
يـــوم
الـلـبـــاس و... أمــســـه
يغلب
على المقاربات العربية لموضوع العولمة نازع الى الشعاراتية والاختزال
يجعل منها تمريناً في شتم اميركا أكثر من اي شيء آخر. فالعولمة
بحسب هذا الخطاب ليست سوى قناع جديد تتقنع به "الإمبريالية الأميركية"
الهادفة الى قهر الشعوب والثقافات المختلفة وتسييد نموذج أوحد
على العالم. يحضر هذا الفهم القاصر في عالم الموضة أيضاً. هنا
مقال في أمس اللباس و... يومه.
يتخذ
البعض من الموضة في حالها الحاضرة مدخلا للإشارة الى ما تنبىء
به العولمة من نزوع الى توحيد الأذواق ومحو للتنوع والاختلاف.
وتذهب الحماسة بالبعض الى وسم الموضة بالتوتاليتارية والديكتاتورية،
دليلهم الى ذلك ما عبّرت عنه التوتاليتاريات من نازع لديها الى
توحيد الزي. وهذا ما يزعمون انه حاصل الآن. حتى ان الذي يجهل
ما كانت عليه حال اللباس في ازمان سابقة الى حين استتبابه على
النحو الذي هو عليه اليوم، يكاد يظن في أجداده خيرا فيحسب ان
اقلهم حنكة وذكاءً كان يخيط لنفسه في الصباح ما تتفتق عنه مخيلته
في العشية، وان الزي كان موكولا للفرد وذائقته قبل ان تستولي
عليه "ديكتاتوريات" الموضة ودورها.
بيد
ان واقع الحال يخالف ذلك تمام المخالفة. فلئن كان صحيحا ان تنوع
الامس يقابل بتماثل اليوم، فالصحيح ايضا ان التنوع المحكي عنه
لم يكن اكثر من تنوع اتني. اما التماثل داخل كل اتنية على حدة،
فكان يبلغ حداً لا ترقى اليه اكثر المؤسسات العسكرية انضباطا
وصرامة. فضلا عن ان اللباس كان من آلات التمييز بين الطوائف
والملل والطبقات. اذ كانت كل واحدة من هذه تختص بلباس لا يسع
افرادها مبارحته الى لباس آخر . وإن استطاعوا مبارحته فبمقتضى
أعراف محددة وصارمة لا تحتمل التوسط والانتقاء والذائقة الشخصية.
حتى
بدايات القرن العشرين كان في المستطاع التمييز بين المجموعات
الاتنية في الشرق الاوسط من طريق ازيائها واساليبها الخاصة في
العناية بالشعر واللحية. حتى ان اسئلة من قبيل الطائفة والمهنة
كان يتم التعرف الى اجوبتها من طريق اللباس، على ما لاحظ كارلتون
كون في كتابه "قصة الشرق الاوسط".
ويؤكد
الأمر نفسه القس غي روبنسون في كتابه "حياة القرية في فلسطين"
بقوله: "في فلسطين كل شخص يُعرف بلباسه، سلالته وعقيدته والمركز
الاجتماعي الذي يحتله، والجزء من البلاد الذي ينتمي اليه".
ولا
يحيد عن ذلك جان تيفو في كتابه "رحلة الى الشرق" الذي يشير فيه
الى ان المرء كان في وسعه ان يعرف مركز التركي ومكانته من خلال
النظر في اسلوبه في اعتمار الطربوش وغيره من اغطية الرأس.
لم
يقتصر الامر على احتكار الجماعات الاتنية والدينية والحرفية
انماطاً وطرائق محددة في اللباس بل تعداه الى احتكار الالوان،
بأن أختصت جماعات مهنية او مرتبية بالوان محددة وجعلتها حكرا
عليها وشارة تميزها عن الجماعات الاخرى، على ما كان حال طبقة
الاشراف الاتراك مع اللون الاخضر. إذ كان يحق لهم وحدهم دون
غيرهم من فئات الشعب التركي وضع الطربان الاخضر الذي من طريقه
كان يتم التعرف اليهم وتمييزهم عن غيرهم من رعايا السلطنة العثمانية
وقاطنيها. فيما النساء المنتميات الى تلك السلالة يمكن كذلك
التعرف اليهن بكل سهولة من خلال قطعة من القماش الاخضر يحملنها
مربوطة الى حجابهن قرب الرأس.
ففي
بعض المجتمعات تخطى الأمر دلالات اللباس الطبقية والمرتبية الى
الافصاح عن تفاصيل شخصية وحميمية تخص مرتديه. فعصبة الرأس الحرير
والمقصّبة إذا مالت كثيراً على جبين ابنة يبرود والنبك ومعلولا
في محافظة ريف دمشق ووادي بردى، فهي تقول ان صاحبتها عازبة.
اما الغطاء الحرير الأسود أو القطني الأبيض إذا عصبته البدوية
فوق رأسها فهي تقول انها متزوجة، في حين توسل الاجتماع الإسلامي
العثماني، وقبله العباسي والاموي، باللباس، تمييز الذميين عن
جماعة المسلمين، فأرغم الأولون على اتخاذ اصناف وانماط محددة
من اللباس، وحيل بينهم وبين اتخاذ لباس المسلمين والجري عليه،
وحُظّر عليهم التشبه بهم حتى وقت قريب من انهيار السلطنة العثمانية
وافولها.
فاذا
كانت هذه هي حال التنوع المحكي عنه، فإن مناهضي العولمة العرب
في نظرتهم الى تاريخهم وتحسرهم على "تنوعه" الآفل ليسوا سوى
رجع صدى للحركة الأعرابية التي ظهرت في اوساط المستشرقين الأوروبيين
أواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين، ممن كانوا برفضون
تعميم قيم الإنسانية والمساواة والديموقراطية خارج الحيز الاوروبي،
ويعارضون تبني الشعوب غير الأوروبية القيم الديموقراطية من اجل
الحفاظ على التنوع في العالم. اذ ان الاختلاف يبدو لهم كقيمة
في حد ذاتها. فكلاهما، الاغرابي ومناهض العولمة العربي، يتعاطى
مع العالم كما لو انه مشهد وحسب. لكن، ما هي مشاعر أشخاص المشهد
في ازائه، وما هي الأشياء التي يتركب منها، فهذان امران لا يعنيانهما.
اما
وحدة الزي اليوم، وإن كان لا يصح نعتها بذلك الا على سبيل الاجمال،
فليست سوى وجه من وجوه خروج المرء وجسده من ملك جماعته وسننها
واحكامها والاحتكام في اختياراته الى عوامل المناسبة والمتعة
والمنفعة، وإن شاب اختيارته تأثير من دعاية. فهذه الاخيرة تفترض
في نهاية الامر، في من تتوجه اليهم افرادا احرارا الا من رغباتهم
واهوائهم وذائقتهم الخاصة. فتعميم اللباس وكسر احتكار اصناف
منه لدى فئات اجتماعية محددة، شرط من شروط الغفلة التي لا تقوم
حياة مدينية من دونها.
فـادي
تـوفـيـق - ملحق النهار - 21.03.2004