
طقوس
وأماكن الكتابة:
البحث
عن عزلة ولو في الأصدقاء!
الخيال
حياة الروائي. وكلما زادت قوته زاد حجم الإنتاج. لذا فالروائي
يخلق طقوس خاصة به وحده تلهمه وتساعده علي تحفيز الخيال ليصبح
مجسدا أمامه. تصنف هذه الطقوس ما بين عادي وغريب كطقوس الكتابة
بالحبر الأزرق أو الأسود والكتابة بخط اليد أو علي الكمبيوتر.
الهدوء
أهم العناصر الرئيسية لانجاح العملية الابداعية، والروائي في
حاجة دائمة إلي مكان هادئ ليكتب فيه. فالروائي دومينيك فابر
صاحب رواية 'من أجل امرأة من نفس السن' يفضل الكتابة في منازل
أصدقائه المسافرين والأتيلية الخاص به، المهم أن لا أكتب في
منزلي المليء بضوضاء زوجتي وأطفالي، يساعدني المكان غير المألوف
أيضا علي الإلهام والإنتاج' في حين أن الروائية ليندا سافلير
تستطيع الكتابة في أي مكان وتحت أي ظرف، فهي تكتب في المترو
وفي الشارع وفي غرفة الانتظار بعيادة طبيب الأسنان! عندما أكتب
في أي مكان فأنا أشعر بالوحدة وهذا يدفعني إلي الإبداع والتخيل
'عادة ما يحب الروائي الاستماع إلي الموسيقي أثناء الكتابة لمساعدته
علي الهدوء والتخيل. ولكن فيما يبدو أن العالم قد تغير من حولنا،
فها هي الروائية كارني بادنفلد تعشق الكتابة علي صوت موسيقي
الراب' أنها تهذب نفسي وتملؤها نشوة. أعلم أنه من الطبيعي أن
يستمع الروائي أثناء الكتابة إلي الموسيقي الكلاسيكية ولكني
أحب موسيقي الراب لأنها تهزني هزا عنيفا أصل أبعدها إلي أعماق
نفسي بهدوء ويصل الأمر إلي أبعد من ذلك مع الروائي فرنسوا مورييه
الذي ينتظر نوم كل أفراد عائلته لينطلق إلي ورشته بعزف ساعة
كاملة علي الجيتار الالكتروني والاسباني قبل البدء في الكتابة
'هذا هو مصدر الهامي'.
لاتتوقف
طقوس الروائي عند حدود المكان نفسه بل تتعدي لتصل إلي أدق التفاصيل
مثل شكل المكتب: هل يكون مستديرا أم مربعا أم سادسيا؟ الروائي
فرنسوا ويرجز يكتب منذ عشرين عاما علي نفس المكتب الذي لايستطيع
تغييره لاسيما وأنه مليء ببقع الحبر 'حجم مكتبي 30 سنتيمتر ھ
45، يتكون من لوحين من الخشب المصنوع بطريقة عكسية بحيث لا يأخذ
شكل مربع أو مستدير. وإنما شكل غريب لم أجد مثيلا له سوي في
محلين فقط' تصل الدقة بالروائي صاحب رواية 'أنا الكاتب' إلي
أنه لايستطيع الكتابة إلا علي حجم ورق 21 ھ 29.7 وهناك أيضا
من يفضل نوع ورق بعينيه لايستغني عنه مطلقا حتي وأن كلفه ذلك
ثروة طائلة كالروائي بول بولويلز الذي يكتب علي ورق أمريكي الصنع
لأنه لايجعله يخطيء أو يشطب!
وعن
القلم
البعض
يفضلونه قلم حبر أزرق وآخر أسود. وما بين ذلك وهؤلاء تصل الطقوس
إلي ذروتها. فالروائي إن لم يجد قلمه المفضل فإنه لايكتب. 'اشتري
من طوكيو أجود أنواع الحبر الأسود فأنا لا أستطيع الكتابة بدونه
لأنه أقرب إلي خط الطباعة 'أضاف الروائي ويرجز، استطاع الكمبيوتر
أن يحل محل القلم بحيث أصبح لايمثل هوسا لايمكن الاستغناء عنه
'إنني أري الكتابة علي الكمبيوتر أفضل: فأنت لست في حاجة إلي
الشطب وتستطيع أيضا تخزين كل ما تكتب علي ديسك والرجوع إليه
وقتما تريد. أي أن نسبة الفقد معدومة مع استخدام الكمبيوتر'،
شرح الروائي رومان سولكمب، وعلي النقيض يختلف معه الروائي فرنسوا
ويرجز الذي يؤكد أن الكمبيوتر يفقدك الأحساس بعملية الكتابة
نفسها. فالمهم بالنسبة له هو التفاعل مع الكتابة برؤية الخط
علي الورق 'إضافة إلي ذلك فإن الكمبيوتر يستهلك الكثير من الوقت
لتكتب فقط 6 ورقات فما بالك برواية قد تتجاوز 200 صفحة!'، يتعجب
الروائي ويرجز.
السرية
التامة
مكتب
الروائي هو معبده الخاص الذي لايسمح لأحد بدخوله. ربما قد يكون
هذا طبيعي في حالة الكتابة ولكن المثير للدهشة هو الرفض المطلق
لأصدقائه وعائلته بقراءة ما يكتبه 'لا أسمح لأي شخص بالدخول
إلي المكتب، فكلنا يعلم فضول الانسان في الكشف عن الشيء المستور.
أنني أضطر مرغما السماح إلي سيدة النظافة بالدخول إلي مكتبي'،
يشتكي الروائي باسولا وتزداد المشكلة تعقيدا اذا زاره أحد أصدقائه
فهو تحت المجهر لايستطيع التنقل بحرية 'أن الكتابة مثل العمل
لاتستطيع أن تتأكد من صحته إلا عندما يولد الطفل، لهذا فأنا
لا أحبذ أن يقرأ أحد أعمالي قبل الانتهاء منها'، أضاف باسولا
صاحب رواية 'فني من ايطاليا' السرية التامة ليست دائما السبب
الرئيسي لمنع أي شخص من قراءة أعمال الروائي فهناك سبب آخر خفي
وهو الأخطاء اللغوية. تخفي الروائية نبتالي ديمز أوراقها عن
الجميع حتي لا يكتشف أحد سقطاتها اللغوية' في الحقيقة مستواي
مثل مستوي طفل في الصف الخامس' وأمام هذه المشكلة الدائمة لم
يكن أمامها سوي دعوة الناشر مساء كل يوم سبت لتملي عليه ما كتبته.
الغريب أن هذا ليس حال نيتالي فقط فلقد اعترف الكاتب جابريبل
جاريتا ماركيز في مذاكرته 'عشت لأروي' كم كان يحس بالمهانة عند
تقديم عمل ما مليء بالأخطاء اللغوية!
خيال
الجائع
الأغرب
هي فكرة ربط النظام الغذائي الصارم بالقدرة علي الالهام والخلق
والابداع، أصبح عدم الأكل من الطقوس الحديثة للروائيين' لا أتناول
أي طعام منذ الافطار في الصباح الباكر حتي المساء فالمعدة هي
أساس المشاكل، كلما كانت خالية ساعد ذلك علي صفاء الذهن'، أضاف
سولكمب. يتفق معه الروائي دنيس روبير الذي يتبع نظام غذائي صارم
أثناء الكتابة يعتمد علي شرب الكثير من المياه وكأس واحد من
الويسكي 'عندما تذهب إلي نزهة علي الأقدام فأنت لا تعبأ بالتعب
بل بمتابعة وتأمل كل شيء حولك. هذا ما ينطبق كذلك علي الكتابة
والمعدة لأنهما كلاهما في حاجة إلي الهدوء والراحة. أتعلم أن
صيام المسلمين مفيد لأن الذهن يعمل بكفاءة أكثر نظرا لخلو المعدة
من أي طعام'.
وقت
محدد
لاتتوقف
حدود طقوس وهوس الروائيين عند نوع القلم والورق والنظام الغذائي
بل تتجاوز كل المقاييس لتصل بنا إلي تحديد وقت معين لتسليم القصة
باليوم والساعة. أليس هذا غريبا لأن أي إنسان لا يستطيع التنبؤ
بقرب أو بعد الانتهاء من كتابة الرواية، فهي أحيانا تستغرق شهرا
أو شهرين أو سنة أو أكثر. أما الروائي كلير كتسليون فكان له
رأي آخر لأنه يمتلك منبها داخليا يجعله ينجز العمل قبل الوقت
المحدد 20 ديسمبر' الوقت المحدد هو شيء رمزي لانجاز العمل ولقد
نفذت ذلك مع رواية 'مخزن الغلال' ووجدته شيئا مذهلا. فالكتابة
كالعمل اليومي لابد من إنجازه في وقت قصير وبكفاءة عالية' وعلي
النقيض تماما فهناك من يظل سنوات ليضع كلمة 'نهاية' فها هو الروائي
سباستن جبارسو ظل سنوات لانهاء روايته 'الأحد الطويل للمخطوبين'
وهناك الروائي سرج جونكود الذي لايكتب إلا في فصل الخريف!
ضوء
النهار وضوء اللمبة.. أيهما أفضل؟ يفضل معظم الروائيين ضوء النهار
ولكن الروائي فرنسوا يعشق رؤية ضوء اللمبة علي الورق الابيض
'في الشتاء قد يمر أسبوع دونما رؤية ضوء النهار، فأنا أفضل إسدال
الستائر والعمل علي الضوء الصناعي أي اللمبة'.
هوس
من كل شيء
يعتقد
معظم الأشخاص أن الروائي كائن من عالم آخر ويتأكد ذلك من بعض
الحالات الشاذة التي تصيب بعض الروائيين. فالروائي فرنسيس باكيه
يغشي عليه أثناء خسوف القمر.
وألفريد
دي هوسيه كانت تصيبه الحمي اذا رأي سمكة. أما هوس الخوف من الطيران
يستحوذ علي أكبر عدد من الروائيين، فالروائي جونكور صاحب واية
'رأيت' يذهب كل مرة إلي المطار ولايستطيع الصعود. فهو يعاني
رهاب من الجلوس مع اعداد كبيرة من الناس' رب ضرة نافعة لأنني
أجلس في بيتي لأكتب'.
يري
المحلل النفسي كريستوف اندريه أن الجسر الذي يربط بين الابداع
والهوس هو 'الحساسية المفرطة'، فالكتابة حالة من الفشل والنجاح:
فشل في الاختيار ونجاح في الوصول إلي حل وسطي يعطيننا الاحساس
بأن ما قمنا به ليس سيئا علي الاطلاق، الحساسية المفرطة تدفع
الروائي إلي المغالاة في بعض الطقوس الغريبة لذا فإنه في حاجة
إلي بعض جلسات التحليل النفسي!
أخيرا
فإن هذه الطقوس التي قد تبدو غريبة هي الموتور الذي يشعل النار
في قلب وعقل الروائي للابداع والتخيل. فمثل هذه الطقوس كمثل
اختيارك لمكان ما وسط الاعصار يجعلك تشعر بالراحة والصفاء الذهني.
فالعادة والهوس هما ما يدفع الانسان إما إلي الأمام واما إلي
الوراء.
أخبار
الأدب