البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

بورخيس ومارغريت يورسنار

يتذكران فيرجينيا وولف

بين قراء الكاتب الارجنتيني خورخي لويس بورخيس
(1899-1986) ليس هناك
سوى قلة ممن يهتمون بعمله كمترجم او دارس للترجمة. إن بورخيس ذاته نادرا ما كان يتحدث عن نفسه كمترجم. ومع ذلك فان شهرة مقالته «مترجمو ألف ليلة وليلة» المنشورة ضمن كتابه «تاريخ الابدية»، والتي عاين فيها فروق المقاربة الترجمية بين (لين) و(ماردروس) و(غالان) و(بورتن)، تعتبر درسا بليغا في النظر الى الترجمة كممارسة نسبية، متطورة وغير ثابتة، أو كترس يتوارى تحته النص الأصلي. أما ترجمتاه الى الاسبانية لكل من كافكا «المحاكمة» وهيرمان ميلفيل «المستكتب بارتلبي» فقد أشبعتا فضول القراء الناطقين بالاسبانية، وخاصة في الارجنتين وأمريكا اللاتينية، لفترة من الزمن، لكنهما سرعان ما كفتا عن الصدور، إما بايحاء من بورخيس ذاته، أو بسبب ظهور ترجمات أخرى أقرب الى روح ذينك النصين من ترجمته هو. إن ما يهمنا هنا هو الاشارة الى حدث مثير: ففيما كان بورخيس، في أواسط ثلاثينات القرن الماضي، يشتغل على ترجمة رواية «أورلاندو» (1928) لفيرجينيا وولف، كانت الكاتبة البلجيكية الاصل والامريكية الجنسية مارغريت يورسنار (1903-1987) عاكفة من جهتها على ترجمة رواية «الأمواج» (1931) لنفس الكاتبة، لكن الكاتبين لن يلتقيا ولن يتحدثا في هذا الشأن إلا قبل وقت وجيز من وفاتهما.
منذ نعومة أظافرها، اهتمت مارغريت يورسنار بمشهد الثقافة الانسانية على سعته وغناه، شأنها في ذلك شأن بورخيس: هكذا عكفت على دراسة الثقافتين اليونانية واللاتينية، كما اهتمت بمخيال الثقافات الهندية والصينية اليابانية، وبالقرون الوسطى وسحرتها ومحاربيها، وبعصر النهضة والانوار، فضلا عن اهتمامها بالعالم الاوروبي الحديث كما تجلى في مطالع القرن الماضي. لقد ماتت أمها بضعة أيام بعد ميلادها، فكفلها والدها الذي كان رجلا مثقفا ومغامرا، علمها عشق الكتب، واصطحبها معه للعيش في باريس، ثم في لندن، حيث زارا دون كلل كل المتاحف وقاعات العرض. وعندما بلغت العشرين من عمرها، سافرت الى ايطاليا لأول مرة، وأثناء زيارتها لـ«فيلا أدريانا» شرعت في تخيل احلام الامبراطور الذي سيغدو، ثلاثين سنة فيما بعد، محور «مذكرات ادريان» التي تعتبر أهم رواياتها على الاطلاق. إثر ذلك قررت مارغريت يورسنار الاستقرار في إحدى جزر ولاية (ماين) الامريكية، ومنذ ذلك الحين تواصل صدور كتبها الواحد تلو الآخر، الى أن قضت نحبها يوم 17 ديسمبر (كانون الاول) 1987، سنة واحدة وبضعة شهور بعد وفاة بورخيس
طيلة حياتها كانت مارغريت يورسنار تعتبر كاتبة وتعمل من اجل ذلك، لذا لم تكن تمارس الترجمة الا لأسباب اقتصادية قاهرة. لايعني ذلك انها كانت تقبل ترجمة كل ما يعرض عليها، بل العكس: كانت تختار نصوصها بعناية ودقة، إما بدافع تواطؤ ما مع كتابها (هنري جيمس، كونستانتين كفافيس، فيرجينيا وولف)، أو لكون نصوصهم قادرة على الاستقرار في مفهومها الخاص للترجمة، بما يعنيه ذلك من امكانية تجاوزها لحدود لغتها الاصلية، وسهولة استيطانها لغة اخرى هي العالم التخييلي للترجمة. إن هذا الفهم لدور الترجمة كاستيعاب لغة ضمن لغة اخرى والعواقب التي تنتج عن ذلك، هو ما حدا بمارغريت يورسنار، أثناء اشتغالها على رواية «الأمواج» لفيرجينيا وولف، الى السعي لملاقاة الكاتبة الانجليزية.
حدث ذلك يوم 23 فبراير (شباط) سنة 1937، أربع سنوات ونصف السنة قبل انتحار مؤلفة «الأمواج»، وست سنوات بعد صدور روايتها التي تتخذ موضوعا لها تدرج الزمن من الطفولة الى الشيخوخة.
كتبت وولف في «يومياتها»: «ليس لدي الوقت ولا المساحة الكافية لوصف المترجمة التي زارتني، ويكفي أن أقول ان بدلتها السوداء كانت موشاة مذهبة جميلة. يساورني الظن بأنها امرأة تخفي أمرا ما في ماضيها. إنها مثقفة، تقضي ستة أشهر من كل سنة في أثينا. شفتاها حمراوان، وهي تبدو جلدة صبورة مثل عاملة فرنسية. أظن أن اسمها هو السيدة أو الآنسة يونياك (?)، لا أدري بالضبط».
لم تكن فيرجينيا وولف تهتم بالترجمة، بما في ذلك ترجمة كتبها هي. ذلك ما يدل عليه انصرافها الكلي، في مقالاتها النقدية التي جمعت في كتاب «القارئ المشترك»، عن معالجة مسألة الترجمة، أو الإدلاء بوجهة نظرها فيها. مع ذلك، وأثناء اللقاء الموجز الذي جمع بين مارغريت يورسنار والكاتبة الانجليزية، لم تتردد هذه الاخيرة في التعبير عن رأيها بخصوص دور الترجمة بصفة عامة، وهو الرأي الذي سجلته مؤلفة «مذكرات أدريان» في احدى مقالاتها بعد مرور سنوات على ذلك اللقاء. وصفت يورسنار لقاءها بفيرجينيا وولف بكونه حدث في «صالون معتم، مضاء فقط بلهب المدفأة» وان الكاتبة كانت حينها مهمومة ومنشغلة بأمر ما. وبعد أن أبرزت أنها كانت تعتبر الكاتبة الانجليزية «احدى أربعة أو خمسة من أبرع كتاب اللغة الانجليزية» لاحظت أن وجهتي نظرهما حيال الترجمة والشأن الادبي بصفة عامة كانتا متناقضتين تمام التناقض. كانت يورسنار تريد معرفة ما اذا كانت فيرجينيا وولف تفضل أن تترجم الاحالات الى الأدب الانجليزي التي تتوفر عليها «الامواج» ترجمة حرفية، ام تؤثر تعويضها بإحالات أخرى مستمدة من تاريخ الادب الفرنسي. بدا الانزعاج على وجه الكاتبة الانجليزية التي ألحت على كون لغة الكاتب يجب أن تكون كافية بذاتها، وأن هذا الوضع ينبغي أن تعكسه الترجمة. بعد ذلك أردفت بان الترجمة ليست سوى أداة تساعد على التعريف ببعض القصص أو الروايات الاجنبية، وأن عليها أن تراعي دائما، أثناء العبور من النص المصدر الى النص الهدف، وجهة نظر قارئ النص الاصلي، وليس النص المترجم.
لماذا لم تشر فيرجينيا وولف، في وصفها للقائها بمارغريت يورسنار (وهو الوصف الذي دونته حينا في «يومياتها»)، الى ما دار بينهما من حديث حول الترجمة؟ ولماذا اهتمت الكاتبة البلجيكية الاصل بتدوين ذلك، لكن بعد مرور سنوات عديدة؟ انه من المحتمل الظن ان يكون تصورهما المتباين، واستحضارهما الآني والمتأخر، لذكرياتهما عن لحظة اللقاء دالا على ماهو أعمق من ذلك: رؤيتهما المختلفة للشيء الادبي في ذاته، وعلاقته بالحدود، والتخييل، والتاريخ، والثقافات الاخرى. ألم تكن فيرجينيا وولف أسيرة جزيرتها حسب بورخيس؟
يبدو أن قراء مارغريت يورسنار يؤثرون التغاضي عن كونها مترجمة، ويفضلون اعتبارها كاتبة كلاسيكية بالمعنى الحقيقي للكلمة، خاصة أن مؤلفاتها أخذت في الصدور ضمن سلسلة «لا بلياد» ذائعة الصيت، التي تعتبر في فرنسا التكريس الاسمى للكاتب، وان بيتها في احدى جزر (ماين) الامريكية غدا متحفا، وقبلة للزائرين. لكن التكريس الحقيقي في اعتباري إنما تجلى أساسا في عزم بورخيس ادراج كاتبها «قصص شرقية»، الذي ضم سرودا مستوحاة من الثقافتين الصينية واليابانية، ضمن سلسلة الكتب التي تشكل «مكتبته الشخصية»، وهو الامر الذي تعذر انجازه بسبب مشاكل حقوق النشر. وكانت احدى دور النشر الارجنتينية قد اقترحت على بورخيس، في سنة 1984، انتقاء 100 كتاب من الكتب التي يعتبر أنها اثرت في تكوينه، وذلك قصد اصدارها في سلسلة خاصة، على ان يقوم هو بكتابة مقدماتها. لكن المنية لم تلبث ان عاجلت الكاتب، فلم يصدر من السلسلة المذكورة سوى 66 كتابا.
كانت مارغريت يورسنار من جيل الكاتب الارجنتيني، كما كانت معجبة به اعجابا شديدا، وهو امر ليس بالمستغرب تماما اذا ادركنا ان مكتبتيهما المتخيلتين كانتا تتقاسمان غالبية الكتب، وأن اهتماماتهما الثقافية كانت شاسعة، تتسع لعصور وثقافات تمتد من الماضي الى الحاضر، ومن الغرب الى حضارات الشرق الاقصى. لكن حدث اشتغالهما، في نفس الفترة تقريبا، على ترجمة نصين روائيين لكاتبة واحدة هي فيرجينيا وولف، يعتبر أمرا مثيرا ان لم يكن دالا على تواطؤ سري. بيد أنه اذا كانت مارغريت يورسنار سعت الى لقاء الكتابة الانجليزية بسبب قرب المسافة بينهما، فان بورخيس لم يفعل ذلك بسبب آلاف الكيلومترات التي تفصل الارجنتين عن بريطانيا، رغم أنه كان متطلعا حينئذ الى ذلك اللقاء، ربما لاستفسار فيرجينيا وولف عن غرابة شخصية «أورلاندو» الذي يتنقل عبر عصور متعددة، ويكون تارة ذكرا وتارة اخرى أنثى.
في أواخر سنة 1985، وبضعة شهور قبل وفاة بورخيس، قررت مارغريت يورسنار السفر الى جنيف، حيث كان الكاتب الارجنتيني يقيم في أحد فنادقها في انتظار اعداد الشقة التي سيقيم فيها هو وزوجته (ماريا كوداما)، والتي ستكون مقره الاخير، كان بورخيس يعلم أن نهايته وشيكة، لكن ذلك لم يحل بينه وبين استثمار جهد كبير في كتابة مقدمة الطبعة الفرنسية من «اعماله الكاملة» والتي كان منتظرا صدورها في جزءين ضمن سلسلة «لابلياد».
التقى الكاتبان في مقهى «لي دو ماكو LesDeuxMagots» فتحدثا كما لو كانا صديقين حميمين يشتركان في نفس الاذواق الادبية. وعندما شرعا في استحضار ذكرياتهما عن ترجمتهما لروايتي «الامواج» و«أورلاندو» في الثلاثينات من القرن العشرين، حدثت مارغريت يورسنار بورخيس عن لقائها الموجز بفيرجينيا وولف، وعن وجهة نظر هذه الاخيرة في مسألة الترجمة، ثم عبرت له عن اختلاف رؤيتيهما بصدد هذه المسألة، اذ كانت الكاتبة الانجليزية تميل الى ترجمة حرفية لنصوصها، مع المحافظة على سياقها الانجلوساكسوني، في حين كانت هي تعتبر الترجمة حوارا مخصبا مع النص المترجم، بل شكلا من أشكال الخلق والابداع يكاد يطابق الشعر في علاقته بالتجربة الانسانية. لقد كانت الترجمة بالنسبة لها جزءا صميما من الادب، الذي هو جماع العديد من الاصوات والثقافات والحقب المتباينة، وليست مجرد أداة لتمرير النصوص من لغة الى اخرى، وترى أن لغة الكاتب تغتني وتتغذى من اتصالها الوثيق بهذا الكم الهائل من النصوص.
كان بورخيس يصغي باهتمام الى مارغريت يورسنار، وفي نفس الوقت كان يتذكر ما كتبه هو عن الترجمة، وعن وهم النص الاصلي، وتلاقح النصوص، واستحالة الامانة. كان يفكر أيضا في عزلة فيرجينيا وولف وانغلاقها في مضمار ثقافتها التي كانت تحيط بها البحار من كل جانب، وحينها تذكر أن قصته «بحث عن ابن رشد» كانت أ يضا تعبيرا عن عزلة الفيلسوف العربي في مضمار ثقافتهالتي تجهل المسرح، كما كانت محاولة منه هو للانفتاح على الثقافة العربية في الاندلس التي كان يجهل لغتها ولايعلم عنها الا النزر اليسير.
بقي أن نشير الى أنه اذا كانت ترجمة مارغريت يورسنار لرواية «الامواج» قد توارت عن مجال النشر والتداول العام، فان ترجمة بورخيس لرواية «أورلاندو» لا تزال طباعتها تتوالى الى يومنا هذا.

 

ابراهيم الخطيب / كاتب وناقد ومترجم من المغرب


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri