ما
زالت لعنة معاداة السامية تطارده حتى في قبره

إزرا
باوند منتصراً في قلب الحداثة الشعرية المعاصرة
ما
زلت أذكر كيف كان احتفال الأوساط الأدبية الأميركية بمرور 100
عام على مولد أحد أهم شعراء أميركا في القرن العشرين، إزرا باوند،
مثيراً للحزن والأسف. فقد استغلّ عدد ليس قليلاً من النقاد هذه
المناسبة لا لإحياء ذكرى شاعر عظيم، بل لإحياء ذكرى الهلوكوست،
وتجديد اتهامه بالخيانة ومعاداة السامية. أي أن الاحتفال المفترض
بإزرا باوند تحوّل تحت تأثير الصحافة القومية الخاضعة لنفوذ
اليهود الى استئناف محاكمة الشاعر.
ويبدو
أن هذه اللعنة لا تزال تطارد باوند، ولكنها، مع ذلك، ومهما بلغت
قوة تأثير الصحافة المتحيّزة، قد عجزت حتى الآن عن النيل من
تراث الشاعر، على الأقل تراثه الشعري والنقدي. وهل يستطيع أحد،
أياً كان، أن ينال من عبقرية الشاعر الذي "نحت" مسودة قصيدة
ت. س. إليوت "الأرض الخراب"، أهم قصيدة كُتبت في القرن العشرين،
لتأخذ الشكل الذي قُدمت فيه للعالم.
وليس
أدلّ على ذلك، من صدور طبعتين جديدتين لكتابين أخيراً لإزرا
باوند: "باوند: قصائد وترجمات"، تحرير ريتشارد سيبورت (لايبراري
أوف أميركا ـ 1363 صفحة)، و"الأناشيد البيزانية"، تحرير ريتشارد
سيبورت (نيو دايركشن ـ 159 صفحة). وربما كان الدليل الأهم على
مناعة باوند ضدّ محاولات تشويه سمعته والنيل من تراثه بدعاوى
معاداة ـ السامية، احتفاء النقاد وأهم المجلات الأدبية، ومنها
صحف ومجلات بمثابة حصون ومنابر للتذكير، على نحو تلقيني منتظم،
بالهلوكوست، بمراجعة الكتابين. وإن كانت بعض المراجعات لم تسلم
من التذكير بأبدية التهمة، ومحاولة إحداث شرخ في صورة الشاعر
الصرحية.
وقبل
أن أتطرّق الى عرض أهم مراجعتين أودّ أن أسوق في سطور قليلة
رأي أهمّ ناقد ومتخصص في باوند في ترجماته الشعرية التي لا تزال
تتضارب حولها الآراء. يقول هيو كينر في تقديم كتاب "إزرا باوند:
ترجمات" (الطبعة الأولى نيو دايركشنز 1965)... ترجم بوب الإلياذة
في مقاطع ثنائية ملحمية، وتشايمان في مقاطع من 14 بيتاً. وقد
نُشرت قصائد أجنبية عديدة في أسلوب اخترعه ميلتون، وهو يتسطّح
في اللحظة التي يصفو فيها المناخ من الكبريت. وإزرا باوند لا
يترجم أبداً الى شيء موجود بالفعل في اللغة الإنكليزية. فالقصيدة
الصينية أو اليونانية أو البروانسية تُعتبر افتراضاً شيئاً جديداً،
إذا كانت تبرّر زمن المترجم أو القارئ.
لغة
نيوتونية
ثم
يقول ان المترجمين الآخرين الذين ينقلون الى الشعر الأنجلو ـ
ساكسوني قد قنعوا بأخذ اللغة الإنكليزية كما وجدوها، أو أن يحوّلوها
الى لغة نيوتونية من كلمة الى كلمة من دون أن يعرفوا تماماً
ما الذي كان يحدث، لكن باوند وحده امتلك الشجاعة والمورد معاً
لصنع "فورم" جديد، شبيه في الواقع بالأصل، الذي يوسّع على نحو
دائم حدود الشعر الإنكليزي. وقد استخدم شعراء آخرون بعده طرائف
السجعع والجناس الاستهلالي هذه؛ وكان باوند هو الذي قد بنى لهم
كلامهم.
ويرجع
النجاح الملحوظ لنظام قصيدة "الملاح" الى مفهوم باوند لوظيفة
الشاعر: رسم شيء، من دون تشويه، داخل نفسه أو خارجها، أدرك فهمه
بجلاء ووعاه ذهنياً.
إذ
يرى النحّات الشكل في الهواء
قبل
أن تمسك يده بالمطرقة
وإذ
يرى الداخل، والخلال،
الجوانب
الأربعة...
فالترجمة
بالنسبة إليه لا تختلف في الجوهر عن أي وظيفة شعرية أخرى، حيث
يبدأ الشاعر بالرؤية، أو المترجم بالقراءة؛ لكن قراءته ينبغي
أن تكون رؤية تقريباً.
ويعتقد
كينر "أن إنجاز ترجمات باوند المعجز" هو الجلوس أمام نص من دون
أن تستفزه قيود غير معتادة في ممارسته الغنائية. فالترجمة الجيدة
تبدو مثل معجزة، لأن الشخص الذي يستطيع أن يقرأ الأصل، يمكن
القول بأنه يقرأ القصيدة قبل أن يكتبها الشاعر، ويعجب لصراعه
لإخضاع لغته للرؤية، لكن باوند كان يكتب دائماً كما لو أنه يواجه
اختباراً من هذا النوع، في روح إخلاص مطلق لمادته، سواء كانت
وثيقة أو حدساً. وقد ذكر أنه احتاج الى ستة أشهر للتعبير عن
عاطفة آنية معقدة في أربع عشرة كلمة. ولا شك في أن الترجمة بالنسبة
لباوند أسهل بعض الشيء مما يسمى التأليف الأصلي. فقد قضى تلك
الأشهر الستة في وضع العاطفة في البؤرة وليس في إيجاد الكلمات
المناسبة.
ولا
يعني ذلك أن الصعوبة التقنية أقلّ قسوة من الانضباط العاطفي،
إن لم تكن أكثر قسوة أو إجهاداً. ولهذا السبب أوصى باوند بترجمة
الشعر كممارسة للشعراء الشبان الذين مُنيوا بميل الى تعريض ما
يحاولون التعبير عنه لتحوّلات مناسبة.
ولأن
كثيراً من المبادئ الباوندية تلتقي في فعل المترجم، توجد أفضل
ترجماته في ثلاث طرق، كنوافذ على عوالم جديدة، وكأفعال تحيّات
وتكريم أو كشخصيات باوند. ولا تختلف شخصيات مجلده الأول من حيث
المبدأ عن ترجماته في بضع سنوات لاحقة. وفي أعماله المبكرة،
Piere Vidal وMarvoil وCino، يبني باوند باللغة الإنكليزية محاكاة
لنبرة وحديث وإيقاع رجال ميّتين معيّنين: وهم في العادة شعراء
ميّتون، وذلك لأن الشاعر، من بين جميع الرجال، هو الأكثر حياة
بالنسبة لمحيطه أو مناخه. وهذا المناخ هو ما يحاول باوند أن
يقتنصه.
رباه،
لقد شدوت للنساء من ثلاث مدن،
ولكنها
جميعاً نفس الشيء؛
وسوف
أغني للشمس.
الشفاه،
الكلمات، وأنت تصطادها
أحلام،
وكلمات، وهي مثل الجواهر،
نوبات
غريبة من ألوهية قديمة،
غربان،
وليال، وغوايه:
وهي
ليست؛
وقد
أصبحت أرواح أغنية.
سينو
الأقل
قراءة
ومن
جانب آخر، يحرص الشاعر الناقد تشارلس سيميك، في مراجعة نشرها
بمجلة "ذي نيويورك رييو" على إثبات ملاحظة مستخلصة من قراءة
الواقع تفيد أنه ليس هناك شاعر (معاصر) عظيم أقل تداولاً من
إزرا باوند. وهي، في الحقيقة ليست ملاحظته، ولكنه نقلها عن هيو
كينر نفسه الذي قالها منذ أكثر من ثلاثين سنة. ثم يضيف بقوله
إذا كان ذلك صحيحاً آنئذ، فمن المؤكد أنه أكثر صدقاً اليوم.
ويشير، مصداقاً لهذا القول، الى أن تدريس باوند في الكليات والجامعات
قد تقلّص، باستثناء بضع القصائد المنشورة في الأنتولوجيات. وهو
يشك في أن الشعراء الأميركيين الشبان يقرأونه، أو يتأثرون به.
فهو يُعتبر شاعراً صعباً بدرجة مستحيلة، متجاوزاً في ذلك كلاً
من إليوت، وستيفنس، ومور. وينطبق ذلك أيضاً على نثره. ومع ذلك
يؤكد أن باوند، عندما يكون موضوعه الشعر، يُعدّ "أكثر نقّادنا
الأدبيين مهارة". أما كتاباته عن الديانات، والتيمات التاريخية،
والاقتصادية والسياسية فهي موضوع آخر. وقد كان مخطئاً بشأن كثير
من الأشياء. من بينها أو في مقدّمتها بطبيعة الحال، تعاطفه مع
الفاشية وإذاعاته من راديو روما خلال الحرب العالمية الثانية
التي حوكم بسببها في واشنطن بتهمة الخيانة، وأودع في النهاية
مستشفى للأمراض العقلية.
ويتساءل
سيميك ما الذي يفعله المرء مع شاعر قارن هتلر بجان دارك؟ وفي
إجابته عن السؤال يشير الى الكتابين الجديدين "بقصائدهما وترجماتهما
البديعة التي حقّقها وقام بتحريرها بدقة بالغة ريتشارد سيبورت
التي تذكّرنا مرة أخرى بأن السؤال لن يختفي.
باوند،
بتناقضاته المذهلة نوع من الشخصيات التي لا يمكن أن يفرزها بلد
غير أميركا. تخرّج في جامعة بنسلانيا، حيث التقى صديقه الشاعر
ويليام كارلوس ويليامز. وبعد التخرج عُيّن مدرساً للغات الرومانسية
بكلية واباش، بولاية انديانا. وانتهت حياته المهنية الأكاديمية
فجأة في نصف السنة الدراسية الأول. فقد اتهم بالسماح لممثلة
بقضاء الليلة في مسكنه الجامعي وطُرد على الفور من الكلية. ومن
دون شيء محدد في الأفق لمستقبله، أبحر الى أوروبا في آذار 1908
متجهاً الى ينيسيا في البداية، حيث أصدر مجموعته الشعرية الأولى
(A Lume Spento)، في طبعة من 150 نسخة على نفقته، وبعد وقت قصير
استقرّ للعمل والحياة في لندن، حيث بقي، باستثناء رحلات متكررة
الى القارة ورحلة واحدة الى الولايات المتحدة في 1910، الاثنتي
عشرة سنة التالية. وهناك، تعرّف على جميع الكتاب. لا مجرد الأسماء
الراسخة مثل هنري جيمس ويتيس، بل جميع الكتاب والشعراء الصاعدين
والآتين في لندن وغيرها من الأماكن. ولولا جهوده الهائلة بالنيابة
عنهم، لما كانت نشاطات في جويس، وإليوت، وويليامز، وهمنغواي
وشخصيات هامة أخرى في عالم النشر كما كانت عليه. وقد أثبت الزمن
أن أحكام باوند كانت ثاقبة. وأن ذائقته الأدبية لا تشوبها شائبة.
فالكتّاب والشعراء الذين روجهم كانوا مغمورين تماماً عندما بدأ
يلاحق رؤساء التحرير في إنكلترا وفي بلده لينشروا أعمالهم. وعلى
الرغم من إفلاسه، فقد حوّل نفسه الى ما يشبه مؤسسة غوغنهايم
واستطاع وحده أن يجد أشخاصاً على استعداد لتقديم مساعدات مالية
للكتّاب. لقد كان باوند، رجلاً له رسالة كان يأمل في إحداث صحوة
ثقافوية في أميركا، لا تؤثر في الفنون وحدها، بل في السياسات
وفي الاقتصاد أيضاً.
وبينما
كان يساعد الآخرين، لم يتسم شعره نفسه لمدة طويلة بالحداثة.
وقد وصف قصائده الأولى عندما أعيد نشرها في 1965 بأنها مجموعة
من الفطائر فاقدة المذاق (المخززة بالعامية المصرية).
ويتابع
تشارلس سيميك تطور شعرية ولوك الذي بدأ في مجموعته الثانية "طعنات
خاطفة" (1912) التي ضمت قصائد أفضل ومن أجملها "بورتريه سيدة"
و"الملاح"، والقصيدة الرؤيوية الغريبة "العودة" التي يعود فيها
اليونانيون القدامى الى الأرض بلغة تخلو تماماً من الحشو وفي
أبيات غير متساوية من الشعر الحر.
شخص
آخر
وقد
اخترع باوند "الحركة التصويرية" في 1912 في لندن التي ماتت بعد
عامين فقط في 1914. وعندما قرأ بيتس قصيدة "العودة"، علق بقوله
أنها أعطته الانطباع بأن باوند كان يترجم من قصيدة يونانية عصماء
غير معروفة. ويلتقط سيميك تعليق بيتر ليؤكد أن باوند كان يبلغ
أوج عبقريته عندما يدّعي أنه شخص آخر "إن المترجم الجيد هو متقمص
شخصية آخر، شخص ما يستطيع أن يلعب عدة أدوار ويستخدم تشكيلة
من اللهجات. وبينما تفتقر ترجماته المبكرة من الشعر البروفنسالي
والإيطالي الى المجال الكلامي، فقد أحرز نجاحه الحقيقي الأول
مع اللغة الصينية، التي لم يكن حتى يعرفها. وهو لم يخترع نوعاً
جديداً من القصيدة في اللغة الانكليزية فحسب، ولكنه غير فكرة
الغرب عن الأدب الصيني.
ويشير
هيو كينر الى قصائد باوند الصينية فيقول إنها تدمج معاً مبدأ
"الشعر الحر" VERS - LIBRE وهو أن البيت المفرد يجسد وحدة من
تكوين، والمبدأ التصويري، أن القصيدة يمكن أن تبني تأثيراتها
من أشياء تضعها أمام عين الذهن عن طريق تسميتها، والمبدأ الغنائي،
أن الكلمات أو الأسماء، التي تنتظم في الوقت المناسب ترتبط معاً
وتستدعي الى حضور كل منها بواسطة أصوات متواترة".
ولكن
هذه القصائد، بما فيها من أرامل الحرب، والجنود الساخطين والمنافي
الموحشة، كان لها، على نحو واضح، متوازيات معاصرة. فقد كانت
الحرب العالمية الأولى في أوجها بكل ما أحدثته من إخلال بالحياة
الطبيعية ومذبحتها المروعة لجيل بأكمله من الشباب على جبهة القتال.
وما
ان تخلص من كبح مزج القاموس الرفيع بالقاموس الدارج، يقول سيميك،
أصبح باوند شاعراً مختلفاً. وقصائده الثلاث الأعظم، الأناشيد
و"تحية الى سكستوس بروبرتيوس" (1919)، وقصيدة "هيو سيلوين موبرلي
(1920)، تمثل كل منها "عمل كولاج" عظيماً.
"وكما
كان الرسامون الذين رسموا بالمقصات بقص عناوين الموضوعات، والكلمات
والصور من الصحف اليومية، مارس باوند فن التجميع من شعره. ومن
أجل قصيدته "تحية الى سكستوس"، راجع باوند الأعمال الكاملة للشاعر
الروماني في لغتها اللاتينية واختار منها الأبيات والأجزاء التي
أراد أن يترجمها، وبعد ذلك كتب سلسلة من القصائد من هذه القصاصات.
وعندما نشرت في مجلة "شعر" Poetry، أثارت غيظ أكاديمي متخصص
في الكلاسيكيات بجامعة شيكاغو شعر بالصدمة عندما وجد ذكراً للفريجيدير
أو المبرد الكهربي والشاعر ورد وورث في ترجمة لشاعر ولد قبل
الميلاد بخمسين سنة. بينما كانت القصيدة بالنسبة لباوند، قصيدة
تتناول سلوك بروبرتيوس، وسجلاً لحالاته النفسية عندما كان يواجه
غباء الإمبراطورية البريطانية اللانهائي الذي يفوق الوصف، كما
كانت قصيدة حب.
وقصيدة
"هيو سيلوين موبرلي"، حسب قراءة تشارلز سيميك، هي تصوير للوسط
الأدبي الانكليزي قبل الحرب العالمية الأولى وبكائية للجيل الذي
لقي حتفه "مصدقاً أكاذيب الرجال كبار السن". وهي آخر قصائده
الهامة الأقصر طولاً. وقد أوقف بقية حياته للأنشودات the cantos
وللعديد من ترجمات من اللغات الصينية، واليابانية، واليونانية
واللغات الأخرى. ومع تزايد عدم ارتياحه في لندن، والى حد ما
نتيجة لشعور بالعزلة، بدأ يقضى وقتاً أكثر وأكثر في فرنسا وإيطاليا،
وأخيراً نزح الى باريس في 1921، حيث بدا أنه وجد من جديد، لبعض
الوقت، في محور الأشياء. فقد صادق كوكتو، وبيكابيا، وتريستان
تزارا الدادي، والمؤلفين الموسيقيين رافيل وسترافنسكي. كما كان
هناك أميركيون وافدون لإقامة أقصر أو أطول، بمن فيهم إليوت،
الذي راجع باوند مسودته غير المصقولة لقصيدة "الأرض الخراب"
وصقلها في القصيدة التي نقرأها اليوم.
وكانت
غيرترود ستاين، أشهر المغتربين الأميركيين في باربس. وقد قام
باوند بزيارتها، لكن الشخصيتين المصابتين بجنون ـ الأنا لم تنجذب
إحداهما الى الأخرى. وقد وصفته بأنه "مفسر قرية"، ويصدق سيميك
على وصفها. لأن باوند، في رأيه، قد جمع في نفسه أمزجة الاستيطيقي
ومثير الرعاع المتعارضة. فهو لا يفوت فرصة أبدأ لإشعار مواطنية
بالتفوق عليهم. وقد سأله محاور في مقابلة صحفية في باريس عن
رأيه في أميركا فرد بقوله "إن أي بلد يخاف من الفكر أياً كان
شكل التعبير عنه هو بلد لا يمكن أن يعاش فيه". وكان يلقي محاضرات
مع كل من يراسله ومن يقابله، وليس مجرد غيرترود ستاين، التي
قال عنها في رسالة الى ويليام كارلوس ويليامز "لن تفرغ وعاء
من البول لإنقاذ العالم النازف".
أما
المراجع الآخر لكتابي باوند، إيريك أورمسبى، فهو مثل بقية النقاد
الأميركيين الآخرين الذين حاولوا التعريض بالشاعر من منظور وطني
أو أخلاقي أو عرقي، وخاصة الكتاب اليه،د فقد عجز، على الرغم
من المحاولة، عن الاستخفاف بمكانة وأهمية إزرا باوند كشاعر عملاق.
وعلى الرغم من أن تشارلز سيميك ردد تهمة معاداة السامية، إلا
أنه لم يتوقف عندها طويلاً مؤثراً تحليل شخصية وسلوك باوند في
محاولة لتفسير شططه في كثير من الحالات، على المستوى السياسي
والشخصي ـ الاجتماعي. ومع ذلك، لم يحاول أن يخلع عليه عباءة
الشيطان.
وقد
تطرق إريك أورمسبى، في مراجعته التي نشرها بمجلة The new Criterion
الى فكرة تقمص باوند لشعراء آخرين، واعتبر أعظم "متكلم من بطنه"
في الأدب الأميركي. إذ انتحل خلال حياته الإبداعية (الفضائحية)
أصوات شعراء غنائيين، من شاعر سونيتات إيطالي في العصر الوسيط،
الى حكيم كونفوشيوسي، ومغني بروفنسالي وكاتب درامي ياباني تقليدي،
وحتى شخصية حداثي يانكى ويعلق.. "إذا كانت هذه الأصوات المتباينة
لا تزال قادرة على إظهار تماسك مهزوز ما، فذلك فقط لأن باوند
كان يتمتع بموهبة غير عادية لموسيقى الكلمات، وبالنسبة للشعر
لأنه كان يملك طبقة نغمة.. الكلمة المتقنة.
"إن
تعدد أصوات باوند يمتد في جميع كتبه الستة والعشرين ويشكل توقيعه.
وبطبيعة الحال، فالمشكلة الكبرى والتي لا يمكن تجنبها مع أكثر
شعرائنا موسيقية هي أنه كان دائماً يضع قناع المثقف العام الذي
لا يناسبه، ولعدم قدرته على أن يثق في لهجاته الفردية، تحول
الى متعهد تموين أحمق يتعامل في "دوغمات" مشوشة". ثم يصل الى
بيت القصيد، "هذا الشاعر ذو الموهبة الطبيعية، التي تشهد بها
تقريباً جميع صفحات طبعة "لا يبراري أوف أميركا الجديدة البديعة،
كان ينبغى أن يشعر بالانجذاب الى معتقدات ـ الفاشية ومعاداة
ـ السامية، والتي لم تكن مجرد معتقدات طائشة، ولكنها كانت قاتلة
بمعنى الكلمة، وتوحي بأن باوند (في هذا على الأقل مثل فاوست)
كان له روحان تسكنان صدره، للأسف. وفي حالته، مع ذلك، كانت الروحان
التوأمان المحبوستان في أقنوم مفروض، روحي شاعر غنائي حساس ومتعصب
مضلل على نحو عميق.
ويؤكد
أورمسبي اعتقاده بأن التكلم من البطن أو انتحال الشخصيات الفيرتيوسي
(المتقن الى حد الكمال)، والضحالة الثقافوية والأخلاقية مرتبطتان.
ويتساءل
المراجع ما إذا كان انعدام الهوية الغريب الذي يسم أكثر أعماله
تميزاً هو رد فعل على مدى الحياة لإفراطات فترته المبكرة. فقد
التزم باوند، في رأيه، بقاموس فوضوي عن عمد، والذي يتجلى تماماً
في كتاب "قصائد وترجمات ـ أميركان لايبراري). ويشك في أن انغماسه
في لغة وأدب إيطاليا كان الى حد ما مسؤولاً عن هذه المرحلة المؤسفة.
كما يتجلى طابعه الأثري في ترجماته للشعراء الإيطاليين. فقد
مثلت إيطاليا ينبوع وأصل إلهام باوند، فهناك بدأ كتاباته الجادة،
وهناك كانت نهايته. وبقدر ما أمدته بالغذاء، روجت إيطاليا أيضاً
ـ إيطاليا باوند الخاصة ـ بعض أسوأ شطحاته، ومن أقبحها الأنشودتان
(IXIII , IXXII) على سبيل المثال اللتان كتبهما مباشرة باللغة
الإيطالية. ولكن تورطه مع هذا البلد وتقاليده لا يزال الكلام
لإيريك أورسبى، يمثل شيئاً يثير الحيرة.
ويأخذ
النافذ على باوند استخدامه للغة بالية (غروتسكية) من ترجماته
للشعراء الإيطاليين من أمثال سانت فرانسيس وكافالكانتي الى ليواردي،
الذين استخدموا لغة إيطالية مباشرة بمحسنات قليلة، وكان أكبر
إنجازاتهم بلوغ ذرى سامقة للتعبير بهذه الوسائل البسيطة. وعلى
عكس ذلك، قلما تظهر هذه الغرائبيات في ترجماته من اللغات اليونانية،
واللاتينية أو الصينية.
وبالرغم
من كل شيء، لم يملك أورسبى إلا أن يؤكد في النهاية أن المجلد
الثالث عشر في إصدارات "لايبراري أوف أميركا" عن الشعر والشعراء
(باوند: قصائد وترجمات) هو أحد أفضل هذه الإصدارات. و"المجلد
نفسه ضخم، رسولي الإحساس، مثل قداس روماني قديم، ويبدو باوند
الشاب الأشعث، الذي يتطلع من صورة الغلاف الفوتوغرافية، في الحال
خجولاً ومتشامخاً. وبالنسبة للملاحظات والشروحات التي ذيل بها
ريتشارد سيبورث المجلد، بما فيها الكرونولوجيا، فهي، كما يؤكد
أورمسبري، مثالية. أما الكرونولوجيا التي أوجزت تاريخ الشاعر
المهني المديد، فهي جيدة، وخاصة تضمينها العديد من الحكايات
والتعليقات عن الشاعر.
وقد
أشار سيبورث في "ملاحظة بشأن النصوص" الى أنه جمع في هذا المجلد،
الذي يقع في 1363 صفحة، قصائد وترجمات من 26 كتاباً نشرها إزرا
باوند، ومن الكتاب المجلد باليد "كتاب هيلدا" ومدونة "سان تروفاسو"،
وترجمات الشاعر البروفنسالى آرنو دانييل التي لم تنشر أبداً
وإلكترا سوفوكليس المعدة بمشاركة رود فليمنج. كما يتضمن 76 قصيدة
لم يجمعها باوند، من بينها 19 قصيدة لم تنشر في حياته.
وقد
اختار محرر المجلد، أو بلغتنا المحقق، نصوص القصائد والترجمات
كما نشرت أول مرة في كتب باوند، على الرغم من أن باوند كان يراجع
بعض القصائد من كتبه التي تتداخل فيها قصائد نشرت من قبل. ومن
ثم لا يتضمن المجلد أي صيغة مراجعة للقصائد ما لم تكن قد روجعت
بقدر يكفي لاعتبارها قصيدة جديدة، ومن بينها، على سبيل المثال،
قصيدة "قانا" وقصيدة "من مديح إيسولت" وهي صيغتها المكبرة.
ونتيجة
لتداخل القصائد بين المجموعات، لا يتضمن المجلس المحتويات الكاملة
لكتب باوند كما نشرت في طبعتها الأولى.
لا
بأس من الختام بالمداخلة الأخيرة من الكرونولوجيا، 1972: أسست
المجلة الفصلية Paideuma المتخصصة في الدراسات الأكاديمية الخاصة
بباوند، صدور "عصر باوند" تأليف هيوكينر. ترشح الأكاديمية الأميركية
للفنون والعلوم باوند لمنحه ميداليتها السنوية امرسون ـ ثورو،
لكن مجلسها التنفيذي يرفض التوصية. يلقى باوند نحبه في أول تشرين
الثاني في فينيسيا ويدفن في مقابر سان ميشيل.
أحمد
مرسي / نيويورك - المستقبل
- الاثنين 5 نيسان 2004