البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

بورخيس وبورخيس الآخر

في ظل جبل هيليكون، يسمع شاب، مجهد من الصيد، خرير المياه فيهرع إليها. مستلقيا علي بطنه، يمد رقبته كما لو كان مستعدا للتضحية، يتهيأ للشرب. يكتشف في تيار المياه وجها. يهجره العطش و التعب و يبقي مبهورا بهذا الوجه الذي من أجله توهن قوته و يموت بحثا عن حب مستحيل. في مكان موته تنبت زهرة. كان نرسيس يجهل أن اللحظة السابقة لتهدئة ظمئه تحوي التاريخ المتواصل لشيء سوف يعرف بعد ذلك كتقليد أدبي، ويصبح واحدا من الموضوعات الأكثر قلقا بالنسبة للفنان: موضوع " الآخر".

بماذا شعر نرسيس عند رؤية وجهه منعكسا و هو يجهل أنه هو نفسه؟ هل كان يبحث عن نظيره، أو ، إذا ألتزمنا برواية باوسانياس، كانت هي صورة أخته التوأم المعشوقة المتوفاة، و التي كان يحاول استرجاعها بجانب المياه؟ لو كان كذلك، يكون هناك مقترح آخر مستحيل: الوحدة الأولية الخناثية. ابتدع علم النفس لفظة" نرجسي" لتسمية من يعشق نفسه.

هل كانت المأساة الحقيقة لنرسيس أنه يعشق نفسه؟، عند التفكير في نظرية هيراقليطس الذي نادي بأن" لا أحد ينزل نفس النهر مرتين"، يكون أفظع ما في قدر نرسيس ليس أنه عشق نفسه لأنه في كل لحظة من النظر للمياه كان يعشق "آخر"، وإنما هو رغبته في أن يوقف، عن طريق أنعكاس المشهد، الصورة المفضلة، بلا أي تغيير، و يبكي ويحتضر عندما يكتشف استحالة أمنيته.

الآخر في أسطورة نرسيس يصبح موضوعا مغلقا. تعتبر وحدة المتناقضات عند هيراقليطس أساسية. يقول الفيلسوف إنه في الصراع و التبادل الدائم بين المتناقضات في العالم، يوجد شيء، في العمق، يجمع بينهما في الأساس، بالرغم من أنه يتمثل في كل مرة في أشكال مختلفة و يحمل مسميات عدة عند البشر. هذا الشيء الوحيد الذي يتأكد باستمرار، في وسط الصراع والتغير، هو ما يسميه هيراقليطس الرب. هذا الرب يكون متماثلا في الليل و النهار، في الشتاء و الصيف، في الحرب و في السلام. هو بالنسبة لهيراقليطس، ليس مجرد طرف إيجابي لزوجين متناقضين إيجابي و سلبي علي التوالي، و ليس هو المتحكم العام في كافة الأطراف الإيجابية لكل أزواج المتناقضات، يقول: " دائما يوجد في العمق واحد هو نفسه، حياة و موت، يقظة ونوم، شباب و شيخوخة. فهؤلاء عند التحول، يصبحون أولئك، و أولئك عندما يتغيرون، بالعكس، يصبحون هؤلاء. وحدة كل الأشياء هي البداية و النهاية عند هيراقليطس.

***

بالنسبة للتقليد اليهودي­ المسيحي، يخلق الرب، الذي هو الكل، الكون. ويفصل الرب كذلك خلقه في أزواج من المتناقضات: الماء عن الأرض الصلبة: والنور عن الظلام. في العوالم المحتملة اللانهائية، ربما يوجد رب مخلوق من الخير والشر، و عنده لا يكون الشر نقصا للخير و إنما كيانا. هذا الرب يطرد عن نفسه الشر و سيتصارع معه حتي اليوم الأخير للخلق، مثلما طرد الرب اليهودي­المسيحي من الجنة إبليس، أجمل ملائكته، لغروره و تمرده

خلق الرب الإنسان علي صورته و شاكلته، وجمع بداخله الخير والشر، و بينهما سوف يظل التصارع منذ لحظة مولده وحتي وفاته. ويمكن رؤية هذا الانقسام أيضا منعكسا في الأدب الذي له علاقة بموضوع "الآخر". الآخر يكون بمثابة احتمال للانفتاح، كوحدة تنشطر، و في محاولة لفهم هذا الانشقاق الإلهي للخير و الشر. يوجد عملان ينفعان لهذه المحاولة و سوف أذكرهما لأن كليهما حظي بإعجاب بورخيس: " الحكاية العجيبة لدكتور جيكل و مستر هايد" لستيفنسون، و " صورة دوريان جراي" لأوسكار وايلد.

عندما يكتب ستيفنسون روايته، يبدأ بواسطة الكلمة المكتوبة، وهو الناقص بشرطه الإنساني، لكن مشجعا بالرجاء الإلهي في الخلق، التجربة المستحيلة بالنسبة للإنسان: فصل الشر في حالة" كيميائية" نقية. هكذا يتوصل بطل حكايته، الدكتور جيكل، طبيب عطوف يتحلي بالضعف الخاص بكل البشر، لعقار قادر علي إحداث تحول جسدي و روحي بداخله. ينقلب إلي آخر، إلي مستر هايد، الشرير، ذي الطبيعة الوحشية، والي عيش حياة من الملذات و الجرائم.. لفترة، بمساعدة عقار آخر، يستطيع تكرار هذه التجربة حتي يفهم في يوم، أنه في كل مرة يصبح أكثر صعوبة العودة إلي كينونة دكتور جيكل. كما لو أن ضعف الجزء الطيب منه، كسر التوازن، و لم يعد الجزء الإيجابي يستطيع الاستجابة. و أخيرا، عندما يفتضح أمره، يدفعه هلع الموقف إلي الانتحار.

نقرأ في الجزء الآخر من الرواية اعتراف جيكل، الذي يجده أوتيرسون حين يدخل مع الخادم بول، إلي المعمل ليعثرا علي هايد مسموما، بعد أن يحطما الباب.

" هكذا، فإن أكثر تطلعاتي إلحاحا و صرامة، إلي جانب التدهور الغريب في عيوبي جعلني أكون كما أنا و فصل عني، بخندق أكثر عمقا مما عند باقي البشر، منطقتي الخير و الشر، واللذان يفصلان و يكملان طبيعتنا المزدوجة" " و لنفس السبب، كان عليّ أن أتأمل بعمق وإصرار قانون الحياة الصعب هذا و الذي يكمن في عمق كل الديانات، و الذي هو المنبع الأكثر وفرة للمعاناة".

و ذكر، قبل ذلك بقليل، أن اتجاه دراساته كان يميل نحو الروحية و قد ساعده ذلك في معرفة الصراع الدائم بين مكوناته، السائدة بين جميع البشر. وهكذا فقد اقترب من اكتشاف أن الإنسان ليس في الحقيقة واحدا وإنما اثنين. كان أصل عقدته في هذا: فكرة فصل هذين العنصرين كانت تلاحقه ويعترف:

"كان يفكر إذا كان كل واحد يقدر أن يسكن شخصية مختلفة، فسوف يرتاح البشر من كابوس ملازم: يكمل الشرير طريقه، متحررا من رغبات وتأنيب أخيه التوأم العنيد: ويستطيع العادل أن يمشي حازما ومطمئنا، في طريق الارتقاء، ممارسا الأفعال الخيرة التي يحقق بها متعته، و بدون أن يتعرض ابدأ للعار أو الندامة بذنب شر لا يخصه. تكمن لعنة البشرية في أن الاثنين مربوطان معا في حزمة واحدة، هذان الاتجاهان المتضادان، وفي الباطن المتألم يواصل التوأمان، الغريمان، صراعا بلا هوادة.

قرر جيكل عقب هذه التأملات أن يفصل هذين الكائنين المتناقضين. و قبل أن يبدأ التجربة تردد في أن يطبقها علي شخصه و لكن الإغراء، كما في الفردوس المفقود للأبد بالنسبة لآدم وحواء، طلب المزيد فشرب الجرعة.

ييقول بعد أن يصف عذابات التحول:" مثلما تشرق الطيبة علي وجه الواحد، يكون الشر محفورا، ظاهرا و قويا علي وجه الآخر. كما أن الشر والذي يجب أن أفترض حتي الآن أنه الجزء الفاني من الإنسان، كان قد طبع علي هذا الجسد آثار حطام و تشوه. و بالرغم من ذلك، فعند رؤيتي لقبح هذا الكائن في المرآه، لم أشعر بأي تقزز: علي النقيض، فقد استقبلته بفرح. فهذا أيضا هو كياني، وكان يبدو طبيعيا و إنسانيا.كان يمثل لي صورة أكثر حياة للروح، تبدو متقنة و بسيطة أكثر من الهيئة الناقصة والمعقدة التي كنت قد اعتدت حتي هذا الوقت أن أعتبرها تخصني. وبطريفة ما، لا شك، كنت أملك الحق في ذلك. لاحظت أنه عندما أكون مرتديا هيئة إدوراد هايد، لا يقترب مني شخص لأول مرة إلا ويشعر بخوف طبيعي من اللحم. و أفسر هذه الظاهرة بان جميع البشر هم مركب من الخير و الشر، ما عدا إدوارد هايد وحده، بين صفوف البشر، كان هو الشر الخالص".

***

" الآخر" عند ستيفنسون هو مخزن كل الشرور، كوحدة نشطة لها حياة خاصة.

في "صورة دوريان جراي" لأوسكار وايلد إسقاط استاتيكي يسمح برؤية شر وانحطاط دوريان جراي في المرآة، والذي بتدخل ما وراء الطبيعة، وما هو شيطاني، يري أمنيته حقيقة. بأن يحتفظ للأبد بجماله وشبابه. كل الشرور و الأفعال الدنيئة التي يرتكبها، تغير من صورته، التي يخفيها و يتجسس عليها باستمرار. يفكر قبل أن يحطم اللوحة" كما قتلت الرسام، سوف أقضي أيضا علي عمل الرسام و كل ما يحمله من معان. سوف أخنق الماضي، وعندما يموت، سأتحرر. سوف أقتل هذه الروح المتوحشة الحية، و بدون عظاتها الرهيبة، سوف استعيد المتعة".

و هكذا يحطم اللوحة التي تحتفظ بجماله، و لكن علي الأرض، مشوها، و مثيرا للاشمئزاز عند النظر، يرقد دوريان جراي.

في الحالتين، يحملهما التمرد للخضوع للخير أو الشر، والتحولات التي يخلقها في حالة جيكل وهايد، ورفض مرور الزمن في حالة دوريان جراي، إلي طريق بلا مخرج. و في الحالتين يتصارعان مع عذابات هائلة يفران من الآخر، بواسطة التدمير الذاتي، عن طريق الموت.

***

في القرن العشرين، لم يشعر أحد مثل بورخيس بموضوع "الآخر" بهذا العمق. يمكن أن نراه ظاهرا أو خفيا علي طول أعماله. و هذا لايثير العجب عندما نتعرف علي احتفائه في قصائده و نثره المخصص لهيراقليطس. في واحد من كتبه،بعنوانه الموحيا" الآخر، نفسه"، توجد قصيدة تحمل عنوانا هو بالتحديد" الآخر" و في "كتاب الرمل" توجد أيضا قصة قصيرة تسمي" الآخر". ما هو العامل المشترك بينهما، بغض النظر عن العنوان، أو بالأحري ما هو الاختلاف بينهما؟

في القصيدة، الآخر هو رب، و هو يشبه رب هيراقليطس.، الذي يثبت عن طريق الصراع والتحول. هنا الإنسان ­ كما يقول فيورباخ­ سوف يتنازل عن كل إيجابي يملكه في رب. بهذه الطريقة، يجمع الإنسان قدرته علي الخلق في ربة الفن، أو في سر أو في رب، منحطا، هكذا، و محتفظا لنفسه، بالعفن. و يعترف بالرب فقط علي أنه الآخر، ذاته، لأنه خارج الزمن، هو الأبدية.

في قصة "الآخر" يحكي بورخيس كيف أنه ذات صباح في بوسطن و هو جالس بجانب نهر تشارلز يلتقي بشاب و يكتشف أنه هو نفسه، مراهق تقريبا. هنا موضوع الآخر يشهد بعض الاختلاف، لأن كلاهما يعيشان في أزمنة مغايرة و لكنهما يجتمعان هناك، إلي جوار نهر تشارلز، في فضاء واحد. هذه الطريقة تختلف عن حالة الدكتور جيكل، و الذي ينفصل إلي شخصية مستر هايد. يحصل بورخيس علي التزامن في اللقاء. ما يقدمه بورخيس لنا ليس الخلاف بين الخير و الشر، أو تأمل نرسيس الاستاتيكي. إنما يحاول أن يعطي، أمام هذا النهر الذي يستدعي له " الصورة العتيقة لهيراقليطس"، نفس الشخص في لحظتين مختلفتين، يحاول أن يعطينا التطور، الشيء الذي يحدث للإنسان بفعل الزمن. في الصفحة رقم 41 من القصة، نقرأ:" قال أحد اليونانيين إن إنسان البارحة ليس هو إنسان اليوم. نحن الاثنين علي دكة في جنيف أو كامبريدج، ربما نكون الدليل...."،" نتحدث، حتما، عن الأدب، أخشي أن ألا أكون قد قلت أشياء أخري غير التي أقولها عادة للصحافيين. أناي الأعلي كانت تعتقد في استعمال أو اكتشاف استعارات جديدة: والأنا تميل إلي التشبيهات الحميمة و المعروفة التي قد قبلها خيالنا. شيخوخة الإنسان، الأحلام و الحياة، سريان الوقت والمياه. عرضت عليه هذا الرأي الذي سأعرضه في كتاب بعد ذلك بسنوات." ثم في الصفحة 51، يقول" النصح أو النقاش كان عديم الفائدة، لأن مصيره المحتوم كان هو الذي كنت عليه". و بعد ذلك:" لم نستطع أن نتفاهم".

فقط في لحظة، عندما كان يبرهن له أنه ليس يحلم، تلي عليه السطر الشهير لهوجو، يشعر بورخيس بأن هوجو قد وحٌد بينهما.

كما لو كان الفعل الجمالي هو الرب، كما كان يعتقد هيراقليطس، أو كما لوأن الفعل الجمالي هو احتمالية اللقاء بين جميع البشر.

توجد جملة معبرة للغاية" حلمي قد دام سبعين عاما. في النهاية، عند ما أتذكر، لا يوجد شخص لا يلتقي مع نفسه. هذا هو ما يحدث الآن، فيما عدا أننا أثنان."

في قصيدة"الساهر" من" ذهب النمور"، يقول:

"يدخل الضوء و أتذكر: أنه موجود

يبدأ بأن يقول لي اسمه الذي(ينبغي أن تفهموا الآن) هو اسمي."

هنا، من جديد، الآخر متحولا إلي حارس، الآخر يكون مكروها تفصيليا. أفظع ما في هذا الآخر أنه يمثل العادية، و العبودية لهذا السأم الذي لن يهجره حتي بعد الموت، لأن" في العتمة القصوي من المملكة الأخري، سأتواجد أنا، منتظرني".هذا اللقاء مع نفسه، بدون انقسام، مستحيل، لأنه عند الاستيقاظ أيضا سوف يستيقظ الآخر، حتي فيما بعد الموت. لأنه بعد أن يصبح ميتا، الإنسان، كما يقول سبينوزا، يرغب في الحفاظ علي شخصه. هذا الموقف لا مخرج منه، هنا لن ينقذه الإبداع في هذا الوقت الدوار الذي يكون بمثابة زنزانة. يشعر الإنسان بكل ثقل سأم لاينفد.

***

هذه القطعة الشعرية يمكن أن تكون كالقطب السالب في "بورخيس و أنا"، المنشورة في "الصانع". هنا "الآخر" يكون الكاتب. الإنسان في مقابل الخالق، والذي يشعر نحوه بأنه شخص يجرده بتمهل من الأشياء التي بالنسبة إليه ممتعة و مرغوبة، ليلعب دورا كأنه ممثل. الأنا تقبل بورخيسها الآخر، لأنها تشعر بتعادلها، بالرغم من عدم إنقاذها. يصرح قائلا" كان علي أن أبقي في بورخيس، وليس فيٌ (هذا إذا كنت أنا أحد)". بورخيس، بدوره، له "أخر"، و الذي هو العمل.

في "بورخيس وأنا" لا يستطيع الإبداع أيضا إنقاذه،" ربما لأن كل ما هو خير لا يخص أحدا، ليس حتي من الآخر، وإنما من اللغة أو التقليد، في لحظة أخيرة، من سريان نهر هيراقليطس:

ما هذا النهر

الذي يجرف أساطير وسيوفا؟

لا جدوي من أن ينام

يجري في الحلم، في الصحراء، في بدروم

النهر يسلبني و أنا هذا النهر

من مادة هشة مصنوع أنا، من زمن غامض

ربما يوجد المنبع فيٌ

ربما من ظلي

تنبع، حتمية وخيالية، الأيام

***

العمل، مع ذلك، ليس مثل الصورة التي حاول نرسيس الإبقاء عليها ثابتة. العمل، الغير متحرك ظاهريا، الإبداع المشيد و الواقف في الكلمات، سوف يتغير حين ينعكس في وعي كل قاريء. هذا سوف يكون سريانه و هو ما سوف يحوله إلي كائن حي. نهر هيراقليطس، سوف يكون في العمل، مجموع القراء. "الآخر"، بالنسبة للقاريء، سوف يكون العمل. و بالنسبة للكاتب، نهر هيراقليطس هو الإبداع الدائم، الذي يلقي عن نفسه ما يخلقه ليستمر في إبداعه. الإنسان­الأنا­ يواصل حياته بدون مشاركة وبالرغم من معرفته بأن" كان علي أن أبقي في بورخيس، وليس فيٌ(إذا كنت أنا أحد).." يضيف" ولكني أعرف نفسي أقل في كتبه عن كتب أخري أو في العزف الشاق علي أوتار جيتار."

بالاختلاف عن نرسيس، و دوريان جراي، و جيكل وهايد، يقول بورخيس بوضوح:

هكذا فإن حياتي هي فرار و كل ما أخسره و كل شيء من النسيان أو من الآخر. لا أعرف أي من الاثنين يكتب هذه الصفحة."

إذاواصلنا القراءة مع قصيدة"إمرسون"، يكون إمرسون"الآخر"، بالنسبة لبورخيس القاريء. الوصف الماهر يتضح عندما يكتب في البيت السابع:يسير عبر الحقول

كما يسير الآن عبر ذاكرة من يكتب هذه السطور وليؤكد:" يفكر: قرأت الكتب الضرورية

وأخري ألفتها لن يمحوها النسيان المعتم.

وهبني رب معرفة ما يعرفه الإنسان الفاني.

يذكر اسمي عبر كل القارة

لم أعش. أريد أن أكون شخصا آخر.

هل يفكر بورخيس بأنه"الآخر" بالنسبة لإمرسون أو إمرسون هو "الآخر" بالنسبة لبورخيس؟ نعود ونذكر مجددا هيراقليطس:" دائما يوجد في العمق واحد هو نفسه، حياة و موت، يقظة ونوم، شباب و شيخوخة. فهؤلاء عند التحول، يصبحون أولئك، و أولئك عندما يتغيرون، بالعكس يصبحون هؤلاء".

***

داخل الرغبة في أن تكون آخر، يتواجد حنين الإنسان القديم الذي يشعر بأنه منفصل عن كل شيء. عند اختيار طريق ما، أن تكون"هذا الشخص" يحرم نفسه من كافة الاحتمالات الأخري. لو استطاع أن يلتقي بكل من يمكن أن يكونوا "الأنا": يصبح هكذا واح

في مقابل الرب، الأبدي من الناحية الزمنية، توجد الوقتية بمثابة العقاب للإنسان.

إذا تناولنا قصيدة"النمر الآخر" من "الصانع"، أيضا نعود لنجد نظرية هيراقليطس.

بالنسبة لبورخيس، النمر، تقريبا مثل الرب، ليس له"آخر". يقول:

"يسير عبر غابته وصباحه

ويطبع أثره علي الضفة

الموحلة لنهر، لا يعرف اسمه

(في عالمه ليس ثمة أسماء و لا ماضي

ولا مستقبل، توجد فقط لحظة ثابتة).

الرب هو الأبدية. يعيش النمر فقط علي لحظات التي تسمح له، ربما، بالشعور بالأبدية. بدون وعي يعود لينعكس علي نفسه، فهو لوحده نوع، وليس فرد خاضع لقدرية الاختلاف و المعرفة بفنائه.

النمر"الآخر" يظهر في "بورخيس وأنا". النمر الذي يفكر فيه في عتمة المكتبة، النمر الذي تشتاق إلية "الأنا"، النمر من لحم وعظم، والذي جعل منه بورخيس مثلا أعلي في القصيدة، سوف يكون مجرد حيلة. ما يصل إليه الشاعر هو النمر المتصور فقط، وكل ما هو متصور الحقيقة. الإنسان يقتطع التجارب، والذاكرة تحتفي بالنمر الذي أوهنته التجارب المتتالية، التي، بالرغم من ذلك، تبدو ظاهريا أنها تثري الصورة ، لأن كل واحدة من الصور تقترب من نمر مختلف، فرد مختلف، وكذلك تنأي بالشاعر عن إمكانية أن تستقر في عقله صور النمر،بدت تصورية خاصة،وربما يحدث ذلك للأبد. فهو يراه بنظرته الطفولية الأولي، النموذج المعروف للنمر.

مع ذلك، في "فن الشعر"، القصيدة من "الصانع" ما يدوم مع هذا التغيير، هو ما يتم فعلا التوصل الية

"تحيل إهانة السنوات

موسيقي، حفيفا،ورمزا

.... إنه الشعر

متواضع وأبدي. الشعر

يعود كالفجر والغروب".

في "فن الشعر" يتواجد هراقليطس مرة أخري و صورة النهر. سيقول بورخيس عن الفن

"الفن هو إثاكا تلك

الأبدية الخضراء، وليس من المعجزات.

الفن أيضا مثل نهر لانهائي،

يعبر، ويبقي، وهو مرآة لهيراقليطس المتغير نفسه،

الذي هو ذاته وشخص آخر، كالنهر اللانهائي.

هام جدا أن ندقق في هذه الرباعية من القصيدة:

"أحيانا في المساء ثمة وجه

يراقبنا من أعماق المرآة

الفن ينبغي أن يكون كتلك المرآة

أن يكشف لنا وجهنا الخاص."

وجه يعتبر،المثال، بلا أية معجزات. قبول نفاد الزمن و فكرة الموت، عن طريق التناغم و تصالح المتضادات داخل أنفسنا. فقط بهذه الطريقة يستطيع الإنسان أن يتوحد بالآخر الذي يترقبه منذ الأزل و يتغلب علي لامبالاة العالم، لأن هذه المرآة (في " ذهب النمور")

"من المياة المجهولة أو الزجاج الذي يدوم"

ثم يؤكد عنها

"عندما أكون ميتا، ستنسخين شخصا آخر

ثم بعد ذلك شخصا آخر، ثم آخر،ثم آخر، ثم آخر

***

نعود للقصص، نري كيف تم التعبير عن مرور الزمن المتصل بالعملية المستمرة بتغير الأنا إلي آخر، يظهر في"الأسير"، قصة من"الصانع". بورخيس في هذه القطعة النثرية الموجزة، يمنح الشخصية آخر في الزمن، من خلال الصفات التي يشير بها للأسير:صبي مختفي،هندي، بعينين سماويتين اللون، الرجل الذي شكاته الصحراء... ثم يعود ليطلق عليه"صبي"، للحظة، يتذكر المكان الذي خبأ فيه سكينا. يبكي الأبوان لأنهما عثرا علي الابن. لكن، في النهاية، الشخصية، الهندي، يعود إلي الصحراء. يقول بورخيس:

"أنا كنت أرغب في أن أعرف بماذا شعر في لحظة الغيبوبة تلك والتي فيها يتداخل الماضي مع الحاضر: كنت أريد معرفة إذا كان الابن المفقود بعث ومات في هذه الغيبوبة أو إذا توصل إلي التعرف، حتي مثل طفل أو كلب، علي والديه و بيته."

لحظة الغيبوبة تلك والتي تداخل فيها الماضي والحاضر هي تجربة مجازية حيث، بالتحديد، يكسر التتابع الزمني للدخول في اللازمنية.

هنا تكمن مشكلة الهوية. هل الأنا هي جوهر، أو مادة، أو شيء يحتفظ به الإنسان أو هي مجرد سريان؟ إذا كانت الأنا مجموعة من الخبرات و تتغير ماذا يكون ما هو جوهري؟ من يكون هذا الكائن الذي يكون آخر دائما، الصبي، الرجل، الهندي، الابن؟ هي، باختصار،"الأسير" عنوان المجموعة، مجاز يتضمن كل الكائنات البشرية. هذا السؤال الذي لا يترك بورخيس ويدفعه إلي الإصرار عليه في قصائده.

* ماريا كوداما، شاعرة وناقدة، عملت

لسنوات سكرتيرة وقارئة لبورخيس قبل أن تصير زوجته، وقد شكلت بعد وفاته جمعية للحفاظ علي تراثه والتعريف به.

 

ترجمة: مروة رزق - أخبار الأدب


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri