البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 


أشعار جوته بالعربية

صمتا صمتا يا حبيبي.. قد يسمعنا أحد

يوهان فولفجانج فون جوته والعرب او جوته والاسلام، علاقة حميمة نشأت بين الأديب الألماني وأدب الشرق ثم تعلق بما حصل عليه من ترجمات لآيات القرآن الكريم، تأثر بها وبرزت في اشعاره التي يطلع عليها جيل من المثقفين العرب من خلال أعمال الترجمة التي صدر آخرها مؤخراً عن دار (الجمل) في برلين تحت عنوان (مختارات شعرية ونثرية) نقلها الى العربية ابو العيد دودو. حافظ جوته على الصمود أمام الزمن، وظل الى يومنا محتفظاً بقدرته على أن تصاحب اشعاره الزمن وتنفذ الى الأجيال المتعاقبة لا تؤثر الترجمة في خسارة رمز او معنى اشعاره، يتألق جوته مجدداً في الوقت الذي يجري فيه الاحتفاء بمرور 250 عاماً على ولادته (1749-1832) وتنضم باقة الترجمات الجديدة الى ديوانه (الديوان الشرقي الغربي) الذي نقل ايضاً الى العربية.
الحديث يدور حول كتاب (مختارات شعرية ونثرية) لجوته حيث عمد المترجم الى توزيع الاشعار التي اختارها لنا على أقسام حملت عناوين تفصح عن مضامين النصوص المختارة او اتجاهاتها في المختارات الشعرية تجد العناوين الآتية: أشعار الحب، بين الازهار، مع الطبيعة، مفارقات، قصائد قصصية، وفي المختارات النثرية نجد العناوين التالية: مواصلة مجموعة رسائل حديث عن الطبيعة، حكمة النفس.
لا تختلف النصوص النثرية عن النصوص الشعرية في كثافتها وفي انطوائها على تجارب غنية، تحتضن نزعة صوفية، نعم كان جوته متصوفاً، فترى العالم نظرة ثاقبة، تمزج بين الطبيعة والعقل والأحاسيس مزجاً يوحد بين الافكار والصور. كتاباته على أنواعها، تنطوي على مخزون ثقافي عميق وواسع، ولكن هذا المخزون لا يظهر بمظاهر من التنظير الجاف، بل يتوارى خلف صياغات مفعمة بالنور والحيوية، وجوته هو القائل في مسرحيته الشعرية الشهيرة (فاوست): النظريات كلها عتيقة بالية، واما شجرة الحياة فيانعة خضراء، وما فعله في كتاباته، الشعرية بخاصة، هو انه جعلها غضة متلألئة كأشجار الحياة، وان كان قد أودعها تجاربه الثقافية الغنية.
في كتاب (مختارات شعرية ونثرية)، نقرأ له قصيدة بعنوان: أنشودة الارواح فوق المياه وتبدأ بهذا المقطع: روح الانسان تشبه الماء يأتي من السماء ويصعد الى السماء ثم يعود من جديد الى الأرض على نحو مغاير دوما هذا المقطع يحتمل الكثير من التحليل، الذي من شأنه ان يكشف عن اشارات تتصل بنظريات عديدة حيال الطبيعة، والانسان، والروح، وغير ذلك ولكن القارئ يمكن ان يتلقاه خفيفاً ينم عن نكهة رومانسية وفي القصيدة نفسها نقرأ المقطع التالي: وما الريح الا عاشق لطيف يعشق الامواج، ويدفعها من القعر ثم ينهي قصيدته بهذا الكلام: لكم تشبهين الماء، يا روح الانسان ولكم تشبه الريح، يا قدر الانسان للطبيعة حضورها النابض المتألق في اشعار جوته، وهو لا يرى اليها كيانا منفصلاً عن ذاته او مشاعره، وانما يرى الى اسرارها بعين الشعر الذي يودعه اسرار نفسه، والتصوف في نظره هو الذي يجمع بين الشعر والفلسفة لأنه يتصدى في الوقت نفسه لأسرار الطبيعة اسرار العقل من اقوال جوته في المختارات النثرية ما يأتي: الشعر يدل على أسرار الطبيعة ويحاول حلها عن طريق الكلمة اما التصوف فيدل على اسرار الطبيعة واسرار العقل ويحاول حلها عن طريق الكلمة والصورة في قصيدة تحمل عنوان (حوار) يدعو جوته الى التأمل في الطبيعة على هذا النحو: عليكم من تأملكم للطبيعة ان تعتبروا الواحد ككل فلا شيء في الداخل ولا شيء في الخارج ما في الداخل هو في الخارج هكذا تدركون دون تأخير الأسرار المقدسة بوضوح ولتبتهجوا بالضوء الحقيقي واللعب الجاد فلا حي يعد واحدا كل واحد يعد كثرة من السهل ان نربط رؤى جوته، التي تتصف بالنافذ والشمولية، بتأثره بروح الشرق، وبالاسلام، بتلك النسمة المشرقية التي اشار اليها الفيلسوف هيجل في كلام له عن جوته أثبتته المستشرقة الألمانية كاتارينا مومزن في كتاب لها بعنوان (جوته والعالم العربي)، في هذا الكتاب حديث مسهب عن علاقة جوته بالشرق، ومن خلال تعرفه بالقرآن الكريم وبالشعر العربي الجاهلي خصوصاً وببعض الشعر الفارسي. النسمة المشرقية لها نفحات تهب في قصائد جوته وتبرز بوضوح في قصيدته (صرخة) يقول فيها: قبل برهة تسللت خلف حبيبتي دون ان يعترضني حاجز وضممتها بين ذراعي، فقالت: دعني، وإلا فإني سأصرخ فهددتها متحدياً اياها: أواه، سأقتل من يجرؤ على ازعاج خلوتنا فهمست وهي تومئ لي: صمتا صمتا، يا حبيبي، قد يسمعنا أحد.
جسدت كتابات جوته علاقة من التفاعل الحي بين ثقافتين، شرقية وغربية، وتوجه جوته نحو الشرق في سياق بحثه عن معرفة انسانية شاملة وعن معرفة ايمانية ايضاً. انه يقول في عمل آخر له: لا شيء اشد ايلاماً بالنسبة الي من ان اكون وحيداً في الجنة.
في المؤلف الجديد الذي صدر عن منشورات (الجمل) في برلين، مجموعة اشعار ونثر من اعمال هذا الأديب العظيم الذي استطاع ان يحلق بالشعر والفلسفة في أفق انساني فسيح.

بيرند روسله معهد جوته انترناسيونس

 

بيان الثقافة


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri