
الموت
بالتراضي
بريشة
فادي يازجي.
حين
نقلت جدتي لأمي الى احد مستشفيات صيدا عشية الاجتياح الاسرائيلي
للبنان عام 1982 كان عمرها يومذاك يناهز الخامسة والثمانين عاما
وكان جسدها يترنح تحت وطأة العديد من الامراض المزمنة. لم يكن
احد من ابنائها وبناتها واحفادها الكثر يتوقع لها ان تعيش اكثر
من شهر واحد بسبب ما آل اليه جسمها من هزال. وكان اكثر ما يؤلم
الجميع، والمجنزرات الاسرائيلية الزاحفة تتقدم مسرعة في اتجاه
الشمال، ان وضع المرأة الطاعنة في السن سيكون شديد الصعوبة وسط
ذلك المستشفى الذي يعج بعشرات الوافدين من مصابي الحرب وضحاياها
الكثر، وانها ستقضي نحبها وحيدة وغريبة عن ذريتها ومحيطها العائلي.
اما انا فقد كنت اعتقد لسبب غامض ان وداعي لها اثر بدء الاجتياح
لن يكون الوداع الاخير وان ما سيحول بيني وبين رؤيتها لن يكون
الموت على الارجح بل الظروف الناجمة عن الاحتلال.
غير
اني لم أشأ ان يكون اعتقادي ذاك مجرد استشعار حدسي او تفاؤل
ميتافيزيقي لا يجد ما يسنده على ارض الحقيقة العلمية. لذلك استعنت
بأحد الاطباء الموثوق بهم وطلبت اليه ان يجري لها فحوصا دقيقة
وان يدعها تتحدث بإسهاب عما تشعر به من اوجاع، وهكذا كان. وبعد
اكثر من ثلثي الساعة على المقابلة والفحوص، خرج الطبيب الصديق
وعلى وجهه الكثير من علامات الحيرة والاستغراب. ولفرط لهفتي
لمعرفة الوضع الحقيقي لجدتي العجوز بادرته بالسؤال: "كيف حالها
يا دكتور. هل ثمة امل ام ان المسألة ايام معدودة كما يقال؟".
تردد الطبيب قليلا قبل الاجابة ثم قال لي: "اسمع. انت صديق وسأكون
صريحا جدا معك. من الوجهة الطبية الصرفة عليك ان تودّع جدتك
الوداع الاخير لأن جسدها قد استهلك نفسه بما يكفي لأن تموت الآن
او بعد ايام على الأكثر. اما من الوجهة النفسية والمعنوية فان
لدى هذه المرأة من القوة والصلابة وعشق الحياة ما يمكّنها من
تحدي الموت وإبعاده لمدة لا تقل عن العشرين عاما". اردف الطبيب
يومها بأن للموت جانبا يتصل بنا نحن الاطباء من حيث رفضنا له
او قبولنا به. "فالموت غالبا ما يحضر بالتواطؤ مع الاطباء الذين
يفقدون شهيتهم للعيش اما جدتك فلن تموت على الارجح لأنها لا
تريد ان تموت". وهذا ما حدث بالفعل، اذ تمكنت جدتي بعد ذلك من
تجاوز حروب كثيرة ومتابعة اتفاق الطائف وصولا الى مطلع الالفية
الثالثة قبل ان تسلم الروح بارادتها عن مئة وثلاثة اعوام.
اردت
من هذه القصة الواقعية ان انفذ الى البعد الرمزي لموت الكتّاب
والشعراء والمفكرين العرب في السنوات الاخيرة. ليس فقط اولئك
الذين قضوا في العقد الاخير من القرن الفائت كعبدالله البردوني
ومحمد مهدي الجواهري ونزار قباني وعبد الوهاب البياتي بل اولئك
الذينن أخلدوا بوتيرة سريعة الى الصمت والغياب. فلم يحدث خلال
عام واحد ان تعرّض العالم العربي، الى هذا القدر من الخسارات
المتواصلة بدءا من احسان عباس ومحمد القيسي وادوارد سعيد مرورا
بمحمد شكري وفدوى طوقان وانتهاء بعبد الرحمن منيف. واذا كان
بعض هؤلاء الخلاّقين قد قضى بفعل الشيخوخة او التقدم في السن
فان بعضهم الآخر يغيب وهو في ذروة نضجه وخلقه وعطاءاته. هل هو
ضرب من ضروب الصدفة اذاً ان تفقد الامة في سنة واحدة من لم تكن
لتفقدهم في ظروف اخرى خلال عقدين من الزمن؟ وهل مات هؤلاء من
قوة الحياة في دواخلهم، كما ذكر البياتي في احدى قصائده الاخيرة،
ام من شح الحياة وغياب الامل وفقدان الجدوى؟
من
الصفات التي كانت تلصق بالموت دائما صفة الغدر. لكن هذه الصفة
لا تنطبق هذه المرة على عبد الرحمن منيف ولا على الكتّاب والخلاقين
الذين سبقوه الى حيث ذهب. الموت هذه المرة يجيء بالتراضي وليس
بالعسف او الاكراه. فصاحب "الاشجار واغتيال مرزوق" و"مدن الملح"
و"شرق المتوسط" لم يعد يجد ما يضيفه بعدما اطلق الصرخة حتى نهاياتها
واستنفد الجسد حتى قطرته الاخيرة. لم تكن كتابة عبد الرحمن منيف
تجميلا للواقع وتمويها للحقيقة وتدرباً على الانشاء بل توقيعا
باللحم والدم لشهادته الجريئة التي لم تعرف الممالأة والمحاباة
ولم تتستر على القتلة والسفاحين. في كتابة منيف لم يكن ثمة فارق
يُذكر بين الكاتب وموضوعه، بين صرير الحبر وصرير المشنقة، او
بين الذين هم داخل النص والذين خارجه. لم تكن الكتابة تلفيقا
من عمل الذهن او توفيقا ساذجا بين الخيارات المتعارضة بقدر ما
كانت ذهابا الى التخوم الاخيرة للاسئلة والعذابات. ابطاله دائما
محكومون بالجنون عشقا كما في "قصة حب مجوسية" او بالضياع والتيه
كما في "النهايات" او بالسجون والمنافي كما في سائر رواياته.
لقد
سبق للمتنبي ان اعتبر الموت "ضربا من القتل" في احد ابياته الشعرية
النبوئية. كأن شاعر العرب الاكبر كان يحدس قبل الف عام بموت
احفاده البعيدين في الزمن الذين ستقتلهم الخيبة والتصحر والبحث
العقيم عن فتات انتصار
شوقي
بزيع - ملحق النهار - 01.02.2004