلغى جائزة نوبل في الاقتصاد- مجلة المشاهد السياسي-
عدد (28-9-1997): ص 29.
(3)
د. ميلاد حنا: من جائزة نوبل إلى جائزة بوليفار- مجلة الشباب-
عدد رقم (257) ديسمبر 1998: ص 104.
(4)
د. علي خليفة: علماء أضاءوا ظلام البشرية- مجلة الشباب- عدد
(272) مارس 2000: ص 61.
(5)
صلاح منتصر: عباقرة غيّروا القرن العشرين- مجلة الشباب- عدد
(263) يونيه 1999.
(6)
نبيل زكي: جائزة نوبل لمن لا يستحق- جريدة الوفد المصرية- عدد
(15-10-2001): ص 14.
(7)
محمد سلماوي: جائزة نوبل في الآداب- جريدة الأهرام- عدد (15-10-2001).
(8)
سناء صليحة: هاجم الإسلام فحصل على جائزة نوبل في الآداب- جريدة
الأهرام- عدد (15-10-2001م).
أيمن
حمودة / باحث مصري - 03.11.2001
جائزة
نوبل
"للحماقة" العلمية!!

هل سمعت
عن جائزة لا يريدها أحد!! ولا يتمنى أحد من العلماء الحصول عليها؟!
إنها: "إيج نوبل" أو جائزة نوبل للجهلاء. لا تظن الأمر مزحة
أو طرفة، إنها جائزة موجودة بالفعل، ولها قيمة مادية، وتمنح
كلّ عام للأبحاث العلمية عديمة المضمون والفارغة من أدنى فائدة
تُرجى وللإنجازات غير المحتملة التي يجب منعها؛ والتي لا يجب
تكرارها أبدًا؛ لعدم جديتها ولعدم جدواها.
وتغطي
الجوائز عشرة مجالات مختلفة، ويتم منحها للفائزين في مراسم احتفالية
شبيهة بجائزة نوبل الأصلية، في قاعة احتفال مهيبة بمسرح "هارفرد
ساندرس"، ويشهد هذا الاحتفال العجيب حوالي 1200 مدعو، كما تتم
إذاعته على الهواء مباشرة على الإنترنت، بالإضافة لوسائل البث
الاعتيادية كالإذاعة والتلفاز. ويرأس لجنة الجوائز الدولية البروفسير
"أبراهامز" عالم الرياضيّات السابق عالم الكومبيوتر رئيس تحرير
مجلة "سجلات الأبحاث المستبعدة (غير المحتملة)" التي تمنح الجوائز
كل عام في نفس توقيت جائزة نوبل العالمية الأصلية، وتصدر عن
جامعة كامبردج البريطانية.
يتراوح
ترتيب البحوث الفائزة بالجوائز من الأسوأ إلى الأكثر سوءا وتقدم
الجوائز للأبحاث الفاشلة الخالية من الهدف الواضح وعديمة المعنى
والمفهوم، في معظم المجالات التي تغطيها جوائز نوبل الأصلية
كالجوائز العلمية التي تشمل علوم الأحياء، والاتّصالات، والطب،
كما تقدم جوائز في الأدب والاقتصاد والسلام.
وإليكم
بعض الأمثلة للجوائز التي حصل عليها بعض العلماء في مجالات الجائزة:
في علم
الأحياء: ذهبت الجائزة الأولى لبحث يدرس تأثير طعم اللّبان "العلكة"
على أمواج المخّ، وذهبت جائزة أخرى إلى عالمين نرويجيّين لدراسة
قدموها عن تأثير الثّوم والبيرة والقشدة الحامضة على شهيّة الديدان
الطّفيليّة.
وفي
الطب: ذهبت الجائزة الأولى لبحث يدرس تأثير صوت المصعد على الجهاز
المناعي للإنسان. وفي علم الأرصاد الجوية: منحت الجائزة الأولى
لبحث يدعو لاعتماد صوت الدجاج كمقياس لسرعة الإعصار!!.. كما
ذهبت إحدى الجوائز في الأدب إلى المحررين بمجلة "النصّ الاجتماعي"
لموافقتهم على نشر بحث بلا معنى؛ ولم يفهمه أحد، والذي ادعى
مؤلفه أن الواقع ليس موجودًا!! وظهر عنوان البحث بالشكل التالي
( الورق كان ينتهك الحدود: نحو تحول هيرمينيتاكيسي لخطورة الكم).
ومنحت
جوائز عام 2000 مساء الخميس، 5 أكتوبر، في احتفال كبير عقد بجامعة
هارفارد الإنجليزية الشهيرة، وتمت على هامش المناقشات التمهيدية
لتحديد الفائز بجوائز عام 2000 مناقشة الذّكاءِ العظمى، والتي
صمّمت لتحدد أذكى شخص في العالمِ. وشارك في هذه المسابقة عدد
من أهم العلماء، والسياسيين، والموسيقيين، مثل: "كورزويل راي"
مخترع الآلة التي تقرأ الكتب لفاقدي البصر، والمؤلف والفيلسوف،
و"بول بيرمان" أذكى طالب فى جامعة هارفارد، و"مايكل بوم" فيلسوف
وقنصل عامّ أسترالي، و"عثمان بكر" أذكى طالب فى جامعة إم آي
تي، ومجموعة أخرى منتقاة بطريقة عشوائية. وكانت المفاجأة أن
الفائز بهذه المباراة النقاشية بنت صغيرة بعمر 9 سنوات، بالرغم
من أنها شاركت في المسابقة فى اللّحظة الأخيرة!!. ومنحت جوائز
عام 2000 فى المجالات التالية: علم الكمبيوتر والاتصال: "كريس
نيسواندر أريزونا"؛ لاختراع برنامج PawSense الذي يكتشف متى
مشى القطّ على لوحة مفاتيح الكومبيوتر!
علم
الأحياء: ريتشارد واسيرسج من جامعة دالهويسى؛ لتقريره العمليّ
عن "الأتابيليتي النّسبيّ لبعض الفصول الجافّة على بعض الضفادع
من الكوستاريكا." [ نشر فى مجلة عالم الأحياء الدّاخليّ الأمريكيّ،
المجلّد 86 1971 يوليو 101-9]
علم
الفيزياء: "أندر جييم" من جامعة نيجميجين (هولندا) والسيّد "ميكال
بيري" من جامعة بريستول (المملكة المتّحدة) "استعمال مغناطيسات
ترفع الضّفدع ومصارع السومو في الهواء". [ مرجع: "من السّفر
ضفادع وليفيترونز" بم.ف. بيري وأ.ك. جييم صحيفة الفيزياء الأوربّيّة,
18, 1997, 307-13]
علم
الكيمياء: "دوناتيلا مارازيتي"، "أليساندرا روسي"، و "جيوفاني
ب. كاسانو" من جامعة بيسا، و "هاجوب س. أكيسكال" من جامعة كاليفورنيا
(سان ديجو) للاكتشاف التالي، "بيوكيمياء الحبّ الرّومانسيّ قد
تكون غير مختلفة عن التعب المتسلّط المفرط الشديد". [ مرجع:
"تغيير حاملة serotonin صفيحة الدّم في الحبّ الرّومانسيّ" مارازيتي
د, أكيسكال هس, روسي, بريطانيا العظمى كاسانو, سيكولوجيا الدواء,
1999, 29 ( 3 ) :741-5]
علم
النفس: "ديفيد دنينج" من جامعة كورنيل و "جوستان كريجر" من جامعة
إيلينوي؛ لتقريرهم المتواضع، "مبتدئ وغير مدرك منه: كيفية الصعوبات
في تعرّف شخص ما على كفاءته الخاصّة يقود إلى تقييمات النفس
المنفوخة." [ نشر بصحيفة "الشخصيّة وعلم النّفس الاجتماعيّ"
المجلّد 77,6,1999 ديسمبر, صفحة 21-34 ]
علم
الاقتصاد: "صن ماينج مون" ؛ لدراسة الفاعليّة والنّمو المنتظم
لصناعة الزواج الكمي.
علم
الدواء: "ويليبرورد"، و "ييجمار سكلتز"، و"أندل فان بيك"، و
"إديورد مويارت جرونينجين" هولندا، و "إيدا سابيليس" من أمستردام؛
لتقريرهم الطبي عن تصوير بالرّنين المغناطيسيّ للأعضاء التناسلية
أثناء الجماع والإثارة الجنسيّة" [ نُشر بالصحيفة الطّبّيّة
البريطانيّة، المجلّد 319 , 1999]
الأدب:
"كإلين جريف" من أستراليا، لكتابها "التّغذّي على الضوء" وتشرح
في ذلك الكتاب أن البشر يأكلون الطعام في أيّ وقت بالرّغم من
أنّ بعض الناس لا يحتاجون مثل هذا الطعام.
الرّعاية
الصحية: "جوناثان ويات" و "جوردن مكنوجهتون" و"ويليام تليت"
من جلاسجوو؛ لتقريرهم المفزع عن "انهيار المراحيض في جلاسجوو"
[ نشر في الصحيفة الطّبّيّة الإسكتلنديّة، المجلّد 38 , 1993]
معنى
الحماقة
قد يتساءل
القارئ: ما معنى مثل هذه الحماقات؟ وهل وصل مثل هؤلاء العلماء
المقدمين للجوائز والهيئات العلمية المشرفة على هذه الجائزة
والجهات الصناعية والتجارية الممولة لهذه الجوائز لحالة من العبث
والتفاهة والفراغ، أم أن لهم مغزى من هذه الجائزة ؟! .. يجيب
البروفسير "أبراهامز" على هذا التساؤل فيقول: إنّ "إيج نوبيل"
تمنح لعدة أسباب منها أن الكثير من الناس يعتقدون أنهم يجب أن
يتم تكريمهم لعمل شيء ما، ويحاولون لفت الأنظار بأبحاث تأخذ
شكلا علميًّا ولكنها بلا مضمون وبلا فائدة، بالرغم من حسن نواياهم
البحثية، وأكد أن هذه الجائزة طريقة مؤثّرة نوعًا ما لتلقن مثل
هؤلاء العلماء درسًا لن ينسوه، وتحثهم لتوخي الحذر في تخطيط
وتنفيذ وعرض أبحاثهم العلمية والبعد كل البعد عما هو غث ورديء.
وأضاف: أنها طريقة سرّيّة جدًّا لإغواء الناس بالتّفكير والتدبر
في دور وأهمية العلم.. وبالرّغم من أنّ الجوائز قد تبدو انتقاديّة،
فإن الجائزة لا تعرض تفاصيل النقد العلمي للأبحاث، بل تكتفي
بإعطاء الجوائز بدون تعليق، ويذكر المقال العلمي المنشور ومكان
نشرة فقط. ومن الممكن أن يرشّح العلماء أنفسهم للجوائز المرغوبة
أو بالأحرى يرشحون أحد أعدائهم. وقد يلتمس الكثير من العلماء
الفائزين بهذه الجوائز العذر للجنة الجوائز بعد مراجعة أنفسهم،
ورؤيتهم لأخطائهم الفادحة، بالرغم من سوء السّمعة العلمية التي
تلتصق بمعظم الفائزين بمثل هذه الجوائز التي لا يريدها أحد.
و أحمد الله على أن الأبحاث المنشورة فى الدوريات العربية العلمية
لا تصل الى القائمين على هذه الجائزة، لأننا سنحتكر معظم هذه
الجوائز، حيث آثر بعض المشتغلين بالعلم فى وطننا العربي الكبير
العمل في صمت في كثير من المواضيع التي لا تُغني ولا تُفيد،
لوجود بعض التقصير والتكاسل في اختيار نقاط البحث، ولوجود الكثير
من العقبات المادية وانعدام التمويل اللازم للقيام بأبحاث تطبيقية
ولعدم وجود الإمكانات العلمية والمعملية، ولحالة اليأس والإحباط
الناجمة من نظرة المجتمع وسخرية الكثير من وسائل الإعلام من
العلماء وأبحاثهم العلمية.
لمزيد
من التفاصيل عن هذه الجائزة انظر موقع الإنترنت التالي:
http://www.improbable.com/ig/ig-top.html
طارق يحيى
قابيل - 22.01.2001
روايات
"محفوظ" السياسية بين التلميح والتصريح
مع أن
هناك اختلافا في الدور بين الأديب وعالم السياسة أو ممارسها،
فإنه لا يمكن أن ننكر حق الأول في استخدام الوسائل والأساليب
التي يستعملها الثاني، حين يريد أن يوثق بعض الأحداث السياسية
الحقيقية في روايته، شريطة أن يتم عرض ذلك بوسيلة فنية. وهناك
العديد من الأدباء في العالم العربي وغيره قد تفاعلوا مع السياسة،
بدرجات متفاوتة، تراوحت بين مجرد الاكتفاء بمتابعة الشأن السياسي
والتعليق على الأحداث الجارية وبين الانضمام إلى تنظيم حزبي
أو خلية سرية، مرورا بأشكال عدة من التحايل في التعامل مع السلطة
السياسية.
وفي
هذا الإطار يبدو تعاطي نجيب محفوظ مع السياسية أمرا يستحق الانتباه؛
لأنه قدم نموذجا لكيفية استخدام الأدب في التعبير عن المواقف
السياسية، دون أن يسلك طريقا سياسيا بحتا كما فعل غيره من الأدباء،
وفي مقدمتهم يوسف إدريس. فمحفوظ أخلص للرواية، ووجد فيها الحامل
الرئيسي لأفكاره إزاء السلطة والمجتمع والأيديولوجيات، فأعطته
الرواية بقدر ما أعطاها.
الأدب..
المقاومة بالحيلة
أولاد
حارتنا رواية أثارت جدلا كبيرا
سئل
نجيب محفوظ ذات يوم: لماذا كان الإبداع الأدبي في فترة الستينيات
بمصر أكثر غزارة منه في فترة السبعينيات، مع أن هامش الحرية،
خلال الأخيرة، كان أكبر من الأولى، والأدب يحتاج إلى مناخ حر؟
فأجاب قائلا: "إن المبدعين في السبعينيات كانوا أحرارا في أن
يقولوا ما يشاءون في أحاديثهم ومقالاتهم؛ وهو ما جنى على الجانب
الإبداعي لديهم، حيث لم تكن أمامهم تحديات كتلك التي وجدت في
الستينيات، والتي قادت إلى إنجاز الأعمال الإبداعية، بما فيها
من رموز وإسقاطات للتعبير عما يريدونه".
إن هذا
القول يطرح مسألة العلاقة بين السلطة السياسية والأدب على بساط
البحث، وهو بقدر ما يدحض بعض المقولات السائدة بأن الإبداع الأدبي
يحتاج إلى قدر من الحرية السياسية، فهو يقدم الأدب بوصفه نوعا
من المقاومة بالحيلة للقهر الذي تمارسه هذه السلطة على الجماهير،
أو مجالا لتنفيس المثقف عما يكنه في ضميره تجاه السلطة، ولا
يستطيع أن يقوله بشكل مباشر، خوفا من المساءلة.
فاللجوء
إلى الرمز، وتغيير ملامح بعض الشخصيات، وإعطاؤها أسماء غير أسمائها،
وإضفاء بعض الخيال على الأحداث، أو العودة إلى وقائع تراثية
وإسقاطها على الحاضر في ثوب قصصي، أو صناعة بطل منقذ يقفز فوق
الواقع المتردي ويأخذ بيد الناس إلى مجتمع أفضل -يجعل المثقف
أكثر أمانا في مواجهة القوانين، التي تسنها السلطة للحد من حرية
التعبير.
وهذا
أمر ليس بجديد على الأدب، فهناك مخطوطة عربية مجهولة المؤلف
بالمكتبة الوطنية بباريس يرجح عودتها إلى القرن الثالث عشر الميلادي
تحمل عنوان "رقائق الحلل في دقائق الحيل"، لم يعتمد كاتبها في
نصحه للحكام على الأسلوب المباشر الذي اتبعه ميكافيللي، إنما
سلك درب الحكاية والقصة كوسيلة لتعليم الحكام فنون الإدارة والحكم،
وقسم حكاياته إلى حيل الملائكة والأنبياء وأدعياء النبوة والملوك
والسلاطين والوزراء والقضاة والفقهاء والعباد والزهاد، ليحذر
من خلالها الحكام من مغبة الظلم والاستبداد، ويبصرهم بالفوائد
العظيمة التي تترتب على حكمهم بالعدل.
لكن
ما تقدم لا يعني أن الأدب لا يمكن أن يكون إلا تحايلا فقط في
مواجهة السلطة، وفي الوقت ذاته لا يعني أن هناك ثمة علاقة طردية
بين القهر السياسي وخصوبة الإبداع الأدبي. فالأدب طالما كان
مواجهة مباشرة بين المثقف والسلطة.
وفيما
يتعلق بتأثير نمط السلطة على الأدب، لا يمكن أن نأخذ رأي نجيب
محفوظ، المشار إليه سلفا، على علاته، فبداية إذا كان هناك اتفاق
بين كثير من النقاد على وجود علاقة ضرورية بين البنية السياسية
لأي مجتمع وأدب هذا المجتمع، فإنهم مختلفون حول ما إذا كان توجه
النظام السياسي يؤثر على مضمون وشكل العمل الأدبي، أم على المضمون
فقط.
ويمتد
هذا الخلاف إلى ما إذا كان الأدب يزدهر مع التسلط، كما ذهب محفوظ،
أم لا. وبوجه عام فإن الأدب، بمختلف ألوانه، يلعب دورا سياسيا
مباشرا، أو غير مباشر في الحياة السياسية، ففضلا عن كونه قد
يكون أداة في يد السلطة لتشكيل وعي المجتمع بما يخدم مصالح طبقة
أو فئة معينة، أو على النقيض، قد يصبح أداة لمقاومة استبداد
السلطة بالحيلة تارة، وعنوة تارة أخرى.
أشجع
فنان وأجبن إنسان
كفاح
طيبة تعرضت لحكام مصر عبر القالب الروائي
وقد
وصف الناقد المعروف غالي شكري الموقف السياسي لنجيب محفوظ قياسا
على المقارنة بين آرائه التي قالها بعيدا عن الفن الروائي وتلك
التي ضمنها إبداعاته الأدبية الرائعة بقوله: "محفوظ أشجع فنان
وأجبن إنسان". فنجيب محفوظ لم ينتم طيلة حياته إلى أي تنظيم
سياسي، وكان حياده أقرب إلى الحيلة الفنية منه إلى الموقف السياسي.
وقد حدد محفوظ رؤيته السياسية على لسان أبطاله في العديد من
رواياته، وفي مقدمتها "الكرنك"، "ثرثرة فوق النيل"، "ميرامار"،
"اللص والكلاب"، "يوم قتل الزعيم"، "السمان والخريف". أي أنه
جعل رواياته ساحة لطرح أفكاره السياسية، ووصل في اعتماد هذا
النهج إلى درجة مرتفعة، بحيث يمكن القول إن رواياته قد تخلو
من أشياء كثيرة، لكنها لا تخلو قط من السياسة.
وتتلخص
هذه الرؤية، كما طرحها محفوظ على لسان خالد صفوان أحد أبطال
رواية "الكرنك"، في "أولا: الكفر بالاستبداد والدكتاتورية، ثانيا:
الكفر بالعنف الدموي، ثالثا: يجب أن يطرد التقدم معتمدا على
قيم الحرية والرأي واحترام الإنسان، فهي كفيلة بتحقيقه، رابعا:
العلم والمنهج العلمي هو ما يجب أن نتقبله من الحضارة الغربية
دون مناقشة أما ما عداه فلا نسلم به إلا من خلال مناقشة الواقع،
متحررين من أي قيد، قديم أو حديث". إلى جانب ذلك كان لقضية الانتماء
مكانة عالية في أدب محفوظ، لدرجة أنه تخصص فيها، أكثر من أي
أديب عربي آخر. وقد بدأت ملامح هذا الانتماء تتشكل في أدبه من
خلال انفعاله وهو طفل بثورة 1919 ضد الاستعمار الإنجليزي ثم
موقفه من حزب الوفد الذي كان يقود النضال الوطني آنذاك، في بعض
أعماله الروائية مثل "المرايا" و"حكايات حارتنا"، وكذلك إحدى
قصص مجموعته "صباح الورد".
"الكرنك"..
النقد المباشر
محفوظ..
تصريح بالإنساني وتلميح بالسياسي
على
عكس الرمزية التي غلف بها نجيب محفوظ انتقاده للعهد الناصري
في رواية "ثرثرة فوق النيل" جاءت رواية "الكرنك" لتنتقد هذا
العهد بشكل مباشر، فأبطالها إسماعيل الشيخ وزينب دياب وغيرهما،
هم شباب آمنوا بثورة يوليو، وكانوا يعتقدون أن العسكر على صواب
مطلق، لكنهم استيقظوا على واقع أليم، حين مروا بتجربة قاسية
بعد أن اتهمتم السلطة، ظلما، أنهم من "أعداء الثورة"، وحين قابلوا
رجلا يمثل الوجه الكريه للثورة وهو خالد صفوان، الذي أمر بانتهاك
عرض زينب، وجلد إسماعيل، وأجبرهما على أن يكونا عملاء للمباحث،
يتجسسان على رفاقهما، خاصة حلمي حمادة الشيوعي، رغم أنهما لم
يرتكبا شيئا مخالفا للقانون، فإسماعيل اعتقل لمجرد أنه تبرع
بقرش واحد لبناء مسجد تابع للإخوان المسلمين، وزينب قبض عليها
لأنها صديقته، وفي المرة الثانية اعتقلوهما بتهمة الانتماء إلى
تنظيم شيوعي، وحلمي حمادة مات تحت وطأة التعذيب. وتعرض الرواية
مواقف نماذج مختلفة من البشر الذين يترددون على مقهى الكرنك
من الثورة ومقارنتها بالعهد الذي سبقها، وتتطرق الرواية إلى
عملية انتقاد الذات التي جرت عقب هزيمة 67 وكان من نتائجها التخلص
من صفوان؛ ولذا انتهى به الحال إلى الكفر بالاستبداد، والإيمان
بالحرية. لكن محفوظ لم ينس أن يوضح - على لسان أبطاله - الجوانب
الحميدة للثورة، ومنها الاهتمام بالعدل الاجتماعي والتعليم.
لكن
محفوظ عاد ليحدد موقفه بشكل أكثر صراحة من مختلف حكام مصر، منذ
الملك مينا وحتى الرئيس السادات، في كتاب "أمام العرش"، وفيه
شرح مآثر وعيوب كل زعيم، من خلال محكمة رمزية تخيلها محفوظ،
ضمت كلا من إيزيس وأوزوريس وحورس، وركز الكتاب على زماننا المعاصر،
عاقدا مقارنة بين كل من سعد زغلول ومصطفى النحاس، وجمال عبد
الناصر وأنور السادات. واتخذ محفوظ خطوة أكثر إيضاحا في تحديد
موقفه من القضايا السياسية والاجتماعية التي فرضت نفسها على
المجتمع المصري والعربي، من خلال الزاوية الصغيرة التي كان يكتبها
في صحيفة الأهرام، والتي أتم جمعها في عدة كتب الكاتب فتحي العشري.
وقد تطرق محفوظ في هذه الزاوية الصحفية إلى قضايا ومفاهيم عامة
مثل التدين والتطرف والحرية والعدالة والتقدم والانتماء والهوية
والعلم والعمل... إلخ.
وحول
الانتماء والهوية، يقول محفوظ: "مصر 1919 آمنت بمصريتها، ومصر
1952 آمنت بالعروبة. الآن الإسلام السياسي يطرح العالم الإسلامي
كله كدائرة للانتماء، واجبنا أن نخلق من هذه الانتماءات الثلاثة
انتماء أكبر، يحافظ على مكوناتها الأصلية، ويربطها برابطة تكاملية،
تزيدها قوة وصلابة، بدلا من أن تهدر قواها في صراعات عمياء".
وفي موضع آخر يقول: "إن الدفاع عن الهوية لا لسبب إلا أنها هويتنا
باطل، كما أن التنكر للهوية لا لسبب إلا الانبهار بهوية حضارة
أخرى باطل أيضا.. علينا أن نواجه عصر القرية الكبيرة الواحدة
بكل شجاعة وثقة بالنفس". أما عن الحرية والعدالة فيرى محفوظ
أنهما قيمتان عظيمتان لا غنى للبشرية عنهما، ويؤكد أن "الحرية
وحقوق الإنسان لن تكون ضربة موجهة للعدالة، ولن تصادر الحرية
والكرامة باسم العدالة وباللجوء للقهر والاستبداد والإرهاب الرسمي"،
وينحاز محفوظ إلى الرأي الذي يؤكد أن الحرية ليست هبة ولا منحة،
لكنه في المقابل يشير إلى أنها لا تتحقق بالشتائم واتهام الأبرياء
وتوهم المكانة، إنما هي "ثمرة جهاد الأحرار، ولا تجيء نتيجة
لوجود المجتمع الحر، لكنها تخلقه من خلال جهاد مر، لم يكف، قديما
ولا حديثا، عن تقديم الشهداء والضحايا".
رأيه..
تعميق السلام!!
وكل
ما سبق لا يعني أن محفوظ قد خرج عن الخط العام الذي حدده لحياته
وهو الابتعاد عن السلطة، لا يطلب منها شيئا ولا يفعل ما يجعلها
تطلبه أو تلاحقه، فهو إن كان قد طرق باب السياسة في رواياته
فإنه قد ركز على العموميات، ونأى بنفسه عن السياسة اليومية أو
الصراع السياسي الوقتي بين هذا الحزب أو ذاك؛ ولذا لم يخض تجربة
السجن التي عاشها كثير من الأدباء المصريين، خلال ستينيات وسبعينيات
القرن العشرين. ويبقى أنَّ أوْْضحَ رأيٍ سياسي عبر عنه محفوظ
هو ذلك الذي أثار عليه خلال عام 1998 زوبعة من النقد الحاد،
ظل طيلة حياته حريصا على تجنبها، فقد هاجم بضراوة التجربة الناصرية،
واعتبر أن كثيرا من قرارات عبد الناصر المصيرية، والتي جلبت
له شعبية جارفة، كانت متسرعة، وقادت مصر إلى انتكاسات وعرضتها
للأخطار، ومنها مثلا تأميم قناة السويس، وحرب الاستنزاف. لكن
حتى هذا الرأي الصريح لم يبعد محفوظ كثيرا عن نهجه السابق في
عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع السلطة، إذ إنه وجه انتقاداته
لنظام قائد رحل عن دنيانا، ولم يعد بمقدوره أن يلاحقه أو يحاسبه
على قوله.
وجاهر
نجيب محفوظ بتأييده للخطوة التي أقدم عليها الرئيس المصري الراحل
أنور السادات بإبرام اتفاق سلام مع إسرائيل، ولم يحفل كثيرا
بالانتقادات التي وجهت إليه في هذا المقام، والتي وصلت إلى درجة
أن البعض ربط بين حصوله على جائزة نوبل وموقفه هذا، وهي مسألة
ظهر بطلانها، إلى حد كبير، بأسانيد ساقها الناقد والباحث التونسي
أحمد الجغام في كتاب صدر له مؤخرا، ذيله بوثائق حول حيثيات فوز
محفوظ بهذه الجائزة. لكن محفوظ -الذي ينظر إلى السلام في معناه
الفلسفي والسياسي والاجتماعي والديني العام حسبما تدل الحوارات
التي أجريت معه حول هذا الموضوع، وكيفما تذهب رؤيته المحكمة
التي تضمنتها رواياته العديدة- وجه انتقادات عديدة للسلوك العدواني
الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، منذ قيام الانتفاضة الأولى في
ديسمبر عام 1987 وحتى الوقت الراهن، ورأى فيما تفعله إسرائيل
"المعادل الموضوعي" لما يقدم عليه "الفتوات" في رواياته. ومع
ذلك بقي موقفه من السلام بوجه عام راسخا لا يتزحزح، فهو ينبذ
الحرب ولا يرى فيها حلا للصراع العربي الإسرائيلي، وإنما الحل
الناجع في نظره هو "تعميق السلام"، شريطة أن تتوافر فيه قيمتا
العدل والشمول، متطابقا في هذا مع وجهة النظر الرسمية العربية،
وهي مسألة جعلته دائما مسلحا بأمان نسبي، بما لا يجلب له متاعب
جمة على أيدي من يرون في الصراع مع إسرائيل "صراع وجود لا صراع
حدود".
اقرأ
أيضا: نجيب
محفوظ: الكيلاني منظّر الأدب الإسلامي القصة
في التراث العربي.
د.
عمار علي حسن - 29.12.2002
جائزة
نوبل وشيء
من العنصرية!
"أيمري
كيرتيش" الحائز على جائزة نوبل هذا العام
كل عام
ومع اقتراب شهر أكتوبر تتجدد التكهنات والتساؤلات حول الفائز
القادم بجائزة نوبل للآداب، وبعد إعلان النتيجة مباشرة تنطلق
الاتهامات التي تعززها مفآجات الأكاديمية السويدية ومعاييرها
الملتبسة في الاختيار. والحقيقة أن هذه الاتهامات لم تأتِ من
فراغ؛ فقد بات مؤكدًا في أوساط النخبة العربية أن جائزة نوبل
"مُسيَّسة"، وأن أعضاء الأكاديمية السويدية تحكمهم اعتبارات
وميول سياسية وعنصرية في الاختيار.
وسوابق
جائزة نوبل كثيرة في هذا المضمار، والأمثلة على ذلك عديدة..
فهناك الأديب الأمريكي "سينكلر لويس" الذي فاز بالجائزة؛ لمجرد
أنه يحمل الجنسية الأمريكية!! ولم يخجل سكرتير الأكاديمية السويدية
وقتئذ "إيرل كارل ملنر" أن يعلن على الملأ أن الأديب الأمريكي
يمثل بوضوح الاتجاهات الأمريكية فيما يخص وجهات نظره وآراءه،
كما أنه يمتلك قدرة عجيبة على ابتداع شخصيات مثالية!! أما الشاعر
الإنجليزي "كيلنخ" المعروف بميوله العنصرية وآرائه الشاذة، والقائل
بأن الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيَا أبدًا.. فقد حصل على الجائزة،
وكأنه يُكافَأ على عنصريته!
وقد
كشف الشاعر "شل أبسمارك" عضو الأكاديمية السويدية في كتابه الأخير
"الجائزة" عن وثائق التشاور السرية بين أعضاء جائرة نوبل، التي
تم رفع السرية عنها مؤخرا، وهى تفصح في مجملها عن تسْيِيس جائزة
نوبل، وميولها العنصرية؛ فقد ذكر أن المحكمين أهملوا الكاتب
الروسي الأشهر "ليو تولستوي" رغم أنه يحتل مكانًا راقيًا في
الأدب العالمي وروايته "أنا كارنينا" التي تتمتع بقيمة فنية
عالية، ويتخللها مفهوم أخلاقي عميق -حسب وصف أحد المحكمين-،
إلا أن نقده السلبي للكنيسة والدولة وآراءه الاجتماعية حالت
دون حصوله على الجائزة. أما الأديب النرويجي "هنيريك أبسن" فقد
تخطته اللجنة بدعوى أنه أحد أبناء الأمة الإسكندنافية، ثم عادت
نفس اللجنة، وأعلنت منح الجائزة بعد عام واحد فقط لـ"بهرلتسون"،
وهو أحد أبناء الأمة الإسكندنافية!!
كما
كشف "أبسمارك" أيضًا عن رفض الكاتب المصري "يوسف إدريس" صفقة
يتم بمقتضاها فوزه بنوبل، شريطة أن يتقاسم الجائزة مع كاتب إسرائيلي،
إلا أن إدريس قال: إنه لا يريد صورة جديدة من اتفاق "بيجن -
السادات"! وانتهى الأمر بعدم منحه الجائزة.
ويبدو
أن تسييس نوبل واختيارات الأكاديمية السويدية العنصرية لم تقتصر
على سنوات الحرب الباردة فقط؛ فقد منحت الأكاديمية السويدية
جائزة نوبل العام الماضي (2001) للكاتب الترانيدادي الأصل "في.أس.نايبول"
المعروف بعنصريته ومعاداته للإسلام وازدرائه للأديان، حتى أنه
وصف الحضارة الإسلامية بأنها حضارة استعمارية!! واتهم الإسلام
بأنه دين عنصري.
وكان
حصول نايبول على نوبل بمثابة خدمة تؤديها الأكاديمية السويدية
للنظام الأمريكي في غمرة الحرب التي كانت في بداياتها بين الولايات
المتحدة الأمريكية وحلفائها، وما تسميه "الإرهاب الإسلام". الأمر
الذي جعل كثيرين يشبهون الأكاديمية السويدية بأنها مثل محطة
"سى. إن. إن" (cnn) الإخبارية التي تروج الرؤية الأمريكية وتساندها،
وعادت الأكاديمية السويدية هذا العام، ومنحت الجائزة للمجري
اليهودي "أيمري كيرتيش"، وهو أحد الناجين من معسكرات الاعتقال
النازية "الهولوكست" التي سيق إليها مع أقرانه اليهود في سن
المراهقة؛ لتصبح بعد ذلك هي العنصر المسيطر على كل أعماله.
وكيرتيش
كأديب يكاد يكون مجهولا، حتى في الأوساط الثقافية المجرية، لكن
على ما يبدو كان للأكاديمية السويدية رأي آخر منحته جائزة نوبل
مكافأة له على "نتاجه الذي يروي تجربة الفرد الهشة في مواجهة
تعسف التاريخ"، ولم ينسَ كيرتيش بدوره أن يرد الجميل، فأعلن
في تصريحات خاصة لوكالة الأسوشيتدبرس الإخبارية "أنه كان مسرورًا
من مشاهدة الدبابات الإسرائيلية وهى تدخل رام الله، وأنه شعر
بسعادة بالغة؛ لأن نجمة داود كانت واضحة على الدبابات، وليست
خبيئة صدورنا مثلما كانت خلال الفترة النازية"، وعلى ما يبدو
لم يستطع كيرتيش أن يخفي عنصريته ذات المنحى الاستعلائي، فأطلق
تصريحاته العنصرية الشاذة، التي أكدت انحياز جائزة نوبل المفضوح
لكل من نايبول المعادي للإسلام، ثم كيرتيش الذي أتاحت له الأضواء
الإعلامية التي سلطتها عليه شهرة الجائزة وبريقها إعادة أسطوانة
الهولوكست المشكوك في أغلب أرقامها ومعطياتها على النحو الذي
أكده "روجيه جارودي" في كتابه المهم "الأساطير المؤسسة للسياسة
الإسرائيلية" إلى واجهة الأحداث.
والسؤال
الآن: إلى متى تستمر النزعات العنصرية في القيادة والتحكم؟!
وهل
نحن ما زلنا واثقين من ليبرالية الغرب وديمقراطيته؟
لا نريد
أجوبة مجانية بقدر ما نريد أسئلة أخرى في هذا الاتجاه. اقرأ
أيضًا:
ائزة
نوبل "للحماقة" العلمية!!
ألفريد
نوبل.. تعلم الشعر وتخصص في صناعة القتل!!
أيمن حمودة
/ باحث مصري -03.11.2001
العالم
ألفريد نوبل
يعتبر
اسم ألفريد نوبل أحد أشهر الأسماء في العالم، كما تُعَدُّ الجائزة
المعروفة باسمه من أقدم الجوائز العالمية وأكثرها شهرة وأكبرها
قيمة؛ سواء من حيث قيمتها المادية، أو من حيث قيمتها الأدبية
والمعنوية..
وُلد
ألفريد نوبل يوم 21 من أكتوبر عام 1833 في مدينة "أستوكهولم"
عاصمة السويد، وكان أبوه "عمانوئيل نوبل" مهندسًا مدنيًّا مختصًا
بإنشاء الطرق والكباري، كما كان مبتكرًا ومخترعًا، خاصة فيما
يمس طرق تدمير الصخور.
وعلى
العكس من مسار الأحداث بعد ذلك كان ألفريد مصدر تعاسة لأسرته،
فقد أفلس الأب في نفس العام الذي وُلد فيه ابنه ألفريد، كما
التهمت النار مسكن العائلة؛ وهو ما دفع الأب إلى السفر وحده
إلى فنلندا عام 1837م بحثًا عن فرصة أفضل للحياة، ثم ارتحل سريعًا
إلى "بطرسبرج" عاصمة روسيا القيصرية القريبة جغرافيًّا من أستوكهولم،
وأنشأ في مدينة بطرسبرج ورشة ميكانيكية، وما لبث أن عقد صفقات
مع الجيش الروسي فتحسنت أحواله المادية وأرسل لعائلته عام 1842م
لتلحق به في بطرسبرج.
وكان
نجاح عمانوئيل الأساسي يتمثل في اختراع الألغام البحرية المستخدمة
في الحروب، والتي استخدمها الجيش الروسي في إقامة شبكة من الألغام
البحرية في مياه بحر البلطيق وحول مدينة بطرسبرج، وهو ما وفَّر
الحماية للمدينة من البحر أثناء حرب القرم (عام 1853- 1856)
بين روسيا من جهة وفرنسا وبريطانيا من جهة أخرى، ولم تستطع السفن
الحربية البريطانية اختراق شبكة الألغام أو الاقتراب من المدينة.
وتقديرًا لمجهوداته واختراعه حصل عمانوئيل على وسام الإمبراطور
الذهبي من قيصر روسيا.
مع والده
على طريق الديناميت
والد
العالم ألفريد نوبل
بعد
نجاح عمانوئيل نوبل في حياته العملية في مدينة بطرسبرج، وتكوينه
لثروة كبيرة من اختراعه للألغام البحرية، أراد أن يعوِّض أولاده
الأربعة: روبرت، ولودفيح، وإميل، وألفريد عن سنوات الضنك السابقة
فأتاح لهم مستوى رفيعًا من التعليم الخاص؛ حيث وفَّر لهم مدرسين
قاموا بتعليمهم علوم الطبيعة والكيمياء واللغات والآداب، وبلغ
نبوغ ألفريد حدًّا مذهلاً، فلم يكد يتم السابعة عشرة من عمره
حتى أتقن خمس لغات، وهي: السويدية، والروسية، والفرنسية، والإنجليزية،
والألمانية.
واتجه
اهتمام ألفريد إلى الأدب، خاصة الأدب الإنجليزي، وتأليف الشعر،
غير أن أباه لم يكن راضيًا عن اهتمام ابنه بالآداب ومحاولات
تأليفه الشعر، وكان يريد إلحاقه بمشاريعه في الهندسة المدنية،
فأرسله للخارج في سلسلة رحلات لعدة دول؛ ليواصل تعليمه في علم
الكيمياء، فزار ألفريد السويد وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
وفي
باريس وجد ألفريد نفسه منخرطًا في الكيمياء فالتحق بمعمل البروفيسور
بيلوز، وتوجه اهتمامه نحو نفس اهتمامات والده في التفجير والديناميت؛
حيث زامل عالمًا شابًّا من علماء الكيمياء له نفس اهتماماته،
وهو الإيطالي "أسانوي سوبر يرو" الذي توصَّل إلى تحضير سائل
النيتروجليسرين شديد الانفجار.
وفي
الولايات المتحدة التقى بالمخترع السويدي الأصل الأمريكي الجنسية
"جوذا أريكسون".. وكان لهذه اللقاءات أثرها في أن يقتنع ألفريد
بوجهة نظر أبيه في العمل في مجالي الطبيعة والكيمياء وتطبيقاتها
في مجال المفرقعات.
وفي
غضون عام 1862م، ومع انتهاء حرب القرم وتوقف صفقات الجيش الروسي،
تدهورت الأحوال المادية لعمانوئيل نوبل، فقرر العودة للسويد
والإقامة في مدينة أستوكهولم هو وولداه إميل وألفريد، في حين
بقي روبرت ولودفيح في بطرسبرج.
وبالعودة
لمدينة أستوكهولم حمل ألفريد في أمتعته مذكراته عن سائل النيتروجليسرين،
وقام هو ووالده ببناء مصنع بالقرب من المدينة لتصنيع هذه المادة
شديدة الانفجار، وقام بتصنيع نحو 140 كيلو جرامًا من هذه المادة،
ولكن المصنع انفجر عام 1864م، وتسبب الانفجار في مقتل الأخ الأصغر
لألفريد (إميل)، وأربعة من الكيميائيين والعمال.
وقد
ترك هذا الحادث جرحًا عميقًا في نفسه، وفكر ألفريد فصار همه
الأول هو كيف يستأنس هذه المادة شديدة الانفجار ويُخضعها لرغبات
الإنسان وإرادته، ونجح بالفعل عام 1866 في اختراع الديناميت،
وحصل على براءة اختراعه فتهافتت على شرائه شركات البناء والمناجم
والقوات المسلحة، وانتشر استخدام الديناميت في جميع أنحاء العالم،
وقام ألفريد بإنشاء عشرات المصانع والمعامل في عشرين دولة، وجنى
من وراء ذلك ثروة كبيرة جدًّا حتى أصبح من أغنى أغنياء العالم،
وأُطلِقَ عليه "ملك المفرقعات في العالم".
ألفريد..
جانٍ أم مجني عليه؟
هاجمت
الصحافة ألفريد في أوروبا وحملت عليه بشدة، وأطلق عليه بعض الصحفيين
لقب "صانع الموت"؛ لأنه صنع شهرته وثروته من صناعة المفرقعات
التي استخدمت في الحروب على نطاق واسع.
وواجه
ألفريد هذه الحملات بأن رسم لنفسه صورة ذهنية معاكسة تمامًا
للسائد عنه، فقد صور أنه كان يحلم دائمًا أن يرى نهاية للحروب،
وأن يعم السلام بين الأمم، وزعم أنه كان يرى في الديناميت أملاً
في رخاء وسعادة البشرية(!!) من خلال استخدام الديناميت في حفر
المناجم واستخراج الخيرات والثروات الطبيعية من باطن الأرض،
إلى جانب حفر الأنفاق وشق القنوات وشق الطرق لتسهيل التجارة
والاتصالات بين البشر.
وفي
إطار حملته هذه تعلل بأن الشر الكامن في النفس البشرية هو الذي
أدى لاستخدام الديناميت كوسيلة مدمرة من وسائل الحروب.
واستمر
هذا الاتجاه يؤكد أن ألفريد نوبل قد حزن لذلك حزنًا شديدًا،
وقرر في أواخر حياته أن يهب بعض ثروته لكل من يُسهم في إسعاد
ورخاء البشرية.
ورغم
انتشار هذا التفسير ونجاح أصحابه في جعله قاعدة ومُسلَّمة، فإن
ذلك لا يمنعنا من التساؤل حول بدايات ألفريد وتوجهه الدائم نحو
التخصص في المفرقعات، وكذلك كمُّ المصانع التي أنشأها هو ووالده،
والتي تخصصت في عقد صفقات مع الجيوش في المقام الأول، واكتسابهم
القوة والشهرة من خلال استمرار هذه الحروب، بل وانتشارها. ولا
يمنع هذا الأمر من أن يكون قد ندم بعد ذلك، ولكن هل ينفع الندم
بعد أن خرج مارد الموت من القمقم؟ وهل تكفي الدولارات لإقناعه
بالعودة؟
الوصية..
الجائزة
مات
ألفريد نوبل يوم العاشر من ديسمبر سنة 1896م في مدينة "سان ريمو"
الإيطالية وحيدًا، لا يجد حوله إلا خدمه؛ حيث إنه لم يتزوج،
وقد خلّف وراءه ثروة طائلة قُدِّرت بحوالي 30 مليون كورونا سويدية،
تقدر بنحو 150 مليون دولار.
ولم
يوجه نوبل كل ثروته للجائزة كما يُشاع، ولكن وصيته تضمنت مبالغ
معقولة لأقاربه وأصدقائه. أما الجانب الأكبر من ثروته فقد أوصى
باستثمارها في مشروعات ربحية، ويتم من ريعها منح خمس جوائز سنوية
لأكثر مَنْ أفاد البشرية في خمس مجالات حددها: في مجال الكيمياء،
والفيزياء، والطب أو الفيسيولوجيا، والأدب، والسلام العالمي.
وأوصى
بأن تقوم الأكاديمية السويدية للعلوم باختيار الفائز في مجال
الكيمياء والفيزياء (الطبيعة)، وأن يقوم معهد كارولينسكا بأستوكهولم
باختيار الفائز في مجال الطب والفسيولوجيا، ويقوم البرلمان النرويجي
بانتخاب خمسة أشخاص ليختاروا الفائز بجائزة السلام العالمي،
وقد أوصى نوبل برغبته في أن يكون الاختيار للجوائز نزيهًا، وأن
تُمنَح الجوائز لمن هو أكثر استحقاقًا بها بغض النظر عن جنسية
المرشح؛ سواء كان سويديًا أو لم يكن..
وقد
حدث خلاف وجدل سياسي ومجتمعي وقانوني حول تفسير نصوص وصية ألفريد
نوبل، واستمر هذا الجدل لمدة خمس سنوات، فقد أرادت الحكومة السويدية
الضغط على لجنة نوبل المخول لها تنفيذ الوصية لتُغيِّر الوصية
وقصرها على السويديين فقط، ولكن اللجنة قررت أن تنفذ الوصية
بالحرف دون أي تغيير.
الجائزة
ومراسم الاحتفال بها
بدأ
تقديم جوائز نوبل لأول مرة عام 1901م في يوم ذكرى وفاة ألفريد
نوبل العاشر من ديسمبر، وحسب الوصية التي تركها. وحفل تسليم
الجوائز يقام في صالة الاحتفالات الموسيقية أستوكهولم، والصالة
تتسع لألف وثلاثمائة ضيف، والضيوف هم عائلات الحاصلين على الجائزة
وأفراد العائلة المالكة السويدية والسياسيون والدبلوماسيون وممثلو
الحكومة السويدية وأعضاء البرلمان.
ويتم
توزيع الجوائز في السويد، ويُشْرِف ملك السويد بنفسه على تسليمها
لأصحابها، وذلك في جوائز نوبل في الكيمياء والطبيعة والأدب والطب.
أما جائزة السلام فيتم تسليمها في قاعة مجلس مدينة أوسلو بالنرويج
وفقًا لبنود الوصية.
وجائزة
نوبل عبارة عن مبلغ مالي كبير تضاعفت قيمته من ثلاثين ألف دولار
في السنوات الأولى للجائزة، ووصلت إلى 700 ألف دولار في أوائل
التسعينيات من القرن العشرين، في حين بلغت قيمة الجائزة المادية
حاليًا نحو مليون دولار، ويقوم الفائز؛ سواء كان شخصًا فرديًّا
(أي فردًا واحدًا) أو مجموعة أفراد، باستلام قيمة الجائزة من
خلال شيك بقيمة الجائزة، ويُمنح معه ميدالية ذهبية مرسوم عليها
صورة ألفريد نوبل، وشهادة تقدير.
وقد
أضيفت جائزة سادسة في الاقتصاد عام 1969م، يقوم البنك المركزي
السويدي بمنحها، ويسدد قيمتها بنفسه بمناسبة مرور 300 عام على
تأسيس وإنشاء البنك، وتحظى عملية تسليم جائزة نوبل في الاقتصاد
لصاحبها بمراسم الاحتفال والتكريم التي يحظى بها مَنْ ينال جوائز
نوبل في الكيمياء والطب والطبيعة والأدب.
ومنذ
بداية توزيع الجائزة عام 1901 وحتى عام 2001، أي طوال مدة قرن
من الزمان، لم يفز بالجائزة مرتين سوى أربعة علماء هم:
1- العالمة
الفرنسية "ماري كوري"، أو مدام كوري عام "1903" في الفيزياء،
مقاسمة مع زوجها "بيير كوري"، وعام 1911 في الكيمياء منفردة.
2- عالم
الكيمياء الأمريكي "ليناس باولنج" في عامي 1954، 1962.
3- عالم
الفيزياء الأمريكي "جون باردين" في عامي 1956، 1972.
4- عالم
الكيمياء الإنجليزي "فريدريك سانجر" في عامي 1958، 1980.
وخلال
مائة عام هي عمر جائزة نوبل من 1901 : 2001 فاز العرب بالجائزة
ثلاث مرات، وكانوا جميعًا مصريين.
المرة
الأولى في عام 1978م، حيث حصل الرئيس المصري الراحل "أنور السادات"
على جائزة نوبل للسلام مناصفة مع رئيس وزراء إسرائيل السابق
مناحيم بيجن(!!)، بعد التوصل إلى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية
في كامب ديفيد عام 1978م.
والمرة
الثانية في عام 1988م، عندما حصل الأديب المصري "نجيب محفوظ"
على جائزة نوبل للأدب عن مجمل أعماله الأدبية التي تُصوِّر واقع
الحارة المصرية في القاهرة في فترة ما قبل ثورة يوليو 1952 وما
بعدها.
أما
المرة الثالثة فكانت في عام 1999م عندما حصل العالم المصري الأصل
الأمريكي الجنسية د. "أحمد زويل" على جائزة نوبل في الكيمياء
بعد توصله لاختراع كاميرا أطلق عليها "الفيمتوثانية"، والتي
تقوم بتصوير عملية التفاعل الكيميائي في أكثر وحدة زمنية، وهي
جزء واحد على ألف مليون مليون من الثانية الواحدة.
المراجع:
(1)
راوية سالم: نوبل وجائزته- مجلة الشباب المصرية- عدد رقم (239)
يونية 1997.
(2)
كمال قبيس: هل تُلغى جائزة نوبل في الاقتصاد- مجلة المشاهد السياسي-
عدد (28-9-1997): ص 29.
(3)
د. ميلاد حنا: من جائزة نوبل إلى جائزة بوليفار- مجلة الشباب-
عدد رقم (257) ديسمبر 1998: ص 104.
(4)
د. علي خليفة: علماء أضاءوا ظلام البشرية- مجلة الشباب- عدد
(272) مارس 2000: ص 61.
(5)
صلاح منتصر: عباقرة غيّروا القرن العشرين- مجلة الشباب- عدد
(263) يونيه 1999.
(6)
نبيل زكي: جائزة نوبل لمن لا يستحق- جريدة الوفد المصرية- عدد
(15-10-2001): ص 14.
(7)
محمد سلماوي: جائزة نوبل في الآداب- جريدة الأهرام- عدد (15-10-2001).
(8)
سناء صليحة: هاجم الإسلام فحصل على جائزة نوبل في الآداب- جريدة
الأهرام- عدد (15-10-2001م
أمين
معلوف.. أديب عربي يقرؤه العالم بالفرنسية!
سعيد
حبيب
/ باحث وروائي مصري
- 28.10.2002
أمين
معلوف
في منتصف
التسعينيات كتبت الصحف الفرنسية تقول: إن الأدب الفرنسي كان
في طريقه للموت لولا اثنان: "فرنسوا ميتران" و"أمين معلوف"!
ورغم أن المبالغة واضحة فإن المقولة تكشف عن قيمة أدب أمين معلوف
أحد أهم وأشهر الكتاب الفرانكفونيين، هذا هو الاسم الذي تطلقه
الأوساط الأدبية والثقافية الفرنسية على مجموعة الكتاب ذوي الأصول
العربية الذين يكتبون بالفرنسية. ومن هؤلاء المغربي "الطاهر
بن جلون" والجزائريان "محمد ديب" و"مالك حداد" والموريتاني "محمد
عبيد هوندو" والمصريون "أندريه شديد" و"ألبير قصير" و"أحمد راسم"
و"جورج حنين".
من الصحافة
إلى الأدب
ولد
أمين معلوف في بيروت عام 1949، ودرس الاقتصاد والعلوم الاجتماعية
بمدرسة الآداب العليا بالجامعة اليسوعية في بيروت، وامتهن الصحافة
بعد تخرجه فعمل في الملحق الاقتصادي لجريدة "النهار" البيروتية
الشهيرة التي تعتبر من أهم الصحف اللبنانية. عمل أيضا إلى جانب
عمله كمحرر اقتصادي محررا للشئون الدولية بالجريدة، وهو ما أتاح
له الاطلاع على الكثير من التطورات السياسية والدبلوماسية في
العالم خاصة أن "غسان تويني" صاحب الجريدة ورئيس تحريرها كان
من أهم رجال الدولة في لبنان في فترة الستينيات وأوائل السبعينيات
إبان حكم الرئيسين "شارل حلو" و"سليمان فرنجية".
وفي
عام 1976 ومع بداية الحرب الأهلية اللبنانية ترك معلوف لبنان
وانتقل إلى فرنسا حيث عمل في مجلة "إيكونوميا" الاقتصادية، واستمر
في عمله الصحفي فرأس تحرير مجلة "إفريقيا الشابة" أو"جين أفريك"،
وكذلك استمر في العمل مع جريدة "النهار" اللبنانية وفي ربيبتها
المسماة "النهار العربي والدولي".
ومنذ
الثمانينيات تفرغ للأدب وأصدر أول رواياته "الحروب الصليبية
كما رآها العرب" عام 1983 عن دار النشر "لاتيس" التي صارت دار
النشر المتخصصة في أعماله. ترجمت أعماله إلى لغات عديدة ونال
عدة جوائز أدبية فرنسية منها جائزة الصداقة الفرنسية العربية
عام 1986 عن روايته "ليون الإفريقي"، ورشح لجائزة "الجونكور"
أكبر الجوائز الأدبية الفرنسية. ومن أهم أعماله بالإضافة لما
ذكرنا "سمرقند" و"القرن الأول بعد بياتريس" و"حدائق النور" و"موانئ
المشرق" "وصخرة طانيوس".
لا يكفي
أن نقول: إن أمين معلوف روائي كبير، أو أن نقول: إنه مرشح لنيل
جائزة نوبل أو غير ذلك، فكل هذا مجرد أوصاف لا تضيف شيئا للرجل
أو لأدبه، ما نريده حقا هو تحليل السمات العامة المميزة لأدب
معلوف سواء أكانت تلك السمات تمثل أسلوبه في السرد، أو الخصائص
الروائية المضمونية في هذا الأدب.
التسامح
أول
سمات أدب معلوف والتي تمثل خاصية واضحة في كل أعماله وخيطا رابطا
بين هذه الأعمال هي التسامح.
التسامح
الذي هو علاقة إيجابية بين الأنا بكل دوائرها والآخر بكل ألوان
طيفه، وهذه السمة جزء من تكوين معلوف ذاته المسيحي العربي اللبناني،
التسامح هنا صفة شخصية ولكنه يتحول إلى سمة أدبية في أعماله
المختلفة، ففي أول أعماله: "الحروب الصليبية كما يراها العرب"
يتحدث معلوف إلى المجتمعات الأوربية مناقشا المفاهيم الأساسية
للحضارة ذاتها، فالحروب الصليبية في الذهنية الأوربية تعني فعلا
إيجابيا، ولعلنا نتذكر كيف استخدم "بوش" هذا المفهوم في كلامه
عن حملة أفغانستان وكيف أثار هذا الاستخدام ثائرة العرب والمسلمين،
وربما كان ما يريده معلوف تحديدا هو تجنب مثل هذا الاستخدام
وكأنه يقول للغرب: في الوقت الذي تتكلمون فيه عن إلغاء المركزية
الأوربية لا بد من إعادة النظر في المفاهيم التي تعتبرونها بديهية
وإعادة النظر هي بداية الطريق للتسامح.
يقدم
معلوف في روايته تلك الرؤية العربية للحروب الصليبية، ويوضح
بأسلوب بسيط وسلس كيف أن العرب لا يرونها حروبا دينية من أجل
الصليب وإنما حملات استعمارية، مشددا على المجازر التي ارتكبتها
تلك الحملات في حق جميع الأديان بما فيها المسيحية.
وفي
رواية "ليون الإفريقي" يحكي لنا قصة الرحالة والعالم والدبلوماسي
"الحسن بن محمد الوزان" النبيل الأندلسي الذي عاش الأعوام الأخيرة
للمسلمين في الأندلس ثم هاجر مع أسرته إلى المغرب وقام برحلات
إلى شمال إفريقيا ومصر ثم اختطفه القراصنة الإيطاليون وعاش في
البلاط البابوي حيث تغير اسمه إلى "ليون دي مويتشي" وتزوج فتاة
متنصرة من يهود الأندلس وأنجب منها ابنه "يوسف" أو "جوزيف" أو
"جيوسبي" الذي يروي لنا قصة حياته. و"ليون" عند معلوف ليس عربيا
مسلما متنصرا ثم عائدا إلى دينه الذي أقام عليه طوال فترة أَسره
ولكنه شخصية أسطورية مثالية حالمة، شخصية تحلم بعالم فاضل بلا
حرب تتدفق فيه المعرفة ويتبادل فيه البشر الخبرات، إنه تجسيد
للتسامح.
في "سمرقند"
يقص علينا معلوف قصة "عمر الخيام" الشاعر العالم الأديب الفقيه،
وعلاقته بالسلطة (ممثلة في نظام الملك) والمعارضة (ممثلة في
الحسن بن الصباح)، الخيام مثل ليون الإفريقي، كان يصوره معلوف
شخصية لا زمانية، متجردة تبحث عن عالم مثالي، ولا تحاول الاقتراب
من الواقع المؤلم ولكنها تصنع لنفسها واقعها الخاص من خلال المراصد
والبحث في عالم الفلك الرحيب، إنه -مرة أخرى- التسامح الفردي
الإنساني الذي يتطلع إلى تسامح كوني.
في "حدائق
النور" يتكلم معلوف عن "ماني"، هذا الفارس الحالم بالمساواة
بين البشر والطامح إلى عالم خال من الحقد والحرب والبغضاء، عالم
يدعو إلى نبذ السلطة بكل أشكالها والانغماس في عالم الفن، الرسام
الذي يكتب بريشته لوحات تدعو إلى الحب ويدعو أتباعه إلى التسامح
بآلات الموسيقى بدلا من الحرب، يحاول التوفيق بين الإمبراطورية
الساسانية الفارسية والإمبراطورية الرومانية فيكون مصيره الموت
في النهاية.
وفي
"موانئ الشرق" يقدم البطل "عصيان كتبدار" المسلم العثماني ذو
الجد الأرميني الذي ولد في تركيا وترعرع في لبنان ودرس بفرنسا،
إنه المواطن العالمي الذي يجسد فكرة التسامح في أجمل وأكمل معانيها
فيكون مصيره الجنون ومستشفى الأمراض العقلية الذي لا يخرج منه
إلا مع الحرب في سخرية مرة ومؤلمة.
وفي
"القرن الأول بعد بياترس" يحكي لنا قصة عالِم الحشرات الذي يقع
في غرام الصحفية ويواجهان معا نوعا من التعقيم الإجباري للشعوب؛
إنه الدواء العجيب الذي يتيح للمرأة إنجاب الذكور فقط، التسامح
هنا ليس التسامح بين الشعوب ولكنه التسامح داخل النوع البشري،
التسامح مع الذات عن طريق رفض أي أعراف أو تقاليد إذا كانت مدمرة
للجنس البشري. المرأة رمز الخصوبة والنماء في مواجهة الرجل رمز
الحرب والقوة. ومرة أخرى يطرح معلوف سؤالا: هل الحقد هو البنية
الأساسية للجنس البشري؟
ويبدو
التسامح عند معلوف مثل السعادة عند "ميترلنك" طائرا خرافيا،
نظن أننا أمسكناه بين أصابعنا فلا يلبث أن يفر ضاحكا أو نكشف
عن زيفه. هل العيب في طريقنا أم أن العيب فينا؟ هذا هو تساؤل
معلوف المتكرر والذي يظل حائرا بلا إجابة يلح على الكاتب فيطرحه
على القارئ دائما وأبدا.
ثنائية
الشرق والغرب
السمة
الثانية هي تلك العلاقة المراوغة بين الشرق والغرب، هل سيظل
"الشرق شرقا والغرب غربا ولا يتلقيان" كما قال "كبلينج" الشاعر
الإنجليزي الشهير.
معلوف
يحاول ردم هذا البرزخ وإقامة جسر حقيقي للتواصل بين الحضارات،
إنه يرى العالم من خلال الأفراد وليس من خلال الكليات الفكرية.
في "الحروب
الصليبية" يكلمنا ويكلم الغرب بالأساس عن رموز المسلمين وسلوكياتهم،
عن ابن منقذ الطبيب والشاعر والفقيه وعالم اللغة، وعن معين الدين
أنر السياسي والدبلوماسي، وعن صلاح الدين القائد السياسي والمحارب
والمفاوض والعالم.. إنه يقول لهم: لقد أقام الأجداد علاقات رغم
الأحقاد فلماذا لا نفعل مثلهم؟
وفي
"ليون الإفريقي" يحكي لنا عبر شخصيات مختلفة كيف يمكن لفرد أن
يتنقل بين عالمين مختلفين تماما في الظاهر، ولكنه يظل هو ذاته
بكل خصائصه يلعب نفس الدور المسالم الحالم في إطار الدسائس والحروب
والمؤامرات والقتل والاغتصاب والاستباحة؛ استباحة القاهرة على
أيدي جنود سليم خان المسلمين، واستباحة روما المسيحية على أيدي
المرتزقة الألمان المسيحيين، وفي الحالتين يتأمل الحسن بن محمد
الواقع من خلال موقع المشاهد الخارجي وينتهي به الحال إلى الخروج
والهرب. الفرار من الواقع إلى العلم والكتب هو سبيل اللقاء بين
هذين العالمين المختلفين المتشابهين.
هنا
يعيد معلوف في روايته التاريخية النظر في فكرة العولمة ويطرحها
من خلال رؤية عالم بلا حدود به مواطن عالمي لا يتقيد ببلد ولا
يستقر في وطن: "الخيّام" العالم الرحالة أو سميه الأمريكي "عمر"
الذي ينتقل من أمريكا لفرنسا لتركيا لإيران بحثا عن المخطوط
الحلم والحب الأسطورة.
"ليون"
الرحالة العالم الذي تأخذه الأقدار من الأندلس للمغرب لإفريقيا
يتاجر ويحمل رسائل الملوك ثم مصر ثم إيطاليا، لا يستقر به المقام
إلا عند الموت.
"عصيان"
المولود في إستانبول وأبوه الذي يريد له أن يكون ثوريا متمردا
وأخوه المهرب الوزير وزوجته "كلارا" اليهودية الشيوعية الألمانية
الفرنسية، شخصيات رحالة غير مستقرة ترفض الواقع المادي وتطلب
المستحيل ولكنها عبر هذا الطلب تعيش وتترك لنا ثروة من الخبرات
والتجارب الصغيرة والكبيرة ولا تكف عن الحلم. إنه المواطن العالمي
غير المتكيف ولكن الباقي والمستمر الذي يحمل أملا بلا حدود في
غد أفضل ربما لا يأتي أبدا.
عادي
ومألوف.. ومتمرد أيضا!
شخصيات
معلوف كلها قد تبدو شخصيات خارقة للعادة ولكنها عند التدقيق
شخصيات عادية جدا؛ عمر الخيام يأكل ويحب ويبحث وينظم الشعر ويكتب
الكتب ويصادق الفقهاء والأمراء والوزراء والعصاة ويحلم أبدا
بعالم مثالي ويرفض كل سلطة ولكنه يعتمد على تلك السلطة كي يعيش،
عصيان المجنون الذي يحتمل أن يكون جنونه وراثيا، الذي يذهب لفرنسا
لدراسة الطب متمردا على رغبة والده في أن يكون قائدا ثوريا فلا
يستطيع إلا أن يحقق تلك الرغبة بانخراطه في المقاومة الشعبية
في النازي ليحقق في عصيانه رغبة والده.
"ماني"
المتمرد على أوامر الأسينيين أصحاب الملابس البيضاء الذكوريين
التطهريين، الذي يدعو للحب والفن ويحاول تحقيق حلمه عبر السلطة
فيكون مصيره الموت على يد تلك السلطة ذاتها.
إنها
شخصيات عادية مألوفة ولكنها من زاوية أخري خارقة وغير مألوفة
ومتمردة تماما يتحقق تمردها عبر حياتها العادية التي تدهشنا
كما تدهش الراوي، وما إن ندقق النظر فيها حتى نجد أنها كانت
تحيا مثلنا.
مزيج
من الأدب والتاريخ
هذا
كله يطرحه معلوف على قارئه من خلال عدة سمات أسلوبية مميزة؛
أولها هو البحث التاريخي الدقيق. كل رواية من روايات معلوف تتضمن
العديد من المعلومات الموثقة من مصادر أولية وأساسية، ففي الحروب
الصليبية يعتمد معلوف على المؤرخين العرب المسلمين في عصر الحروب
الصليبية كمصدر أساسي للمعلومات، ويضمن كتابه فقرات كبيرة من
كتابات المؤرخين، في "سمرقند" يعتمد على الترجمات العديدة لرباعيات
الخيام وعلى ترجمة حياته وعلى كتابات المؤرخين في عصره، بل ويقدم
معلومات جديدة فيغير -مثلا- المعنى المتواتر لفرقة الحسن بن
الصباح الحشاشين، تلك الفرقة الباطنية المجهولة في التراث الإسلامي
والتي تتناثر حولها الأقاويل والأساطير الغامضة، فهو يخبرنا
أن اسم Assassin الإنجليزي أو الإفرنجي بشكل عام لا يعود إطلاقًا
للحشيش. فالحسن بن الصباح لم يكن يقدم لأتباعه ومريديه عقارًا
مخدرا ليقتلوا أعداءهم وإنما كان يعبئهم بالإيمان الصلب والأساسي
وأن الاسم الذي أطلقه عليه زعيمهم هو "الأساسيون" أي الذين يحافظون
على الأساس، وأن هذا الاسم هو الذي وصل للغرب ومنه تحور وحمل
الأسطورة التي عادت إلينا.
في "ليون
الإفريقي" يعتمد على كتابات الرجل وخاصة رحلته "وصف إفريقيا"
لكنه يعتمد كذلك على كتب المؤرخين حول الأخوين "بارباروسا" و"طومانباي"
و"جيوفاني دي موتشي" وغيرهم، وفي "موانئ الشرق" يعتمد على كتابات
المؤرخين المعاصرين حول المقاومة السرية في فرنسا وكذلك على
تطور الهجرة اليهودية لفلسطين بعد الحرب العالمية الثانية.
البحث
يحول الرواية الخيالية إلى عالم من الواقع عن طريق التناص الواقعي
والتاريخي، إنه يضفي المصداقية على الرواية ويحولها إلى تاريخ،
وربما لهذا نجد التنوع في أسلوبية السرد عند معلوف في مختلف
الروايات. في "الحروب الصليبية" هناك صوت الراوي المحايد البعيد،
المؤرخ الذي يحاول تقديم المعلومة بحياد ولكنه يعلن منذ البداية
أنه متحيز.
وفي
"سمرقند" يتأرجح السرد ويلف حول المخطوط المفقود الموجود حتى
ينتهي الأمر إلى فقدانه التام مع تعيين موضعه بدقة في "صندوق"
في قاع المحيط في حطام "التيتانيك".
لذا
نجد أن صوت الراوي يتراوح بين الـ(أنا) المتداخلة في الحدث مثلما
يحدث عندما يسرد البطل تاريخ ومغامرات الحصول على المخطوط وقصة
حبه لشيرين الأميرة الإيرانية وتلميذة السيد جمال الدين الأفغاني،
وبين الـ(هو) المبتعدة عن الحدث عندما يقص علينا قصة عمر الخيام
وقصة الحشاشين وقصة صعود وانهيار إمبراطورية السلاجقة.
إنه
يقدم في هذه الرواية نصًا متداخلا يتأرجح بين الكتابة التاريخية
والتسجيل اليومي في محاولة منه لرفع درجة مصداقية النص، فالراوي
في كل الأحوال ليس راوية، إنه بطل الحدث الأساسي، ألا وهو البحث
عن المخطوط.
في "ليون
الإفريقي" يعتمد معلوف على المؤلف البطل كراوٍ ويصبح السرد بمثابة
تسجيل لحوليات؛ كل حولية هي رؤية لمكان عبر الزمان والشخصية
التي يحدثنا عنها الراوي المؤرخ الرحالة (ليون الإفريقي).
"عام
سلمى" هو عام ولادته وسلمى هي أمه ومن خلالها يقص علينا قصة
الصراع بين المسلمين في غرناطة وأيامهم الأخيرة وسقوط الأندلس.
"عام
طومان باي" هو عام آخر المماليك السلطان الشجاع الذي اعتمد على
المصريين ليرد الزحف العثماني.
الرحالة
المؤرخ يقوم بدوره ويتركه معلوف ليقدم لقارئه يوميات أو حوليات،
قصد الرحالة أن يتركها لابنه وقصد معلوف أن يقدمها للعالم.
في "موانئ
الشرق" تدور الرواية بين الراوي المعجب بالشخصية الرئيسية والذي
عرفها من صورتها المنشورة في كتبه المدرسية كأنه يحكي عن نفسه
أي عن معلوف كراوٍ وبين البطل رغم أنفه "عصيان كتبدار" الذي
يحكي لمعلوف الراوي ليزجي وقته ويرفع عن نفسه عناء الانتظار
المؤلم للأمل الأخير في حياته.
في الأمسيات
الأربعة التي يقضيانها معًا يقص علينا معلوف على لسان "عصيان
كتبدار" تاريخ الرجل منذ ولادته في الآستانة إلى رحيله للبنان
إلى أفراد أسرته، جدته المجنونة وأبوه المتمرد الأبدي وأخوه
المتمرد الآني وأخته المحبة التي ستقوم بدور الأم وعائلة أمه
الأرمينية ورحلته إلى فرنسا ودوره في المقاومة ولقاؤه بحبيبته
اليهودية التي يتزوجها بعد انتهاء الحرب وبالذات بسبب هجرتها
مع خالها إلى فلسطين، وإيداعه مستشفى الأمراض العقلية لنعرف
في النهاية قصة هروبه إلى فرنسا بعد الحرب الأهلية اللبنانية
وأنه ينتظر لقاء زوجته بعد أن طلب منها في رسالة أن يلتقيا في
نفس المكان الذي جمعهما بعد الحرب لأول مرة على جسر على نهر
"السين" في باريس.
في أربعة
أيام، ومن خلال (أنا) قلقة حائرة و(أنا) مسائلة متطلعة تحاورها
لا نسمع صوتها إلا في خفوت وفي مواضع قليلة، يقص علينا معلوف
رؤية خاصة جدًا، لتاريخ خاص جدًا لمنطقة عامة جدًا هي الشرق
الأدنى أو الأوسط كما يسميه الغربيون.
تنوع
أسلوبية السرد والانتقال من الـ (أنا) إلى الـ (هو) والاعتماد
على فكرة التسجيل أو اليوميات أو الحوليات أو التاريخ نجده كذلك
في روايته المستقبلية "القرن الأول بعد بياتريس"، وكأنه يقول
لنا: "حتى المستقبل أنا أراه كتاريخ".
وهكذا
يصنع معلوف المرشح لنوبل عالمه الروائي من التاريخ الشخصي والعام
لمنطقته ويقدمه للقارئ الفرنسي ثم يترجم لنا كعرب.
كاتب ومترجم
مصري / د. أسامة القفاش - 19.06.2003