البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

الهواء المجنّح

عزرا باوند

في 30 -تشرين الأول 1885- ولد عزرا باوند في مدينة –هايلي- ولاية ايداهو – هومر باوند، صاحب مكتب عقاري، للمقاولات العقارية، قبل سنتين من ولادة ابنه عزرا.

في الواقع، كنت آكل جدران غرفتي التي أسكنها، وأنا أتذكّر –والت وايتمان- كنت أسعد الكائنات وأنا أخفي الروابط التي تشدّني إلى والدي الروحي، فيما أمتدح نفسي على أجداد أكثر ملاءمة لذوقي، وشخصيتي.. مثل –شكسبير، ودانتي، وأرسطو. إلاّ أن النسب سيكون من الصعب إثباته، وهذا ما جعلني من الصراحة بمكان أقول: إن وايتمان بالنسبة لبلادي.. بمنزلة دانتي لإيطاليا.

في بداية كتاباته، كان يشعر دائماً، أنه يشبه الهواء المجنّح، وكان يقول: لا أحد يستطيع أن يصطاد فمي.

من مكان ما، كانت تأتيني الحجارة لتقول لي: قف مكانك يا عزرا باوند، أنت أحد الذين وقع عليه الاغتيال.

في عام 1901 قُبل باوند في جامعة بنسلفانيا- ولاية فيلادلفيا- وهو لم يتجاوز السادسة عشرة وفي هذا السن، تعرّف على –كاتول وبروبرس وأوفيد على وجه الخصوص، في حين قدّم هذا الكاتب العظيم، المخططات المتحولة التي ميّزت أناشيده، أي أن أوفيد أعطاه التعريف الحقيقي للصورة الشعرية، دون اللجوء إلى ترسانة من الكتب النقدية البالية مثل "الرمز-المجاز- الاستعارة".

إذ أدرك أن قيمة الشعرية لديه هي: حركة الصورة وحيويتها، والكثافة، والمعيارية المبكرة، وأيضاً الصيرورة!.

يقول باوند: كنتُ أحطّم الأشياء لأنبثق في انطلاقة عملية التحول التي تجري فيها "أي الأشياء" في حين كنت ألعب بالرمز على مستويين، وهو ما ساهم جيداً في عزل الدّال عن المدلول، وفي فصل البادرة الشعرية "الكلمة" عن المسافة المسجلة فيها، لا ما وراءها في دائرة التأملات النظرية!.

إذاً ينبغي أن يكون القارئ خاضعاً للنصّ الذي لم يعد يتعلق الأمر بتفسيره، وهي عملية غالباً ما يكون مشكوكاً بها.

فالكرة الأرضية، ليست أكثر من غلطة سقطت من القمر، ولهذا، لا يمكن السيطرة على الكلمات، ولا يمكن أن يوفق الإنسان بين الصوت والصدى!

ولا يمكن لصوت الحشرجة أن يساوي ذلك النصف الواضح من الأصل!.

لم يجتذبه بودلير، لأن التوافقات بدت له مشوشة، وإن الآلية الذهنية الميكانيكية لديه، كانت لديه بدائية، بل سطحية، وأحياناً خطرة على مخيلة المبدع، إن كان حقيقياً، بودلير لم يخرج من فضاء ايمرسون.

"إن أي ملفوفة مهترئة ترمى على أريكة من الساتان الشاحب، تشعرك بمفعول المفارقة، ولا أقول إن بودلير ليس أكثر من ملفوفات رميت على أرائك الساتان، إلاّ أن الصدمة الكريهة في الكثير من القصائد ليست أمراً لا يمكن تحاشيه أكثر من.."

إن الفن عموماً، وفي كل الأحوال، لن يموت أبداً، لأن هذا الفن هو الذي ينام معنا في الأسرّة.

عام –1902- تعرّف باوند إلى وليام كارلوس ويليامز، وكان طالب طب، وشاعراً حين يحلو له.. يقدمه ويليامز لأصدقائه بكثير من التكلّف والتصنّع.

باوند يبقى صديق ويليامز، رغم المعارضات والخلافات التي تفضل الواحد عن الآخر، على المستوى الفني.

في رسالة منه إليه.. يقول: أيها الصديق، لا أعرف ما إذا كنت طفلاً، أم ورقة بيضاء تتحول بمهمة شاقة إلى قصيدة.. هذا ما كنت أفكر به!.

منذ بداية حياته، وعزرا باوند، في صفوف المعارضة الفردية –الداخلية- إنني أنا الزهرة، ففي سرّه، كان دائماً يقول: لم أكن شاعراً أبداً كي أضع قصائدي في سراويل الفقراء، فأفضل شيء تركته، أو سأتركه، هو دمي، أيها الأحبة، لقد مات العالم؟!

-في فترة حياته، أظن أن باوند، قد عاش حباً عفيفاً –تروبا دورياً-

هكذا آمن عزرا باوند بالحركة –في الشعر- كموضوع- ويعني ذلك تمتين الترابط بين المكان والزمان.

إن باوند، يوضّح هذه النقطة كموضوع، هو اختراق الزمن وتقطيعه إلى شرائح، بحيث يسهل تمثيله، سواء لاقى اعترافاً، أم لم يلق.

إن إنتاج مفهوم للحياة، قد يلائم الحداثة على نحو كافٍ، مفهومٍ للحياة كحركة –لعملية الخلق!.

هكذا كانت الحداثة بالنسبة لباوند، وهذا ما جعل من نهاية عام 1905- أن يكرّس نفسه- أي باوند، لدراسة اللغات المشتقة من اللاتينية، وهو ما يشكّل منطلق الكتاب الذي نشره في لندن عام 1910 –بعنوان الرومانس-

بعد إتقانه اللغات المشتقة؟ عشق باوند المسرح الإسباني "وخاصة بترسردي دي مولينا لوبي دي فيغا" وأيضاً الشعر البروفانسي والإيطالي، طبعاً دون أن يتخلى عن الشعراء اللاتينيين –كما مرّ- وخاصة أوفيد- مسخ الكائنات على الأخص- أكتب قصائدي، كما لو أنني أبيع أصابعي لأحد المارة، أصابعي يشترونها أصحاب الجميلة.

كانت هذه القصائد، تتسلّل سهواً من أشعة الشمس، ثم أختطفها لأملأ العالم بالكارثة، فهل الأسئلة متورطة بالأجوبة؟

يجب أن تودعك العيون المحطّمة، عندها، لا بدّ من إزالة الجدران التي أمامي، ليعاد تشكيلة الغرفة التي أسكنها!.

إذا كان أواسط القرن التاسع عشر، الفترة الأكثر سطوعاً في الأدب الأمريكي، إلى حدّ أن المرء يصاب بالدوار، لمجرّد التفكير بأن –ادغار آلن بو- ايمرسون- وايتمان- ملفيل- صاحب الموبي ديك- وهاورثون- كانوا معاصرين، فإن العقد الثاني من القرن العشرين، لا يقل خصباً بالعباقرة في كل من لندن وباريس!.

هذه المحطة المهمة في حياة باوند بدأت في عام 1908 حين وصل إلى لندن، ولم يحمل معه أي متاع سوى ديوانه الشعري –الومي سبنتو- في إيطاليا، البندقية.

بضعة أسابيع، وعلى الأكثر بضعة شهور، صار يشارك بقوة، في الحياة الأدبية، بفضل مساندة الناشر الشهير –الكين ماتيوز- ففي شهر شباط، أدخله ماتيوز إلى نادي الشعراء، حيث التقى على وجه الخصوص –جورج برناردشو- أما بالنسبة لباوند: فالتاريخ الذي لا ينسى هو شهر نيسان 1909 ولقاؤه –تي. إي. هولم- الفيلسوف والناقد الفني، الذي وجد باوند فيه شخصاً قريباً جداً من اهتماماته الشخصية، فوجده شخصاً ثاقباً، وقوياً في ذات الوقت.

