البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

حول جان كوكتو المتعدد

والمستعاد في ذكراه الأربعين

الحياة تيه وضلال أكثر من الموت لمعتنِق التناقضات

لتبقى الذكرى حية فلا يغمرها الموت ولا تبددها الاحداث المتسارعة على سكة الزمن، لا بد من متطوعين امثال علماء الاثار، ينتشلون من طبقات النسيان ذكرى وذكريات كاد الفراق الطويل يحرمها بريق الشهرة ويرميها في متحف المنسيين.

جان كوكتو رحل قبل اربعين عاما حاملا في سفره هذا "دم الشاعر"، و"وصية اورفيوس" و"صوت انساني" يعود بين الحين والآخر الى مسامعنا عبر موسيقى فرنسيس بولانك مثل وقفة عابرة عند ضريح. كأن صيت الآخرين من جيله الوجوديين والسورياليين والدراماتورجيين والشعراء والرسامين تركوا ارثا ادبيا وفنيا اقوى انطباعا واكثر استمرارية منه. كان متعدداً، اختبر كل اجناس الكتابة، من الشعر الى المسرح، ومن الرسم الى السينما، حاضراً في كل تيار ادبي وفني ومسرحي، مروّجا الافكار بين الفنانين والشعراء رفاقه، يقدرونه هنا وهناك امثال الشاعر السوريالي اندريه بروتون، ينعتونه بالحرباء الملونة بألف لون لقدرته الهائلة على التنويع في الاسلوب والشكل والجمالية، مصبوغا تارة بإنشاء بروست وتارة بسوريالية بونوييل، وتارة مخرجاً طليعياً، وتارة دراماتوجياً نيوكلاسيكياً، شاعراً رمزياً، او رساماً تكعيبياً.

في الذكرى الاربعين على وفاته، خصّه عالم الادب والثقافة في فرنسا باضاءة تنير حياته واعماله، ولاسيما السيرة التي اعدها الكاتب كلود ارنو وصدرت لدى "غاليمار"، ترسم درب مبدع تأرجح بين الكلاسيكية والطليعية، سعيداً بتعدديته، متألماً في تقلباته.

البرنامج الاستعادي معرض في مركز بومبيدو يجمع كامل اعماله المسرحية ورسومه تحت عنوان "جان كوكتو على خيط قرن". وكرّست مجلة "ماغازين ليتيرير" ملفاً شاملا يعكس شخصية كوكتو الواسعة ابتكاراً وولعاً.

اطل جان كوكتو باكرا على الخلق. من عائلة موسيقيين، درس البيانو على والدته والرسم على والده، وفي السادسة عشرة بدأت علامات الادب تظهر في سلوكه، متأثراً بالمدارس الرمزية والبارناسية. في الثامنة عشرة قدمه رجل المسرح ادوار دي ماكس زميل سارة برنار خلال قراءة شعرية على مسرح فيمينا، كادمون روستان الجديد. اما الشاعر لوران تاياد فقارنه برامبو.

تلك البدايات الطنانة كانت مثل تأشيرة له، راح من خلالها يعزز تناقضاته في جعل ذلك "الرامبو" الكامن فيه يحلم بجمهور روستان الواسع. اقتنع فعلا بان تلك الحالة الباكرة لا بد من ان تجعله عبقرياً او نصف اله، متألقاً في الكتابة والرسم والمسرح والرقص.

صدمة الحرب وسترافنسكي

بطبيعته المتقلبة، شعر جان كوكتو، والحرب العالمية الاولى شكلت صدمة عنيفة، بأن ثمة نداء عاجلاً يحوّل فكره المبدع في منحى جمالي جديد اكثر فجاجة وثوروية، كالذي بدأ يكتشفه في لوحات بيكاسو وشعر ابولينير وسندرار. اما الكلمة الاقوى فتلك التي تلقاها إثر الفضيحة الكبرى التي شنت في مسرح الشانزيليزيه يوم قدم سترافنسكي عمله الكبير "تكريس الربيع"، ورأى فيها النبهاء والعارفون انها بلبلة مشوشة وضجة جهنمية لا تطاق. وادرك كوكتو يومذاك ان سترافنسكي اشتغل على بوليفونية معقدة مستعارة من هارمونيات تقليدية، وضع في آن واحد آية ثوروية على النحو الجمالي اكثر منه التقني.

شاعر بدايات القرن العشرين اقترب من المؤلف الموسيقي ساتي ومن بيكاسو، والتقارب هذا اثمر في 1917 "باراد" الباليه التي تحمل في صوغها بعداً معاصراً، بعدما سعى الى عمل قريب من "تكريس الربيع" لسترافنسكي، علماً ان بيكاسو وسترافنسكي بدأا حياتهما الفنية من المدرسة الكلاسيكية قبل ان يستبدلا ريشهما، ويتعاطيا بتلك السيولة الذرية رمز اكتشافات القرن العشرين الكبرى.

شهرة جان كوكتو كانت في العشرينات الى تصاعد. الجروح التي خلفتها الحرب دفعت اقلاماً جديدة في ميدان الكتابة. اناتول فرانس وموريس باريس تواريا امام اطلالة اراغون وموران ودرويو. وأفاد كوكتو من ناحيته من التغيير عبر اعصار دادا مرافقا اياه املا في ان يتولى دور ابولينير الذي كان اضحى قبل وفاته مرجعاً للطليعية. وها هو على منعطفات كل التيارات، متنقلا بين بيكابيا وماكس جاكوب بامتياز، حتى امسى عرّاب "مجموعة الستة" جامعاً بين ساتي وبولانك وراديغيه وموران وآخرين. ماكنة جان كوكتو كانت آنذاك في عز حيويتها. لكن في تلك الآونة بدأ اعتراض اندريه بروتون على هذه الكلية في شخصيته وذاك الحضور في كل مكان. فبعدما مجّد فاليري غدا هو المطالب بإرث ابولينير الفكري الجديد، الشيء الذي شن نزاعاً ضارياً بين كوكتو وبروتون. فمذهب اللامعقول كان وسط حلبة النزاع. واذا بروتون كان يتقيأ علناً شذوذ كوكتو الجنسي، ففي المقابل كان كوكتو يرد على عدائه هذا باشارات من الصداقة، تزيد من حقد بروتون له وكرهه لشخصه.

كان بروتون اصغر سنا من كوكتو واكثر عقلانية وانضباطاً، مما سهل له سبل التشهير ب"عدوه". وحاول مرات ان يسلب من تحت جناحه راديغيه وبيكاسو. وكان كوكتو يسعى الى جذب اراغون الى حلقته، كما افلح لمرحلة موقتة في تحويل مجرى كيريكو في اتجاهه. وحرب النفوذ هذه كانت في اوجهها، ولاسيما ان كوكتو استطاع ان يستميل جيل "الهدنة" Armistice بكتابه "الابناء الرهيبون" رواية المحرمات بين اخ واخته، الرواية التي تسببت في اوساط الادب خلال الحرب بصدمة اخلاقية كبرى مع روايته الاولى "باراد".

الامتحانات الكبرى

حتى رحيل ريمون راديغيه عام 1923 كانت حياة كوكتو منتجة، سلسلة، مسكرة. صدمة الفراق هذه افقدته الشريان الرفيع الذي كان يربطه بالواقع. كان العشيق والمعلم والمرشد الادبي ووالد هذا العبقري وامه. هو الذي شجع الكاتب الفتى ابن الخامسة عشرة على الكتابة وادخله الى الاوساط الادبية. ونجاح رواية راديغيه "الشيطان في الجسد" حضّه على "العودة الى النظام" مع كوكتو تحت ظل رونسار ومدام لافاييت وبنجامان كونستان، وكان النافذة الى جمالية الثلاثينات. بيد ان هذه المرحلة كانت الاكثر سوادا في حياة كوكتو، فبعدما انهى راديغيه روايته الثانية "سهرة الكونت دورجيل" اصيب بداء التيفوئيذ ثم فارق الحياة. اما كوكتو فكان ان حاول تخدير حزنه العميق بالافيون الذي نجم عنه انتاج ادبي غزير ودمار جسدي ومادي. في تلك الفترة تخلى كوكتو عن قريحته الشعرية والروائية متجها الى المسرح. واول اعماله المسرحية "الصوت البشري" وفيه امرأة تطلق نداء يأس عبر الهاتف للرجل الذي تركها. وقد تكون السينما خطوة اخرى من مشاريع كوكتو، ف"دم الشاعر" كان وسيلة للتنقيب في اسلوب شاعري في حقيقة الوجود، ويقينه ان الشعر هو الفن الاكثر حميمية والوحيد الذي يسعه وضع اللاوعي تحت الضوء ويجعل الاموات يتكلمون.

كوكتو والنازية

سنوات الاحتلال كشفت اكثر فأكثر شخصية كوكتو المعقدة. الصحافيون الباريسيون نعتوه بالنموذج المنحط المنتمي الى مدرسة ما قبل الرمزية، وخضعت اعماله المسرحية كلها لمجهر الرقابة. اما شذوذه الجنسي وميله الى اليهود، وادمانه الافيون ومواقفه المتشددة ضد النازية ودفاعه عن الملاكم الاسود باناما ال براون فكانت كافية لاثارة غضب الفاشيين الفرنسيين. وتلك التهديدات المتكررة ضده جعلته يلجأ الى القطاع الفرنكوفيلي في الافواج المحتلة، وفي نيته ان يتحول الى باريسي ممتاز مثلما كتبت الصحف الالمانية. ففي هذا المنحى كتب "تحية ال بريكر" في مجلة "كوميديا" عام 1942 ضمن المعرض الذي خصص للنحات الرسمي للرايخ في متحف جو دي بوم. وكان بريكر وعد كوكتو بدعمه له.

قبالة اليمين المتشدد الرافض جان كوكتو كلياً، كانت شعبيته في ازدياد، وخاصة مع نجاحه المسرحي في "رونو وارميد" والسينمائي مع "العودة الدائمة" تزامناً مع سنوات فرنسا السوداء.

في تلك الاثناء حظي كوكتو بدعم ايلويار واراغون الشاعرين اللذين اضطهداه زمن السوريالية وحاولا ان يجعلا منه رفيق درب في الحزب الشيوعي، مما ارغمه على الظهور مرارا الى جانب موريس توريز اول ستاليني في فرنسا. ومع نهاية الحرب شعر كوكتو في قرارة نفسه بحاجة الى التجدد، فراح يتردد على مقهى "الفلور" و"لي دوماغو" ويجلس الى طاولة سارتر المتزعم وجنيه الملعون الذي كشف كوكتو عبقريته في عز الاحتلال، لكنه اعجز من ان يفوز بصورة الفتى التي كانت مفتاحه الى الشهرة في العشرينات.

افضل الدروب اقصرها واكثرها حميمية. عاد كوكتو الى الشعر عشقه القديم واستمر في الكتابة للمسرح من "باخوس"، الى "الآلة الجهنمية" و"الآباء الرهيبون" وسواها، وللسينما "وصية اورفيوس" و"الابناء الرهيبون". الى ان قرر في مؤلفات لاحقة معاينة الشخصية الاكثر تعقيداً وغرابة، تلك التي تحمل اسمه. تحاليله الذاتية بدت في اعمال مختلفة منها "ضيق الذات" و"يوميات مجهول"، و"حبل السرّة" وفيها غناء حزين ووجع الكائن المتقلب.

جاذبية الشيء ونقيضه كانت مسلكه وهوسه. فموت ريمون راديغيه جعله يلجأ الى الافيون والدين ويقينه ان الله افتراضي اكثر مما هو واقع. وحين عبر مرحلة التديّن، راح الى التنجيم يستقي منه هرباً من الحقيقة. هذان المد والجزر ظاهران في انتاجه الادبي وفي ايقاع اخف في حياته الجنسية، وكأنه يلقّم ازمته باستمرار ليبقى. مع الوقت استفاقت فيه رغبة الهرب من جسده المصاب بأمراض غريبة. كان يود ان يكون رجلا آخر، ان يقشر جلده ويعرّض لحمه لحروق الشمس.

في 11 تشرين الاول ،1963 حين علم بموت صديقته الكبيرة إديث بياف قال: "هذا يومي الاخير على الارض". وفي كتابه التحليلي "ضيق الذات" عبارة توقّد وهجها بعد وفاته اذ قال: "الحياة تيه وضلال اكثر من الموت".

كأن هذه العبارة كانت منبّهة. بها أطفأ شعلة ذاته ودخل الابدية.

أليس القائل: "لا اخشى الموت. اراه ولادة من المقلب الآخر"؟

 

مي منسى - النهار - الجمعة 19 كانون الاول 2003


 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri