كتابة
الشعر تشبه الصراخ في الحمام

الشاعر
الإنجليزي سايمون أرميتاج يمزج بين الثقافة الشبابية والجدية
أثار
الشاعر الإنجليزي سايمون أرميتاج مسألة طالما طرحت على بساط
البحث في مضمار الكتابة الشعرية. فنظرا لعدد جمهور الشعر المحدود
نسبيا قياسا على الأنواع الأدبية الأخرى ولا سيما الرواية, قارن
أرميتاج كتابة الشعر بالصراخ في الحمام. ومن الطبيعي أن يطرح
أي شاعر "سليم العقل" السؤال عينه, ومن الطبيعي أيضا أن يغض
أي شاعر جدي النظر عن هذه المسألة, كما فعل أرميتاج, إيمانا
منه بأن الشعر يريد أن يكتب, سواء أحب الشاعر ذلك أم كرهه, وسواء
من أجل ملايين أم من أجل رجلين وكلب.
منذ
القدم, ضرب الشعر عرض الحائط بمفهومي النجاح والفشل كما يفهمهما
معظم الناس.. وقد كتب الشاعر والناقد الأمريكي ويستان أودن في
وصف الشعر: "إنه يبقى, طريقة لقول الأشياء.. يبقى فما". و"طريقة"
أرميتاج في "قول الأشياء" لاقت صدى فوريا لدى القراء منذ أن
أصدر الشاعر ديوانه الأول في عام 1989 وقد جمع في هذه المجموعة
الأولى بين البلاغة والسلاسة في الأسلوب, والغنى في المفردات,
والعمق في الموضوع, والواقعية في معالجة القضايا التي تعبر عن
شواغل العصر. وهكذا, جاءت كتاباته متحررة, مملوءة بروح الفكاهة,
مدركة الطبقات الاجتماعية من دون أن تسمح لهذه الطبقات بتكبيلها,
قادرة على المزج بين الثقافة الشبابية والجدية.
ولد
أرميتاج في مقاطعة يوركشاير, الأرض الخصبة التي طالما أخرجت
مواهب شعرية, مثل الشاعرين الإنجليزيين المعروفين تيد هيوز وطوني
هاريسون. ولاشك أن هذين الأخيرين كانا سيشعراننا بالفخر إذا
علمنا بأن أرضهما أنجبت شاعرا يعد وفقا لمقاييس كثيرة, امتدادا
لهما, أو بالأحرى متأثرا بهما. يقول سايمون أرميتاج في قصيدة
"لحظات رياضية عظيمة" (الأغنياء أحبهم! وأثق بهم على ما يبدو
إنهم يتمتعون بموهبة أصيلة في رياضة التنس. هؤلاء الشباب المقبلون
من الشاطئ بكامل عدتهم.. من العيون الكهربائية وحتى كراسي الحكم..
مثل ذلك الذي انهلت على مؤخرته بأربع صفعات قوية".
في
قصيدة أخرى حملت عنوان "سطور ربما كتبت عشية إعدام محارب تم
وقفه" يشبه الشاعر عهد ما رغريت تاتشر بعهد إليزابيثي جديد,
تتحمل تبعاته معارضة عاجزة عن القيام بثورة. يقول: "يا أصحاب,
إذا احترقنا لن ترشّ علينا أي قطرة ماء, وإذا غرقنا لن تفك حزامها
أو شريط حذائها أو تمد يدا للمساعدة".
كتب
أرميتاج مختلف أنواع القصائد, فتطرق من خلال أشعاره إلى الحب
والوجدانيات والاعترافات والقصائد السردية التي يطغى عليها جو
العنف, الأمر الذي جعل له مكانة بين شعراء عصره. وما زاد في
شعبية الشاعر, قدرته على التوليف بين جدية القضايا المطروحة
من جهة, والموسيقى التي تزخر بها جمله الشعرية من جهة أخرى,
والتي تجعل قصائد أرميتاج, على الرغم من غرابتها, تعلق في أذهان
القراء, فتصبح بمثابة أصداء لا تنفك ذاكرتهم ترجعها. فعلى سبيل
المثال, في قصيدة "كتاب التوافقات" (1993) يتطرق إلى موضوع قل
أن يخطر على بال الشعراء, ألا وهو النظر إلى تفاصيل الجسم البشري
بعين الطبيب أو العالم البيولوجي. يقول: " المواد الهلامية,
والأنابيب, وأي شراب أو مادة لاصقة.. شبكة الأعصاب والأوردة,
وكتلة الدماغ.. مجموعة متناسقة من الحشوات والقطب والجروح..
والدم الذي يشبه تماما جالونا مملوءا بحساء العنبية.. وهيكل
القفص الصدري وكاتدرائية العظام.. كل هذا ولكن ليس القلب, فليتركوه
وشأنه". ويبدو الشاعر في هذه القصيدة متأثرا بقصيدة "الغراب"
لتيد هيوز. وفي الواقع, ليس من المستغرب أن يتأثر أرميتاج بـ"مواطنه"
الشاعر. قصائد هذا الأخير هي التي أيقظت خياله الشعري منذ الصغر.
على
مدى 12 عاما, كتب أرميتاج على الأقل "دزينة" قصائد ما زال الناس
يرغبون بقراءتها وإعادتها, الأمر الذي يدفعنا إلى توقع الكثير
من شاعر يوركشاير, وإلى ترقب إبداعاته المستقبلية بكل ثقة.
بيروت:
حسين نصر الله