شاعرية
الغياب
لا
يحتاج القارئ الذكي والفطن إلى كبير جهد لكي يستنتج آن الشعر،
كما الفن في وجه عام، يتحلق حول الخسارة لا الربح، والحزن لا
الفرح، والهزيمة لا الانتصار. كما انه يحتفل بالغياب اكثر من
الحضور، والتخيل اكثر من الواقع المتحقق. ومن يقرأ الشعر العربي
في مراحله كافة، يكتشف ان الحطب الحقيقي الذي يلهب أتون هذا
الشعر ويذكي نيرانه المتجددة هو الرحيل والفراق والقلق والخسارة
وليس الطمأنينة والفرح في آي حال من الأحوال. انه لأمر لافت
بالفعل ان يصبح الشعر من بين سائر الفنون والعلوم علامة العرب
الفارقة وديوانهم الوحيد والأكثر جمالا حتى في تلك الأزمنة الغابرة
التي توزعوا خلالها شيعاً وقبائل متناحرة على رمال العطش والموت.
كان لا بد بالنسبة إليهم آن يجدوا عزاءهم الرمزي وفردوسهم المتوهم
والمنشود وسط القلق والخوف والرحيل المتواصل.
كان
المكان عند العربي أشبه بالفندق آو النزل المؤقت الذي يقيم البدوي
في كنفه بعضا من الوقت قبل ان يستسلم للنداءات البعيدة الآتية
من جهة المياه والاعشاب والنخيل الملوّح بالايدي من وراء الكثبان.
ولأنه قابل في اي لحظة للتحول الى طلل فقد كان كل منزل ينزله
البدوي مشروعا للقصائد والمقطوعات التي تسترجع تفاصيل العيش
ونثاره بقدر ما تسترجع ذكرى الأحبة الغاربين. وحده الشعر كان
يردم المسافة بين حاضر العيش وماضيه ويحتل الأماكن التي احتلتها
الأيام وجعلتها اثراً بعد عين. وحده يصل ما انقطع بين حقب العمر
وعقوده المتباعدة. وكما ينقل النحل اللقاح من زهرة الى زهرة
فقد كانت اقل نسمة ريح كافية لانعاش ذاكرة البدوي وايقاظ الاطياف
الراقدة من سباتها العميق. لذا احتلت رياح الصبا او الشمال مكانتها
المميزة بالنسبة إلى الشعراء المنتظرين وسط تلك المساحة القاسية
من اللهيب والخوف والصمت أول رسالة تحملها الريح أول تلويحه
تشير بيدها إلى فراديس الزمن الضائعة.
ربما
كان العرب شعراء بامتياز لأن ما تعذر تحقيقه بالنسبة إليهم كان
اكثر بكثير مما انجزوه. وكان الشعر وحده قادرا على اجتياز المسافة
الفاصلة بين الممكن والمحلوم به. تلك المسافة المتعذر اجتيازها
كانت توضع دائما في عهدة اللغة وتتكفلها القصيدة او الأرجوزة.
لقد
شكل المجاز مصبّ الشعر ومادته وسقفه في حين ظلت الحقيقة مقتصرة
على النثر بأنماطه وتعبيراته كافة. وفي لحظات الفرح او الانتصار
او تحقيق الحلم لا يعود للشعر ما يفعله لأن ما شده وسعى إليه
بات حقيقة واقعة، اي خارج صلاحية الشعر ونطاقه. كلاهما، الموت
والفراق، دفع الشعر إلى تخومه القصوى لأنهما سمحا للغة بأن تتغذى
من مادة مشحونة بالضعف والحنين او الحزن والانكسار. كل منهما
يحوّل الشخص المعني أسطورة أو كرة ثلج لا تكف عن التدحرج والاتساع
كلما أوغلت في الزمن.
لعل
قصائد الرثاء والحب، وبخاصة في شقه العذري، من أجمل ما تمخض
عنه وجدان الشاعر العربي الواقف باستمرار على شفير الخسارة والفقد.
ففي الجانب الأول، وهو الرثاء، تتسع المسافة بين الراثي والمرثي
بما يكفي لتحويل القصيدة حداء شجياً على طريق الغياب الكامل.
ولأن ليس ثمة من احتمال للعودة او الى فتح الأبواب بين الضفتين،
يجد الشاعر نفسه محاطاً بالأسئلة الممضية والهذيان الاحتجاجي
والبحث العقيم عما لا يمكن استعادته. ان لحظة الموت بما هي التصعيد
الأكثر ضراوة للمشاعر والرغبات المستحيلة تدفع الشعر بدورها
الى ذراه الأخيرة وتضعه في المهب الموصل الى الغناء والاحتجاج
الصريح على جحيمية العالم وعدميته. ومن يستعيد رثاء الخنساء
لأخيها صخر وابن الرومي لولده الأوسط والمتنبي لجدته أو لخولة
أخت سيف الدولة، تبتسم الروائح الفردوسية للغة والمذاق العابق
بالصدق والاندفاع التلقائي رغم قسوة الموضوع ومرارته.
وكما
يترك الموت مسافة للترجيع والمناداة البعيدة والمتعذرة الوصول،
كذلك يفعل الفراق، وبخاصة فراق المرأة - الحبيبة. فالفراق هو
الذي يُخرج صورة الأنثى من ملموسيتها الظاهرة ويحولها معبودة
او حلماً او مثالاً. كأنها بغيابها المستمر تكتسب صفات الشعر
نفسه وتتلألأ في سراب يشبه الماء ولا يسترده. لهذا لاحظ أحد
النقاد أن نساء الشعراء هم أجمل في القصيدة منهن على الأرض لأن
الغياب يكسوهن بسحر المتخيل ويخرجهن من الحقيقة إلى المجاز.
لكن اللافت والمحيّر أن أياً من النساء المشار إليهن لم تكن
زوجة لأي من الشعراء بل حبيبته الممتنعة او المتوارية. ورغم
أن جرير لم يكن يقف في مقام التغزل بزوجته بل في مقام التأبين
والرثاء بعد موتها فهو لم يستطع مقاومة شعور داهم بالحياء والخجل
فكأن ما يقوم به فعلة لا يقدم عليها أحد سواه!.
شوقي
بزيع - ملحق النهار - 21.12.2003