في 28 أيلول 1917. مات هولم على جبهة القتال، تماماً –كالنحات غودييه برزسكا- فالنشيد السادس عشر الذي كتبه باوند، يسترجع فيه علاقته وذكرياته مع –هولم- محاطاً بكل الكتب التي استعارها من لندن، في حين، عبّرت مكتبة لندن استنكارها –لهولم- مع استنكار برغسون الفيلسوف لهذا الاستنكار.

إن الحلم، لن يكون له شكل الجنرال؟ ربما لأن الافتتان، قد أخذ بعداً ميكانيكياً بوصف الحالة الراهنة التي يعشها العباقرة!.

هذه الحالة، يسميها باوند –اليأس الذي يرتدي الخطأ- فهو لا يقصد الانهيار المفتوح، لأن ثمة أخلاقية ما، يجب أن تمسك بيدي القرن الذي نعيشه.

في هذه الأيام، يعلن باوند قانونه الأعظم القائل: إن هناك فناً هندسياً جديداً يولد الآن من بين أصابعي، ويمكن اعتباره مختلفاً، من حيث طبيعته عن الفن الذي سبقه، لأن فيه شبهاً كبيراً من الفن الخالد.. بل هو الخلود!.

إن هذا الشعور في الفن الحيوي، وعلاقته بطبيعة غير مصطنعة، أكدها باوند في كل ما كتبه، دون الرجوع إلى ما ينتجه التبدّل الشهواني بكل معايير هذا القانون، فإنه يتجلّى سريعاً عن سلوكه العام بإنتاج ما يريده المبدع الحقيقي.

لذلك، فإن باوند، اختلف كليَّاً عن إنسانية عصر النهضة... طبعاً هذا ما أكدّه –هولم- قبل أن يلتقي وجهاً لوجه مع الموت!.

لا شك أن باوند في إعادته لقراءة –ريمي دي نورمون- فيما بعد، قد نظّر لاحقاً في الرومانس –إلى ما أسماه- المدرسة التصويرية.. فقد قدم لها على الأقل نقداً مستنداً إلى دقة علمية إبداعية عكست استمراريته في خلق الأبعاد التصويرية المعاشة في ذلك الوقت –الأمريكي النكهة- رغم نقص متانته الإنسانية، وظهور المفاهيم الأيديولوجية.

كما قرأ باوند، الشعر البروفانسي، الذي هو أشهر الطقوس الوثنية، وحضور أوفيد –وآربو دانيال- مايسترو الحب العظيم.. الذي يقول عنه: الفن يخلق الانخطاف، لا الاشتعال كلهبة خالصة. كما كان يتمنى معلّم الانحطاطيين –والتربايتر- لا ممارسة كل الحواس كما كان يدعو رامبو، بل بلوغ الجمال المتشنج "مع أن باوند، مرّ بجانب أندريه بروتون، دون أن يراه".

إذاً –عام 1909- عام باذخ بالنسبة لباوند، فهذا البركان المتوحد، حسبما يعرّفه الشاعر "ييتس" يحتفظ بعنفه، لكنه يفقد أحياناً توحّده، وفي نفس العام أيضاً، فتح له –فورد مادوكس هونغر أبواب "دي انجليش ريفيو" ومذ ذاك أصبح يحاذي كل أدب ذلك الزمان –كونراد- توماس هاردي- هنري جيمس- ييتس- غالسورني- وهذه الأسماء التي هي أكثر سطوة واشتهاراً، علاوة على الفنان الملعون أيضاً-ويندهام ليويس-

-الأخ الصديق العدو-الرسام-الشاعر-الذي يصحبه في المغامرة المسمّاة "الفورتيسية 1914" لم يعد الآن من مجال للحديث عن التاريخ، فخلف ألواح الزجاج النظيفة جداً، يوجد الدم النظيف جداً، حتى الموت النظيف، نراه في حالة النشوء والارتقاء، ولا يقبل أبداً، إلاّ المفاجأة، تتقدم الفجيعة مزهوة بلباسها الداخلي، وتدخل بيوتنا، حاملة في حضنها أغنية شرّشت في الهواء... وانتشرت أصابعها هكذا، لتقرأ المستقبل.

إن باوند، رسّخ في قصائده، عذوبة اللغة، وحيويتها، وبساطتها المباشرة –وفضيلة هوميروس- التي يقول عنها: إنها كانت تلائم كل من يستطيع تقديم نقد فعال وهو يتدحرج على أرضية الضحك.

لقد نجح باوند في إبراز الظاهرة، في أن يكون أوروبياً، الكاتب الذي يمكن مقارنته مع دوستويفسكي.

إلاّ أنه أسرع نسبياً، يسافر ذهنه بشكل أسرع، وبصورة مفاجئة... أكثر.

"ويندهام ليويس يقول: "-إننا ندين لباوند بالصورة المدهشة، والتي يمكننا أن نراها في أي مكان... باوند بقامته المديدة، والمنهك –المأساوي، المنكفئ إلى الداخل، عبّرت عنه صوره الشعرية الحاضرة الخاطفة، فهو يشكِّل الوثيقة الأكثر قيمة في جدول الشعرية الباوندية.

لقد حاز هذا الريفيّ المجهول في ظرف ما... على أوراق نبله، وذكائه، فلم تكن والدة باوند تترك مناسبة تمرّ في أمريكا، دون أن تتباهى بعمل الشاعر اللامع، فلا يصدر عن الابن العجائبي عمل مهما يكن ضئيلاً، إلاّ وتصل أخباره إلى مجلس الشعراء.

إلاّ أن باوند لم ينزلق في هذا المهب، فما كان منه إلاّ أن يرتّب أفكاره بدأب، وإصرار، بل ويصغي ويتعلّم شاكراً، ولا يخجل يوماً بالعرفان وبالجميل وكلمات الاستحسان.

فرسائله تشهد على تعلقه بأصدقائه الأمريكيين، وإخلاصه لهم. وللتأكد من ذلك، علينا أن نتصفّح مراسلاته مع وليام كارلوس ويليامز الذي أصرّ على العكس بعناد على مغادرة أرض أمريكا، علماً أن لغة مهمة في الشعر ينبغي اكتشافها.

عام 1909 –التقى باوند الروائية أوليفيا شكسبير، وتزوج دورتي ابنتها، في الثامنة والعشرين من عمره، السيدة شكسبير، هي التي قدمته إلى الشاعر البيرييتس، الذي كان باوند يتمنى أكثر ما يتمنى لقاءه، وبفضل السيدة شكسبير، أصبح عضواً في ندوة الاثنين المشهورة.

ينبغي هنا.. التطرق إلى واقعة تبدو ضرورية، وهي صياغة فرضية تخالطها الصدفة والشك أيضاً –فنويل ستوك- الناقد الإبداعي المهم، خصص سيرة حياة لعزرا باوند، تتّسم بالجدية والصراحة والصبر، فهو لا يشير إطلاقاً إلى أي علاقة أنثوية، يظهر باوند كما لو لم يكن أحسّ أي باوند يوماً ما بالرغبة، وكما لو قصر اهتمامه ونشاطه على القضايا الذهنية، وهو ما جرى بالفعل.

ويقدم –ستوك- حول هذه النقطة، ومن دون أن يدري، ملاحظة تعزّز هذا الافتراض الأولي. يقول: استقلّت السيدة شكسبير القطار باتجاه البندقية، بصحبة باوند، وفي الطريق استمتعا بملاحظات جيرانها الذين تساءلوا: إذا كان باوند ودورتي شقيقين أو خطيبين. إذ لم يكن يظهر من سلوكهما ما يسمح باكتشاف علاقة غير أخوية!.

-عام 1920- غادر باوند لندن نهائياً، فمقاله المنشور تحت عنوان –هوغ سلوين موبرلي- المنشور في ذات العام، هو وداع للماضي، ووعد للمستقبل، وهذا التاريخ، هو منعطف حقيقي في حياة باوند الذي كرّس نفسه للأناشيد.. والذي يعرف سيرة حياة باوند، يشهد تحولاً مذهلاً ومدهشاً، كما لو أن الشاعر لم يعد يبحث عن نفسه.

هكذا يحتفل النشيد الثالث عشر –النشيد الصينيّ الأول، بالنظام والرزانة والانسجام –كل واحد يمكن أن يستسلم للإسراف.

ومن السهل أن يخطئ المرء الهدف

لكن من الصعب أن يقف صامداً في الوسط-.

يمكن أن نعتبر.. أن باوند، لم يصبح راشداً حقاً، إلاّ حين ترك عائلته بالتبني، لكي يعيش حياته. وأخيراً يتحرر في باريس، وقدم ترجمته لكتاب "ريمي دي غورمون" فيزياء الحب. دراسة حول الغريزة الجنسية التي وضع لها العنوان التالي: -فلسفة الحب الطبيعية- لأول مرة يؤيد هذا النوع من الفن، ويؤيد –ريمي دي غورمون- ويشاركه الاعتبار بأن ثمة علاقة أكيدة بين –الجماع الكامل، ونمو الدماغ-.

من هذه النقطة بدأ العهد الوثني الباوندي... حين بدأ في كتابة وتأليف لتحولات متأثراً بأوفيد، محصّناً في وجه كل الإرث "اليهودي- المسيحي" الذي رفضه باوند.

-1923- التقى عازفة الكمان- اولغارودج- فكان بداية علاقة طويلة، ومحلّقة لن تتوقف إلاّ مع موت باوند.

أنجب باوند من اولغا، ابنته –ماري- على الساحل الإيطالي 1925 مع أن باوند قرّر أن يستقرّ في إيطاليا منذ 1924

-1918-خصّص باوند دراسة رائعة عن –تيوفيل غوتييه- مشدّداً على الميّزة الذهبية، وصلابة الرسم الشعري، وثباته

-غوتييه يقول: -الشاعر لا يكتب باسمه، لأن إبداعه يشمل كل الإرث الثقافي الوارد إلينا من الماضي. لذلك، كان تناسق الأناشيد، إنما يستند إلى ذلك العرفان الجميل الذي يرفع الشاعر إلى الاحتفال بالحضور المؤثر لكاتبي الحوليات. بل والمترجمين المجهولين أو المعلمين المنكفئين إلى الظل، والمنسيين خلف "ثقة الأناشيد".

هذه الثقة المرتكزة، إنما على تعامل طويل مع أشهر النصوص في الثقافة الأوروبية –الشعر الإغريقي- اللاتيني- البروفانسي- القروسطي- الصيني والياباني وخاصة- النو(1)-"

أو مع أكثر النصوص غموضاً.

كتب الناقد –هوغ كيتر- يقول: تمثل أشعار باوند، تبادلاً في الصوت والشخصية مع الموتى.. بعض الموتى الذين يبقون بعد مئات السنين من الأحداث التي تأخذها الريح في طريقها.

أما السيرة الذاتية التي كتبتها –هارييت مونرو- تقول: الحياة هي مصطلح التصويرية الفذّ الذي أخذته من باوند.

1909. ينشر ديوان –برسونا- وقّع فيه باوند، كل ما بوسعه التملص من روح نهاية القرن والتمرد على الروح التعسفية في الشعر الحديث.

"كنت أود أن أخصّ خمول هذا العصر، واستبدال الظلال بأشكال قديرة والأحلام بالرجال-.

1913. تتوجه قصيدة معاهدة إلى والت وايتمان

-لقد انفقد التحالف. إلاّ

من الاعتراف

لا يتم دون تحفظ

أعقد معك معاهدة يا والت وايتمان

لقد كرهتك زمناً طويلاً

آتي إليك كطفلٍ غدا كبيراً-

إيه لورنزو البديع.

فليأت زمن نصراء الأدب الليبراليين، والمتنورين لكي ندغدغ ربة الشعر المتحررة من الحاجة إذا كان المال عفونة، فلنتقِ مخاطره.

إلاّ أن البديع بعيد، والعادات صارت صارمة بفعل الضرورة، وهنا قد ندخل في جدلية عملاقة، بين الفلسفة، وبين القصيدة، وبين الذات.. وهذا يعني أن الواحد قد جعل من حياته فضيحة، وكما أن باوند ينعي صديقه التاريخ، بدءاً من الأناشيد، صار التاريخ هو السيد المهرج.

وما دام الحديث هو من باوند، عن هذا الواقع، هو استذكار إلى لعبة الأيديولوجيا.. التي هي لعبة على ما أعتقد، تعني لعبة الحياة.. فلا الطحين ينتج أزهاراً، ولا الخبز وثيقة مغلقة في إطار لعبة الببغاء التي ترتدي ربطة عنق أنيقة.

المجهول إذن، أصبح بلا ساقين، والسيد التراب صار وزيراً مفوضاً على المقبرة، هل تأكّد لصديقنا باوند أن الخبز يلتقي بكل أصدقائنا الشعراء!. علينا أن نعود جميعاً إلى كتاباتنا؟!

إن الشعر غادر أكثر من أي وقت مضى، برجه العاجيّ، ليهتم بالتاريخ القوميّ ذي الإخراج الضخم، أو ليشغف بخطبة مفترق الطرق. ففي عام 1929 وللمرة الأولى منذ "لونغو فللو" نجحت قصيدة سردية طويلة في شق طريقها بين أكثر الكتب رواجاً.. هي والملحمة المثيرة التي كتبها –سان فنسان بينيه- عن الحرب الأهلية والتي بعنوان -جسد جون براون- بعد مرور سبعة أعوام، عبر باوند في –طلبة للديكتاتوريات- عن قرف مواطنيه الساديين الذي يتكالبون على تعذيب الفكر الحرّ، وإطفاء شعلة الشعب الإلهية.

بعد أن وقف باوند طوال كل هذه السنوات، ضدّ مساوئ الفكرة المعاكسة لوضوح الوقائع والظواهر، حقّق وأرسى فجأة –نظاماً مكتملاً- من وجهة نظر فردية في مجتمعه ومواطنيه.

إن أمريكا أمة مثاليين. كما أننا نسمع صدى لهذا الكلام عند –بليس بيري 1912- "لا يمكن لأحد أن يفهم أمريكا بدماغه".

شطط باوند، وجنونه، وهذيانه، ونظرياته، كل ذلك لم يكن ليعنينا مباشرة، لو أن بنية الأناشيد ظلت خارج تأثيره

-1920-يقيم باوند، علاقة مطلقة بين الأدب والاقتصاد، وله دراسات حول جهل الحضارة الأمريكية وأفولها.

فمنذ –بايانزياميا- التي كتبها عام 1913- كان يعتبر الشاعر حيواناً سياسياً، ولنتذكر جميعاً الجملة التي أصبحت فيما بعد لازمة للأناشيد، بأقنعة مختلفة.

-من المهم جداً

أن تكون ثمة طبيعة فنانين شغيّلة

متحررين من الحاجة..

عزرا باوند.. في هذه الأيام.. الهواء سقط من سيدنا الهواء.. والتراب حاول أن يأكل أصابعه، حداداً على نفسه.

1)) النو: أحد الأشكال الأكثر رهافة في العالم.

 

عبد النور الهنداوي - جريدة الأسبوع الأدبي - 04.10.2003


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri