البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

"الأمم الخمس" لكبلنغ:
حفظ الله الشعب الأبيض!


رديارد كبلنغ
(1865-1936)

من يقرأ, وبتمعن, معظم روايات المغامرات التي كتبها الروائي والشاعر الإنكليزي رديارد كبلنغ, طوال حياته, سيكون من الصعب عليه أن يفهم لماذا وصم هذا الكاتب بالنزعة الإمبريالية, حتى وان كان واحد من أقواله "المأثورة" قد لف الكرة الأرضية وعاصر الأزمان الحديثة كلها على اعتبار انه واحد من أوضح الشعارات الإمبريالية في تاريخ البشرية الحديث. وهذا القول "المأثور" هو بالطبع "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا". ذلك ان معظم روايات كبلنغ وكتاباته الأدبية الأخرى, فيه بالأحرى, تمجيد للحياة المحلية في المناطق التي تدور فيها أحداث هذه الروايات, وفيه افتتان بنوع من الحياة الطبيعية كان بدأ يختفي في الغرب الأوروبي في زمن كبلنغ. ومن النادر في ظل تلك الاعمال وهذه النزعة التي تطبعها ان يشتم المرء رائحة عنصرية ما, او كراهية ما, لشعوب كتب كبلنغ عنها, او وصف حياتها. ومن هنا سادت, في بعض الحقبات تفسيرات - على ضوء تلك الكتابات - تقول ان كبلنغ حينما فرق جذرياً بين الحياة في "الشرق" والحياة في "الغرب" إنما كان قصده آن يندد بالحياة الغربية التي آلت الى المادية كلياً وباتت آلية تفتقر الى روح المبادرة والى اي قسط من العفوية, مثنياً على الوعي البدائي الذي "لم يكف عن العثور عليه لدى الشرقيين" من الذين ملأوا أعمالا له من طراز "كتاب الأدغال" و"كيم" و"بوس الهند وعذوبتها" وغيرها من أعمال قُرئت على نطاق واسع ونالت حظوة لدى القراء.

كل هذا صحيح وممكن. ومع هذا ثمة بين نتاجات كبلنغ الادبية ما يؤكد, من دون اي لبس او غموض, نزعته الإمبريالية وتبجيله للرجل الابيض على حساب الملونين. وهو نفسه لم يسع في اي لحظة من لحظات حياته, الى الدعوة الى تفسير او اعادة تفسير تلك الأعمال ضمن منطق فيه شيء من الاعتدال. وكأن الرجل شاء, حتى في اعماله على وحدتها, ان يطبق نظريته الخالدة عن انفصام الكون الى شرق وغرب لن يلتقيا ابداً. ومن هذه الاعمال مجموعة شعرية اصدرها كبلنغ في طبعة اولى في العام 1903, عشية رحيل الملكة فكتوريا, وعنوانها "خمس أمم". وتضم هذه المجموعة عدداً من القصائد التي كان كبلنغ نظمها او نشرها في مراحل سابقة. والحقيقة ان هذه المجموعة في قصائدها العديدة, انما تبدو وحدها قادرة على تبرير سمعة رديارد كبلنغ السيئة ككاتب امبريالي.

لا يتسم اي من قصائد هذه المجموعة بأي نزعة رومانسية. بل انها تكاد تكون قصائد سياسية خالصة كتبت من وحي أحداث آنية بحتة. ولكن قبل الاشارة الى هذا, لا بأس من التوضيح: ان الأمم الخمس التي يشير اليها كبلنغ في عنوان المجموعة لا تضم, اذا استثنينا جنوب أفريقيا (وسنقول لماذا), اياً من امم الشرق التي كانت بريطانيا العظمى تستعمرها في ذلك الحين. بل لا تشمل حتى جوهرة التاج البريطاني: الهند, ولا مصر التي كانت قضيتها وقضية غزو بريطانيا العظمى لها, في ذلك الحين, على كل شفة ولسان. فالأمم هي: انكلترا وكندا ونيوزيلندا وأستراليا, اضافة الى جنوب افريقيا. وهذه, للتوضيح, لم تكن تعتبر ارضاً للسود في ذلك الحين, بل ارضاً للبيض, سواء اكانوا من اصول إنكليزية او اوروبية اخرى. كان الانكليز يعتبرون السود هناك, مجرد حادث عابر, ومجرد عبيد يمكن طردهم في اي لحظة. او في احسن الاحوال, شعباً على الهامش لا حقوق له ولا تاريخ. ومن هنا كانت تلك المنطقة من العالم تعتبر - وكان كبلنغ بدوره, اذاً, يعتبرها - ارضاً بيضاء تستكمل خماسية الأمم البريطانية. فهل علينا ان نرى في هذا كله نزوعاً من شاعر الانكليز الاكبر في ذلك الحين, الى اعتبار المستعمرات "الملونة" خارج الإمبراطورية وخارج الأمم؟ الى حد كبير: اجل. ولكن بالمعنى السلبي للكلمة: لأن كبلنغ كان يرى ان امم الملونين, حيث توجد كثافة سكانية وحضارية تمنع البيض من السيطرة الكلية, يجب ان تبقى خارج الإمبراطورية وبالتالي خارج الأمم. فهي, في نظره "عبء على الإنسان الأبيض" يتعين ابقاؤه على حدة - من دون الوصول إلى إعتاقه كلياً والخروج من تلك الديار, للاكتفاء بمناطق بيض, متقدمة, متحضرة, يسهل حكمها وتوزيع خيراتها على البيض, على اعتبار السكان الأصليين أنفسهم جزءاً من تلك الخيرات. ولقد عبر كبلنغ عن هذا بكل وضوح وصراحة في واحدة من اشهر قصائد المجموعة وهي تلك المعنونة: "عبء الرجل الابيض", والتي يقول واحد من ابياتها "تحمّل عبء الرجل الأبيض".

إذاً, على خلفية هذه الروح العامة والإمبريالية من دون لف او دوران, التي تهيمن على هذه المجموعة, تتتالى القصائد ومعظمها كتب, من وحي مناسبات سياسية وطنية بريطانية خالصة, او من وحي أحداث ضخمة هزت كيان الشاعر وجعلته يسرع الى تمجيد وطنه "الأبيض الكبير المنتشر في قارات العالم اجمع" بحسب تعبيره. ومن تلك القصائد واحدة, اشتهرت كثيراً في زمنها, تمجد الذكرى الخمسين لاعتلاء الملكة فكتوريا العرش, في العام 1897, وهي قصيدة سرعان ما أصبحت نشيداً وطنياً يُتلى في المدارس. ومنها ايضاً قصائد عديدة تجسد "أرض الله", ارض الأمم الخمس, كل امة على حدة وكل الأمم مجتمعة, باعتبارها ارقى ما وصلت اليه الانسانية. غير ان هذه القصائد في المجموعة لا تعتبر, عادة, اجمل ما فيها... ذلك ان كبلنغ كان شاعراً وكاتباً حقيقياً ايضاً, وكان على علاقة بالطبيعة, ربما تفوق في أهميتها لديه, علاقته بالأمة البريطانية. ومن هنا نجد في المجموعة نفسها قصائد رائعة الجمال تتغنى بالبحر الهادئ او العاتي وبألوانه وبسفنه وبالبحارة الذين يمخرون البحر على متون تلك السفن. وقصائد تمجد الارض الخضراء, والوديان الخصبة. ولكن دائماً ضمن اطار الأمم الخمس, بشكل يبدو معه كبلنغ وكأنه ترك لرواياته الاخرى حق التغني بأراضي وبحار وأدغال وطبيعة امم الآخرين, سواء أكانوا ملونين او غير ملونين.

حتى من قبل صدور هذه المجموعة, ومنذ الزمن الذي نشرت فيه قصائدها واحدة تلو الاخرى, جرى العرف على اعتبار رديارد كبلنغ شاعر الامبريالية والامبراطورية البريطانية من دون منازع. والرجل كان صادقاً على اي حال في مشاعره... تشي بذلك اجواء قصائده ولغتها, وامتلاؤها بالشغف العميق الذي زاد من حدته استخدام الشاعر اوزاناً وبحوراً شعرية تشي دائماً بالفخامة والعظمة, ناهيك باستعارته, في بعض القصائد, ما تيسّر له من اشكال وصور مستقاة مباشرة من الكتاب المقدس. وكل هذا من اجل التعبير عن مواقف لا يستهان بما فيها من دوغمائية ومن نزعة استفزازية سجالية.

والحال ان هذا ما كان عليه دأب رديارد كبلنغ (1865-1936) دائماً, حتى وان كان عموم القراء قد توقفوا اكثر عند جمال اسلوبه وقدرته الفائقة على الحكي: حكي المغامرات, وحكي احوال الطبيعة, وكذلك حكي أحوال الشخصيات التي ملأت أعماله.

بقي ان نذكر ان كبلنغ ولد في بومباي من أب مدرّس للفنون الجميلة وأم ابنة قسيس. كان في السادسة حين نقله أبواه الى إنكلترا لكي يتعلم الإنكليزية هو الذي كان يتقن الهندوسية اكثر من لغة أجداده في طفولته. وهكذا, عاد الى وطنه, حيث عاش وكتب طوال حياته, منطلقاً في رحلات قادته الى بلدان عدة عبر عنها في كتبه.

 

إبراهيم العريس - الحياة - 08.01.2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri