البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

’’خلِّني أمضي إلى ما لستُ أدري’’

هكذا مضوا؛ هكذا يمضون الواحد بعد الآخر؛ يمضون بسرعة ولا يتركون خلفهم وداعا؛ لا يتركون سلاما؛ يُورثوننا أشجانهم ولوعاهم فقط؛ثمَّ يختفون في مملكة الغياب؛ هكذا يمضون في صمت؛ تاركين لنا حقيقة ليس ثمَّة ما هو أبشع منها؛ حقيقة الكاتب العربي اليتيم المكابد من أجل أن يحيا وليس يعيش فقط فإذا به يشقى ولا يحيا؛ يموت في عيشه حتى إذا مات ميتته الأخيرة لا يموت كما ينبغي.

علِّلَا نِي,علِّلَا نِي إنَّ بيضَ الأماني, فَنِيَتْ والظلام ليس بفان..

وهكذا حدَّث شيخ المعرَّة في أيام العزِّ.

فماذا نقول ونحن في هذا الزمن النذل ليس لنا فيه غير أننا أصبحنا دون مقام الكلاب؛ يزدردنا الوهم ونجترُّ الهزيمة تلو الهزيمة حتَّى أصبحنا نحن الهزيمة؛ بل لم نعد نليق بها.

ليتها كانت هزيمة فقط؛ إنها نكد الدنيا على الحرِّ..

كيف حالك يا أبا الطيب؟ هاهم أحفادك لا يعرفون كيف يموتون من شدَّة الحزن.

الحزن يقلق والتجمُّل يردع والدمع بينهما عصيٌّ طيِّعُ

قبل أيام كتب الراحل عبد الرحمن منيف يرثي أجمل الصعاليك محمد شكري؛ يا للسخرية ميِّت يكتب عن ميِّت؛’’ لوعة الغياب’’ هكذا كتب صاحب’’ النهايات ’’ عن الذين أغوتهم مملكة الغياب فشدُّوا عصا الترحال إليها دون رجعةٍٍ.

وهكذا مضى : إحسان عبَّاس؛ محمد القيسي؛ إدوارد سعيد؛ فدوى طوقان؛ محمد شكري؛ عبد الرحمن منيف؛ محمد الطوبي.....مضوا بسرعة في وقت قياسي؛ في أقل من نصف عام؛ حصد الموت هؤلاء الذين قضوا أعمارهم يعاركون بالجسد والكلمة؛عاركوا الجهل والبؤس؛ عاركوا الظلم والاستبداد؛ عاركوا الصمت والجبن؛ عاركوا الحلم والزيف ومنهم من شرَّدته المنافي ومنهم من حاصرته السجون ولكنهم بقوا على عهدهم من أجل الوطن العربي الحلم؛ قضُّوا أعمارهم ينشدون الفرحة فقضوْا بعد أن استولى عليهم الحزن وترعرع سرطان داخلهم فمضوا بلا فرحة.

غابوا بعد أن زادهم الهمُّ غما وما عادوا قادرين على احتمال ما يحدث؛ وما حدث ويحدث يجعل المقام مستحيلا؛ في أقلِّ من 1/2عام غاب هؤلاء؛ طبعا يغيبون وقد سقطت بغداد بعد أن اصبح لنا في كلِّ عشرية موعد مع الهزيمة وسقوط مدوِّخ في الهاوية؛ منذ 10 سنوات انطلقت الحملة المغولية الجديدة على العراق؛ قبلها بعشر سنوات كان اجتياح بيروت؛ وقبلها كان ت هزيمة 67وقبلها كان العدوان الثلاثي56هكذا يستمرُّ إيقاع الفجائع في هذه البلاد؛ لنا في كل عشرية موعد مع الهزيمة.وهؤلاء الذين مضوا عاشوا كل هذه العشريات والآن فاض الكأس.

مجنون الوردة ترك وردته ومضى حزينا بعد أن أوقف حياته من أجل كسر كل التابوات وتحرير العقل العربي من المكبوتات التي ظلَّت تكبِّله؛ فغلَّقت السبل أمام تحرُّره وإبداعه؛ ظلَّ بكتاباته يحرِّض على الخروج من بوتقة الوهم والزيف والإفلات من أقبية الخلَّف ومعانقة الحياة كما هيَ ظلَّ يكتب ويحرِّك السواكن ويدعو إلى التحرَّر ومواجهة الظلم فصودرت كتبه في محاولة للجم صوته.

صاحب’’ رجب’’ توهته المنافي وعاش بلا مستقرٍّ؛ تلقي به مدينة إلى أخرى إلى أن انتهى غريبا وقد قضَّى عمره يتناول في مؤلفاته غربة المثقف في وطنه ويعالج إشكالية السلطة في الوطن العربي؛ منذ ’’ الأشجار واغتيال مرزوق’’ إلى ’’ أرض السواد’’ كان السرد عنده استقراء للوضع السياسي الراهن وحفرا في تاريخيته في محاولة منه لإيجاد مخرج من الأزمة؛ وكان ’’ رجب’’ الملعون بطل ’’ شرق المتوسِّط’’ حجر الزاوية فيفهم العلاقة بين المثقف العربي والسلطة؛ وكانت حياة عبد الرحمن منيف نفسها جوهر هذا الإشكال.

أمَّا صاحب ’’ الحديقة السرية’’ فهو من منفى إلى منفى إلى قبر أمِّه ثمَّ انتهى الأمر به إلى غيبوبة أوصلته إلى مملكة الغياب؛ وهو الذي قضَّى عمره يطارد روحه المجنَّحة في بحثها عن وطن أكبر من الحدود.

’’ وطننا حيث نكون أحسن حالا’’ قالها ملتون ذات مرَّة وكان الشعر وطن محمد القيسي وقبره.

هكذا مضوا؛ هكذا يمضون..

وتكبر اللوعة حين تفتقد البلاد ناسا عاهدوا أنفسهم على خدمة المجموعة من أجل الارتقاء بهذا الوطن من وضعه البائس إلى ما هو أفضل؛ ولكم كانت الحسرة شديدة على فقدان رجل من أهم مثقفي القرن العشرين ألا وهو إدوارد سعيد الذي حوَّل موقعه إلى مركز متقدِّم للدفاع عن مصالح العرب؛ يناضل داخل قلاع الأعداء بأسلحتهم من أجل إظهار الحقيقة؛ حقيقة الكولونيالية الجديدة في زيِّها الأكثر حداثية؛ وما القلق الذي أحدثته كتبه إلا برهان على ذلك حتَّى أنَّ هناك مذكَّرة من أعلى المستويات في أمريكا تدعو إلى منع تداول كتبه بين الطلبة؛ رغم موته. وكذلك شأ، المثقف العربي منذ القدم ألم يفعلها الشنفرى ذات مرَّة.

هكذا مضوا؛ هكذا إيقاع الفجيعة..

وأخيرا قرَّر الشاعر محمد الطوبي السفر بعد أن أضناه السؤال:

’’أسافر أو لا أسافر لا حيرتي ترأف بي لا جهات المساء تفسِّر لي مفردات اغترابي...’’

سافر محمد الطوبي ليؤكِّد في مرارة هول الفجيعة؛ فجيعة الكاتب الذي يحيا بوعي نوعي متفرِّد في زمن أقل ما يقال عنه أنه ’’ زمن القتلة’’ كما كتب ميللر ذات يوم عن شاعر آخر ملعون. في أقل من نصف عام ضاقت الحياة بهؤلاء أوهم الذين ضاقوا بالحياة سيان. تضيق الحياة بمن لايجد سبيلا إليها؛ الشعور بالهزيمة والإحساس المتواصل بالخيبة وانسداد الأفق والسقوط المتتالي في عصر ثقافة كاتم الصوت على حدِّ تعبير الشاعر المصري حلمي سالم. كلُّ هذا يجعل الموت جميلا.

’’ خلِّني ماتت بعيني منارات الطريق

خلني أمضي إلى ما لست أدري

لن تغاويني المواني النائيات...

خلني للبحر, للريح,لموت

ينشر الأكفان زرقا للغريقْ’’

كذلك هتف’’ الشاعر الذي افتضحت قصيدته’’ خليل حاوي.

لكأنَّ الكاتب العربي وهو في وضعه هذا يستعير من ’’ سيبيل’’ صرختها وهي تستجدي الموت.

الموت أجمل طالما أن الحياة عار.

غير أنَّه ليس علينا أن نبكي الراحلين؛ علينا أن نستعيدهم من مملكة الغياب ونواصل مشوارهم إذا كنَّا فعلا نحبهم ونعزهم؛ علينا أن نكشف مالم يقولوه وأن ننصت لنبضاتهم المتوهِّجة فينا.

علينا – على الأقلِّ – أن نكون أوفياء لهم فنواصل ما بدؤه.

 

عبد الوهَّاب المُلوَّح / شتاء قفصة (تونس) - 2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri