العنف
الجنسي الكولونيالي في

المغرب
العربي
في
الوقت الذي يعاد فيه تركيب سوق الجنس، وسعي النساء المناضلات
إدراج بنت الشارع في مجموع العنف الذي تتعرض له المرأة، يعاد
بناء تاريخ البغاء على أسس راديكالية جديدة. ان توضيح تعدد أشكال
ووظائف قابلية البيع والشراء للجنس، وتنوع السياسات المنهجية
على هذا الصعيد أيضاً، تفرض علينا التخلي عن الرؤية الجامدة
قليلاً عن عالم البغاء المستقر نسبياً.
فالخطابات
المتخصصة الحديثة التي تتحدث عن "أقدم مهنة في العالم"، هي خطابات
مسكونة بالرؤية الأغسطينية عن الإثم الضروري، نجدها اليوم تترك
المكان لتفكير أكثر عمقاً يقود الى اعتبار نوعية الخدمات المعروضة
للبيع والشراء كعنصر محدد في الثقافة الجنسية.
وفي
الواقع، ما هو القاسم المشترك بين الإباحية وبنت الهوى الإغريقية،
بين "البغي" التي تسحر فلوبير والراقصة المغنية من الامبراطورية
العثمانية، بين العاهرة التي ذكرها بلزاك والبنت الخاضعة الموصوفة
من قبل بارينت ـ دوشاتيليت، بين الفتاة التي تدعى هاتفياً للمنادمة
وبنت الشوارع؟ ان تنوع السياقات التاريخية، والأحوال الشخصية
للمرأة، والوظائف، والأوضاع والأماكن هي من الأهمية بمكان لدارس
تاريخ المرأة العاهرة، إذا أراد تجنب المفارقة التاريخية، إذ
أنه لا يمكنه أن يكتفي ببعض التحاليل المقترفة بالسخط الصارم
أو الهزء الاستعادي.
في
بداية القرن التاسع عشر، تهيأ ثم ثقل وانتشر تنظيم البغاء. ولم
يكن هذا النظام الفرنسي، الذي يتضمن التسجيل، والمراقبة، والتحليل
الطبي، وجزئياً إبعاد البنات الخاضعات، إلا النتيجة المنطقية
للضوابط الجنسية الملقنة من قبل علم اللاهوت الأخلاقي منذ القرن
الخامس. ومع البغاء الكولونيالي تقدم كريستيل طارود تحليلاً
صارماً لآليات البغاء في المغرب العربي المستعمر. إنها تطيل
وتغني الأعمال الحديثة المخصصة للتنظيم ويكشف كتابها عن لوحة
واسعة عن البيعية ما قبل الاستعمار. ففي حدود 1830، يبحث المسافرون
الغربيون عن الملذات الشهوانية في شرق مصور في نظرهم، كفردوس
مسكون بالمعتزلات الجميلات الشهوانيات. انهم يكتشفون بذهول وتعجب
الضيافة الجنسية المطبقة في بعض القرى النائية، والملذات المقدمة
من قبل "عاهرات الخيام"، وإفراط الراقصات المغنيات المدينيات،
وهم ميالون الى اعتبار هذه السلوكيات كأشكال مبتذلة من البغاء.
غير
أنه سرعان ما فرض المستعمر تنظيماً راديكالياً لهذا البغاء.
في شمال افريقيا فرض الفرنسيون، الفصل، والتهميش، والتمركز للبنات.
وبينما يرفض الفرنسيون في المتروبول الأحياء المخصصة للبغاء،
تخلق الإدارة الاستعمارية في مدن المغرب العربي المستعمرة الرئيسية
أحياء مخصصة للبغاء. ففي مدينة الدار البيضاء، أصبح بوسبير مقصداً
إجبارياً للسائح المستعجل. فتايلورية الجنس تفرض بطريقة واضحة
في افريقيا. ويذكر الكتّاب الفرنسيون في روايات عدة كيف أن الفتيات
يخضعن لأكثر من ستين علاقة جنسية في اليوم، إضافة الى اصطفاف
الفتيات في الشارع. ومع ذلك يظهر لنا "النظام" الفرنسي سديماً
من الفتيات اللواتي يمارسن البغاء بشكل سري.
لقد
استطاعت الكاتبة أن تكشف الطريقة التي تتم بها إخضاع الفتيات
للسلطات الذكورية والكولونيالية في آن معاً، واللواتي يوصمن
بالعار جراء الانتهاكات المضاعفة. وهذه العاهرات المحتقرات باسم
القيم الأوروبية، وكذلك في أوساطهن الأصلية، حيث جسدن القطيعة
مع الالتزامات القرآنية، وبشكل أوسع مع التقاليد والقيم السائدة.
وخلال عقود من الزمن تعرّضت الراقصات المغنيات للمهانة. وهذه
الأخيرة ناجمة عن كولونيالية الشهوة الجنسية بوجه خاص، أي إفقار
المتخيّل الجنسي للغربيين الذين يتخلون عن استيهامات الاستشراق
لكي ينعطفوا نحو أنماط "المرأة البلدية" المشيدة من قبل مصوري
البطاقات البريدية ومراسلي صحف الإثارة.
وهكذا
يتحول الشرق المثالي شيئاً فشيئاً لدى السلطات العليا الى مكان
للفجور والعيب. فالشيء المحرّم يتحوّل الى شيء معروض. والمذهل
يترك المكان للتسفيل. فهذه الإثارة الجنسية الكولونيالية والسياحة
التي تجلبها تستهلكان إنحطاط راقصة أولادنايل. وسوف تظهر نساء
المغرب العربي من الآن فصاعداً كعاهرات بالقوة.
غير
أن هذه المغربيات يخلقن "ما تحت ثقافة فائضة". هذه "الكائنات
الهجينة"، هذه الشخصيات المفصلة "المسلمات المتكشفات، وفي بعض
الأحيان عاريات الصدر، وموشمات، وترتدين ثياباً على الطريقة
الأوروبية ولكنهن متعطرات ومتزيّنات على الطريقة الشرقية، هن
"ممثلات مفضلات لتوليفة مستجدة". وتعتقد كريستيل طارود أن هذه
الفتيات يتموقعن في حاجز بين شيئين يمكنهن من اللعب بين النظام
والفوضى، الحالة السوية والإنحراف، التقيّد والإبداع. إنهن يحافظن
على علامات من عالمهم الأصلي مع التمثّل في الوقت عينه عناصر
عدة عناصر من النموذج المعاكس الأجنبي.
ان
كتاب كريستيل طارود مثير للجدل، لأنه يتعرض بالتحليل لظاهرة
البغاء الكولونيالي الذي كانت تمارسه "بنات البلد" اللواتي أصبحن
مفتونات بشقرة العاهرات الأوروبيات المهاجرات الى المغرب العربي.
ويجد هذا التحليل مساندة من مناضلي جبهة التحرير الوطني الجزائرية
الذين يرفضون كل أشكال اللقاءات المسموحة للبغاء. وقد بررت تهمة
"التعاون الشهواني" بقصف بيوت البغاء، وقطع عنيف لمسار غني من
التهجين الذي يشكل المحرض القوي المكتشف من قبل كريستيل طارود.
الكتاب:
البغاء الكولونيالي (تونس، الجزائر، المغرب) 1830 ـ 1962
الكاتبة:
كريستيل طارود
الناشر:
بايوت ـ باريس، 2003
توفيق
المديني - المستقبل - الاربعاء 28 كانون الثاني 2004