باب
مفتوح علي شعر الطبيعة

فيليب سولرز
بالنسبة
لي، الابيقورية فكر الحرية الكبرى. ابيقور المفكر المناهض للعقيدة،
الذي عظمه لوكريس كأول يوناني تحدي الآلهة. هذا التعليم، الوحيد،
هوجم في كل مكان. يتبدي لي أنه من المهم التأكيد، في الحال،
علي التحريف، علي الرفض، إذ أن هذا الفكر موضوع، علي مستوي النبذ،
عالمي وثابت، خاضع لها وذو جوهر ديني. وكما أثبت الجميع اليوم،
إبيقور معاصر الي أبعد حد.
هذا
التدوين الابيقوري، الغريب، يمد الموت بالكلام، عبر الناووس،
وحيث دونت في بداية كتابي: 'حفل في البندقية' 'لم أكن، كنت،
لست حاضرا، لا أهتم أبدا'. انه نقد لجميع التصورات الدينية التي
تجعل من الموت ركيزتها الكبرى في التدخل. هي ذي الحجة التي هوجمت
هذه الفلسفة بسببها، وشبهت 'بزريبة خنازير'، ورفضت بعنف علي
أساس أنها تجمع لأفراد أحرار، لا اجتماعيين... حدث تكوين أوضاع
الانعزال، المثالية، اللا اجتماعية، يعتبر تجديفا مؤسسيا. لذا،
في كل مرة، من الضروري إخضاع إنكار الاكليروس، الديني والفلسفي
حتى أن افلاطون اراد تدمير جميع نتاجات الديمقراطية..
هذه
البيوريتانية الخرقاء تتجه نحو معني التثمين المجرد للجنسانية،
عن معني دفعه/ طرده اكلي، والوضعان متماثلان. الابيقورية فكر
الحرية الذي يسمح بالتخلص من هذين المعنيين المتطرفين: إبيقور
نقيض البورنوغرافية الدعائية، وكذا النفوذ المخرب، العصابي،
علي الجسد، التأكيد علي اللذة بدون افراط وعلي حدث أن الفكر
مصاحب بتحقيق طبيعي ضروري، بما اننا نحيا، اليوم، 'إفراغا زاعقا'،
'استهلاك الأجساد'. هناك شيء ما في الإنسانية التي ترشح رد 'الإشارة'
الي اللذة: وضع المعاناة، الإحباط، الكآبة، النفسانية... ألخ.
في
الجوهر، الابيقورية فكر يجب أن يظل حرا. مع أنها ديموقراطية،
مفتوحة علي الجميع، علي النساء تحديدا، تتبدي، بالمفارقة، فكر
ارستقراطي، وبالتالي في خطر. لا اعتقد أن هناك مجتمعا مؤسسا
علي الفكر الابيقتوري دائما، أثار الخوف، ولذلك اليوم نتحدث
عنه. علي عكس ما يقال، انه فكر صعب، يحرك ما يستطيع أو لا يستطيع
أن يحققه الجسد الإنساني. هنا، أحب أن أستشهد بسبينوزا 'من يمتلك
جسدا حريا بأكبر عدد من الحركات، يمتلك روحا أبدية'.
سؤال
الموت جوهري: الموت ليس أي شيء بالمعني المعاصر 'للعنيف' الرافض
للموت. لا يتأسس فكر ابيتور علي هذه العدمية: من الجلي القول
ان الموت لا يأتي عند التفكير فيه بدون انقطاع لأبعد هذا من
قبيل، الرفض أو الإنكار: علي العكس، من هنا تستطيع اللذة، بما
أنها عنصر الفكر نفسه، أن تجد تساوقها. هكذا، ترتفع اللذة علي
جوهر عدم ثبات الوجود. لذا الحياة قصيرة، الحديقة افضل من جميع
الأماكن الأخرى.. هناك من (مع) ومن (ضد) الحدائق... هذا الفكر
حديقة مفتوحة علي الشعر العظيم، شعر الطبيعة الذي عاملا علي
التخلص من إنسان الذعر وحجب الكذبة الاجتماعية في جذورها نفسها
علي صلة بمؤسسة الترويع الدائمة.
الأبيقورية..
فلسفة الحرية
للفنان:
ألفونس موخا
أن
تكون ابيقوريا، لا يعني فقط أنك تعد اللذة مبدأ وعاقبة السعادة،
وانما أيضا رغبة أن تكون حرا، مثلما قال ابيقور، بصدد حديثه
عن الاكتفاء الذاتي لدي الحكيم، 'ثمرة الاكتفاء الذاتي الأكثر
أهمية هي الحرية'. (حكمة فاتيكانية، 77). لانستطيع ان نسيطر
إلا علي مايتعلق بناء لانثابر، ليس علي النضال ضد القوي التي
تتجاوزنا، وإنما علي إحباط أوهامنا:الوهم وخشية العقابات الادهية،
الوهم بالحزن علي موتنا، أو أيضا الوهم الذي ينتج الحب العاطفي
والاستحواذي، الذي يجعلنا نتخلي عن رغبات الذات العاشقة ورغبات
الذات العاشقة لصورتها. إذا، من الضروري العمل علي السيطرة،
داخليا، علي كل ما هو قابل لسلبنا وكل ما هو قابل لكي يسلبنا
أرادتنا.
ومع
ذلك، ما الذي يجعلنا نعتقد بالقدر كقدرة تعرقل حريتنا وترفض
آخر الأمر بسخرية نياتنا وارادتنا؟ نقول بطيبة خاطر 'انه القدر'.
آنذاك، نسعي إلي أن نملأ فراغ الشروحات، كأن هذا الغياب، غياب
البراهين غير محتمل، كارثي، مرعب في الحقيقة، وكأن التمسك بالقدر
يقوينا، آمان زائف، هكذا صرح لوكريس، ذلك الذي يري جيدا النزعة
الإنسانية العتيقة نحو الآلهة للوقوف برسوخ أمام الغامض: 'استعانة
(القدماء) بالآلهة هي اذا، الاتكال عليهم والخضوع لأدني إشارة
منها'.
(لوكريس،
عن طبيعة أشياء، الجزء الخامس، 11861187). في الحقيقة، بدلا
من التحرر، تتقيد الانسانية، بفعل الخرافة والشفقة/ الرثاء الزائف،
أي بالنظر الي الروح الساكنة' (1203). حينما صرح، بتعابيره،
عن سلام الروح، صدم قراءه بعنف. في الواقع، تحيا العصور القديمة
مع القدر والصورة التي تتغذي بوفرة علي أشكال الميثولوجيا اليونانية
الكبيرة. الابيقوريون، بعد المأساويات، أوضحوا أن هذا التمثل
للقدر غير محتمل بحيث انه يغتصب مسئولياتنا وينكر الوضعية المأساوية:
نحن نحيا تحت سلطان القدر والمسئوليات في آن معا. هكذا، في:
'آجاممنون' لاخيلوس، كل شيء خاضع لسيطرة القدر القاسي، حتي أن
أجاممنون يقرر التضحية بابنته ايفجيني لكي تكون الرياح مواتية
للأسطول اليوناني الذي يتجهز ضد تروا TROI: 'إذا كانت هذه التضحية،
هذا الدم البتولي يصفد الرياح، بحدة، حدة كبيرة، نتمناه بلا
جريمة. فليأت بسلامنا!'. (214 217). من ناحيته، لم يرلوكريس
شيئا اخر، عما يجبر آجاممنون علي الفعل، سوي أكاذيب الاعتقاد
(عن طبيعة الأشياء، القسم الأول، 101).
مع
ذلك، عرفت الحرية الابيقورية عدوا غير القدر التقليدي: جملة
الاكراهات الطبيعية التي نخضع لها، 'قدر الطبيعيين' (ابيقور،
خطاب الي مينيسه، 134)، أو أيضا 'الضرورة' (أنا نكيه). مفارقا،
عقيدة ابيقورليست فقط العقيدة التي تنفي التدخل العلوي في تنظيم
العالم ومجري الأحداث، وانما أيضا تلك التي استلهمت المباديء
الكبري لفلسفتها الطبيعية، يتعلق الأمر بطبيعة الديموقراطية
(بين 460 ق. م و360 ق.م). تشرح جميع الظواهر خلال الحركات ولقاءات
الذرة في الفراغ الذي يفصل بين هذه الذرات. روج الابيقوريون
لفكرة أن أفعالنا محددة بآلية ذرية دقيقة، أي بحتمية طبيعية،
لن تمكننا من تصور النشاط المختار بملء حريتنا، ولن تساعدنا
علي ايجاد بيان المسئولية. الضرورة تقوض الأخلاق، تقلق روحنا
وتنتج شقاءنا.
إذا،
اجتهد الابيقوريون في اظهار الضرورة تفوض الأخلاق، تقلق روحنا
وننتة شقاءنا.
اذا،
اجتهد الابيقوريون في اظهار الضرورة الطبيعية، بالرغم من كونها
حقيقية نحن مركبات ذرية، خاضعة لآثار ميكانيكية، وروحنا أيضا
آلية ليست قادرة. لوكريس، ضد القدر التقليدي، ضد قدر الفلاسفة
الرواقيين(1) وضد الضرورة الديموقراطية.. كشف، بوضوح، أن هناك
مبدأ الحركة الحرة، في الطبيعة، 'الذي يحطم قوانين القدر'. هذا
المبدأ هو 'الكلينامين' CINAMEN الانحراف الذري (عن طبيعة الأشياء،
القسم الثاني، 216293). في الواقع، لاتكتفي الذرات بالسقوط
في خط مستقيم، محملة بثقلها الي اللانهائي، بدون أن تتنافس ابدا،
ولايستطيع أي عالم وأي جسد أن يتكون بالتالي. إذا، 'مطر' الذرات
معاكس بفعل انحراف طفيف لمحركها. هذا الانحراف تطور صدفوي يدرج
تصدعا في الترابط الآلي للأسباب. إذا، ينكر المبادرة المتعمدة،
المسعى الارادي، إذ أنه يفترض أننا غير محددين، بالكامل، بالوضع
السابق للمادة تطرح هذه العقيدة مشاكل التأويل ومعبر الظاهرة
الطبيعية للانحراف إلي آثاره السيكولوجية والاشكالية. بيد أنها
تبدد مشكلة الحتمية بأدراجها في طبيعة مبدأ الغموض النسبي. وبما
أنها تخلق شيئا من اللعبة الوظيفية في الآلية الوظيفية، تخلي
مكانا للفعل الحر.
ومع
ذلك، لم يكن ما سبق الحجج الوحيدة التي وجهها الأبيقوريون الي
الحتمية، ابيقور، نفسه، قابلها بحجة حاذقة وقوية، تكشف أن الحتمية
الطبيعية تدحض نفسها بنفسها 'كل من يقول أن كل شيء يتأني بمقتضى
الضرورة لم يلم من قال أن كل شيء لا يأتي بمقتضى الضرورة، لأنه
قال انه (هذا لتأكيد الأخيرة) يأتي بمقتضى الضرورة '(حكمة فاتيكانية،
40). يجب ان تفهم الحجة علي مستويين: في المقام الأول، تعني
من وجهة نظر الحتمية ذاتها، بالرغم من جسدها المدافع، الوضع
النقيض للحتمية وضع مبرر، في المقياس الذي يري الوجود نفسه وحقيقة
العرض الذي يعبر عنها ضرورين. اذا، يترجم التأكيد وضع الحتمية
الضروري.. اذا، هي ضرورية. في المقام الثاني، تتموضع الحجة علي
مقدمة منطقية ضمنية بحيث أن الحتمية تؤكد علي أطروحة تضطلع بحقيقة
الأطروحة التي تثبتها: من الضروري أن تضطلع الحتمية، شخصيا،
باطروحتها (أ) لكي تستطيع تدعيمها ودحض المدافعين عن الأطروحة
النقيضة (لا P).
مع
ذلك، لكي يستطيع ان يدحض اطروحته النقيضة، يفترض أن كل فرد مسئول
ذاتيا، مما يجعله يقبل 'ان كل شيء لا يأتي بمقتضى الضرورة'،
بالنظر الي 'اللا ' منذ ذاك، تدحض الحتمية ذاتها لأنها تضطلع
ب'P' و'لا P' في آن معا. هكذا، قضي علي الحتمية بواسطة ضرب من
'مبدأ السلطة' كل إنسان مؤلف أو مسئول عن أقواله وأفعاله،
الذي كان شرطا من شروط كل نقاش برهاني، وأيضا كل تقييم للمسئولية.
إذا،
للحجة وجه إيجابي: بإسناد مبدأ السلطة إلي 'الحتمي'، وضع الحرية
قبالة كل حركاتنا الإرادية، قبل أن نستطيع قياس أثارها وأن نطرح
أسبابها. منذ ذاك، التفكير جوهريا فعل حر، حتى أن فعل التفكير
أو الفعل، في ذاته، تأكيد ومظهر لحريتنا، فضلا عن محتوي الفكر
أو القيمة الأخلاقية للفعل، نفي الحرية، أي نفي الوضوح، مما
لايعد خطيئة أخلاقية فقط، وانما أيضا، بالنسبة للابيقوري الخطأ
الأكبر لما يمكن ان نقترفه.
نخطئ
لما نضع الأبيقورية مقابل إثبات الحرية، تحت ذريعة أنها مادية
آلية من جهة، يعد الإبيقوريون آلية حاذقة تخلي مكانها للصدفوية،
من جهة أخرى، لايطرحون أسئلة علي هذه المصطلحات. لا تعتبر المشكلة
الابيقورية اثبات الحرية وانما السماح باختبارها، بتحرير الرغبات
التافهة، والرعب الذي لايمتلك أي أساس، والخرافات أو ثقل القيود
الاجتماعية لا تتبدي الرغبة الابيقورية للحرية لحلم بعيدا أو
كمثالية خيالية، لأننا، حقيقة، أحرار.
(1)
الفلسفة الرواقية، نسبة إلي 'الرواق' الذي كان يجتمع فيه أتباع
زينون، وهي فلسفة تقول بأن كل شيء في الطبيعة إنما يقع بالعقل
الكلي ويقبل مفاعيل القدر طوعا (م).
بيار-ماري
موريل
ترجمة: أحمد عثمان
عن
مجلة مجازين ليترير، والمقالان من ملف العدد عن الابيقورية
أخبار
الأدب - 11.01.2004