
باريس
كما يراها الكتّاب الأميركيون
مُتَعُ الجسد وتربية الروح
منذ
أيام قليلة، بينما كنت أبحث عن شبكة تيلفزيونية إخبارية، غير
السي إن إن التي لا أطيق أسلوب مذيعيهم الإعلاني وتحيزهم السافر
لإسرائيل برغم أي ادعاء كاذب بالموضوعية. فوجئت بمشهد من فيلم
"أمريكي من باريس" بطولة جين كيلي، الراقص والكوريوغرافي المبدع
وليزلي كارون، راقصة الباليه الفرنسية التي استهوتها هوليوود،
ولقيت نفسي وقد أعدت الريموت كونترول الى المائدة بصورة آلية،
وبدون تفكير.
ربما
كان ذلك بدافع النوستالجيا لعصر وعمر ماضيين، أو الأرجح أني
كنت لا أزال أعايش تجارب كتاب أميركيين فتنوا بباريس ما قبل
الحرب العالمية الثانية وما بعدها، وذلك بالرغم من أني أدرك
أن باريس تلك التي تصورها الأفلام، الأميركية لا تعدو أن تكون
مجرد كليشيات مسطحة لفكرة رومانسية عن المدينة.
ولكن
هذا الفيلم بالذات يشهد بافتتان الكتاب والفنانين الأميركيين
بباريس النصف الأول من القرن العشرين بمن فيهم جيرشوين.
يقول
آدم جوبنيك، في تقديمه للأنثولوجية الأدبية: "أميركيون من
باريس"، التي قام بإعدادها وتحريرها، "أي كوميديا موسيقية
من النوع الكلاسيكي تجري في لندن تتطلب عرساً ملكياً، أو فتاة
في أزمة عاطفية". أما وجود "أميركي في باريس" فهو في حد ذاته
مناسبة للموسيقى، على الأقل للأميركيين الآخرين. وعندما يخطو
بطل لجيمس في غرفة جلوس في لندن، تغوص قلوبنا لإحراجاته، لكن
عندما يدخل فندقاً في باريس ـ لا يهم مدى ركاكة لغته الفرنسية
أو مدى إثارة توقعاته للضحك ـ تبتهج قلوبنا قليلاً إزاء الوعد
بشيء يبعث على المتعة بصدد الحدوث. إن "أمريكي في باريس"،
كما يقولون، هو قصة في حد ذاتها: يحتاج المرء الى مجرد أن
يضعها لتخطر لنا فكرة تدفق قصصي ررطن اذا لم تكن هناك قصة
لتحكى.
ولتأكيد
خصوصية التجربة الأميركية يعقد جوبنيك مقارنة بين الفكرة الأميركية
عن باريس والفكرة الإنكليزية عن باريس ـ التي تبدو ضخمة للغاية
في الكتابة الإنكليزية. وقصة الرجل الإنكليزي في باريس، بالرغم
من أنها في الغالب محررة ومحببة (كما عندما يتنهد سيريل كونوللي
للفنادق الباريسية أمام ارتفاع فندق بليتز) تتحدث دائماً عن
أشياء مائعة وتافهة، والبورديللو والبيديه. وهي مثل فكرة الأميركي
في المكسيك، "البلد المجاور الذي نذهب اليه بحثاً عن قضاء
عطلة نهاية أسبوع خليعة: عبر المحيط لأسبوع مقدس (وهي فكرة
الانكليز، في نيويورك، من وودهاوس الى كوينتين كريسب، والتي
يبدو أن لها اغنيتها الخاصة) فالمسافة تفرض رؤية رومانسية.
ويكتب هارولد نيكولسون سئماً من مذكراته في الثلاثينات أن
صديقاً (سيذهب الى باريس يوم الجمعة، لذا قررت أن أذهب معه
لأنها كانت تقريباً في طريقي)، والأميركي يصدم لذلك. وبالرغم
من هذه البساطة، تبقى باريس رحلة طويلة، وليست "فركة كعب"،
أو أملاً، بعيداً عنا. وحتى في عصر الطيران، لكي يذهب أميركي
الى باريس يحتاج الى قضاء أسبوع وليس نهاية أسبوع، وسبعة أيام
هي كل ما يحتاجها المرء لصنع عالم. وإذا أعطى سبعة أيام، يضطر
الزائر تقريباً، في الواقع، الى صنع عالم".
وهذا
الكتاب، يقول جوبنيك، هو تاريخ للعوالم التي صنعها أميركيون
في المدينة التي ذهبوا اليها ليكونوا سعداء. فكل عالم ترتئيه
أميركا هو عالم نعتقد أننا اكتشفناه (إنها الهند! صاح كولمبوس،
محدداً النبرة)، واحظ بين الوهم والحقيقة أكثر دقة في باريس
منه في أي مكان آخر. إن باريس هي مكان سعادتنا لأننا، ضد منطق
التاريخ والشرف، قد أصررنا على أن تكون كذلك. وهناك مجموعة
من أسباب معقولة، وعاقلة وصحية تؤيد هذا الوهم، وتجدده. فبالرغم
من أننا كنا دائماً نخوض حرباً مع فرنسا، وكذلك، بالرغم من
أن الأشباح تنهض في نورماندي، إلا أنها ليس أشباحاً مؤنبة.
لقد كانت تحاول الذهاب الى باريس، أيضاً. فقد كانت باريس في
معظم تاريخها رخيصة، وكنت تستطيع أن تشرب قدر ما تريد عندما
كنت لا تستطيع أن تشرب كأساً واحدة في ألتونا أو بوجكيبسى.
وحب الفرنسيون للكتاب والرسامين (وعازفي موسيقى الجاز والراقصين)
حب حقيقي وكبير مثل برج إيفيل".
وحيث
إن السعادة متعددة الأشكال، تتحلق سعادة الأميركيين حول قطبين:
قطب بورجوازي أساساً، والآخر بوهيمي. وهناك أميركيون جاءوا
الى باريس من أجل تذوق المأكولات الفرنسية. وهم في باريس ليستمتعوا
بالحضارة البورجوازية المترفة، حضارة الراحة، والمتعة، والمعرفة
والجمال الرسمي ـ أن تسير في حدائق لوكسمبورغ وتدرس في الببليوتيك
(المكتبة الوطنية) وترسم استكشات في اللوفر، أو كما يفعل بعضهم
في هذه الأيام، أن تتعلم الطهو وتعود الى الوطن بوصفات فرنسية.
وهذا النمط يبدأ بجفرسون ويشمل هنري جيمس، ومالكولم، كولي
وماتيو جوزيفسون وكل طالب جامعي يقضي عاماً قبل تخرجه في الخارج،
وكل منهم يهفو الى أن يتعلم شيئاً، وكل منهم، في النهاية،
يتعلم ـ شيئاً.
تتذكر
ماري سارتون زيارتها الأولى لباريس في الثلاثينات: فيها "كانت
هناك لحظات إثارة جمة عندما أفرّ، بعد إنفاق ساعة أتملى فيها
تحت أقواس كشك كتب الأوديون، بجائزتين "بالاستمتاع في حدائق
لوكسمبورغ.. هناك كنت أجلس في ظل أشجار الكستناء، في أواخر
الخريف، بينما تدور الأوراق في دوامات حولي، فأختصر الصفحات،
وأتوقف لأشاهد ريشة النافورة المرتفعة والأطفال يقودون زوارقهم
في البركة المستديرة أسفل النافورة... كل ما رأيته حولي كان
ينساب من الصفحة المطبوعة...".
وعلى
نقيض ذلك، أولئك الذين يصلون على نفس السفينة أو 747، فهم
يأتون باريس من أجل الشراب ـ لفتنة الفن الجديد والتجربة الجديدة،
وعادة، من أجل المشروبات الفعلية، أيضاً. فهم يتعلمون الجماع
بطرق جديدة، أو بمزيد من الطرق مع مزيد من أنواع البشر. وهم
يذهبون الى "الفولى برجير" لتصدمهم راقصات الكان كان أو يصعدوا
الى مونمارتر ليصدمهم الرسامون الحوشيون. وقد حدد هذا النمو
في وقت مبكر بواسطة فرانكلين، الذي حاول أن يغترف أكبر متعة
ممكنة في باريس، وعاد الى الوطن بسمعة، ويمتد الى هنري ميلر،
وجاك كيرواك.. الخ، الى فتى يطوف بحقيبة على ظهره صيفاً.
وبطبيعة
الحال، يشير جوبنيك، ينتهي الأمر بفئتي زوار المدينة بتبادل
الأدوار والمذاقات، مثل زوار جانبي بوفيه واحد. فالناس الذين
يأتون من أجل الشراب، ينتظرون العشاء، والناس الذين يأتون
من أجل العشاء، هم في الغالب نفس الأشخاص الذين يعودون الى
البيت سكارى. وهنري ميلر وجيمس بالدوين مثالان للفئة الأولى،
وأ.جـ. ييبلينج وجيمس ثيربر من الفئة الثانية، وهما يأتيان
من أجل الاستفادة ويعودان الى الوطن وقد تعلما في باريس ألا
يكونا طيبين مرة أخرى.
مزدوجة
والى
حدما، تظهر هذه الحياة المزدوجة لأن لا أحد يستطيع أن يكون
طالباً جيداً طوال الوقت، وحتى الخليع يخمد في النهاية بينما
يتعلم كيف يكون خليعاً. كما تظهر هذه الازدواجية لأن المجتمع
الباريسي، يشمل، على نحو فريد، كل الامكانات في حزمة مفردة.
وكان ينبغي أن يصنع الإنجاز الباريسي، في القرن التاسع عشر،
فكرتين عن المجتمع، الفكرة الهوسمانية للنظام والراحة البورجوازيين،
وأفانجارد ـ لحياة البوهيمية. وبينما كان المجتمعان في حرب
شهيرة ودائمة من حيث المظهر، كانا في سلام دائم في الخفاء،
أو على الأقل، كانا يعتمدان بعمق أحدهما على الآخر على عكس
ما قد يبدو للعيان: و"البورجوازي" هو الاسم الذي يعطيه البوهيمي
لشقة "أبويه"، و"الأفانجارد" ما كان البورجوازي يطلقه على
أصدقاء إبنه. وهذا الوجود المزدوج هو أحد جوانب سحر باريس
الخاصة، وهو يتجلى في أعظم عباقرتها. هل "مانيه" بورجوازي
أو بوهيمي؟ كلاهما، بطبيعة الحال، وحياته وفنه يبيّنان ان
الإثنين في الحضارة الفرنسية، حسب تعبير هنري آدمز، ممغنطين
ـ الكترونياً، وليسا مجرد حقل واحد يبدو مثل حقلين، بل حقل
واحد يفرز دائماً الحقل الآخر.
وبينما
يبحث الأميركيون عن هذين الشيئين، متع الجسد وتربية الروح،
يواجهون مرة بعد الأخرى حاجزين. أحدهما هو مجرد قيد اللغة.
فالناس يتحدثون بالفرنسية في باريس، والفرنسية وحدها، وبقراءة
الذكريات البريطانية في الثلاثينات يشعر المرء بدهشة إذ يجد
أن الطبقات العليا تتحدث جميعاً، برباطة جأش الى حد ما، باللغة
الفرنسية، بينما الطبقات العمالية، إذا أتت أبداً، تفترض أن
المهمة هي أن تتعلم اللغة. والأميركيون يفتقرون تماماً الى
معرفة اللغات الأجنبية، ويشعرون بثقة كبيرة أن ذلك لا يهم،
وتتجلى دراما تعلم الفرنسية، كما يشير جوبنيك، والفشل في تعلم
الفرنسية، أو عدم إتقانها مرة بعد الأخرى في الكتابات الأميركية
التي تضمها الأنثولوجيا، بينما قد لا تظهر في كتاب عن مذكرات
كاتب إيطالي أو روسي. وعلى سبيل المثال شكك أصدقاء هيمنجواي
في إجادته للفرنسية، بينما كانت فرنسية غيرترود ستاين، حسب
ما ردده البعض، مهزوزة.
ويلاحظ
جوبنيك أن الأميركي مهما بلغ ولعه بباريس، يظل ولاؤه لبلده
وارتباطه الإجتماعي وانتماؤه الروحي لأميركا. "وعندما يضرب
أميركي بجذوره في فرنسا، يحدث ذلك دائماً تقريباً عن طريق
الزواج، وليس عن طريق صداقة أو حتى مدة وجوده. ومن بين 69
شخصية ضمتها قائمة "أميركيون في باريس" أصبحت ماري كاسات وجوليان
جرين فقط "فرنسيين" كلية، وجرين ولد نصف فرنسي، وأصبح كاتباً
فرنسياً وعضواً بالأكاديمية الفرنسية بالفعل والروح، بينما
تزوجت كاسات الفنان الفرنسي ديجا Degas.
إن
العشرينات الأميركية في باريس تمثل مشكلة للأنثولوجي. فقد
كانت عقداً ارتبطت فيه فكرة الأميركي في باريس بالخيال الأميركي
ـ العقد الذي كتب فيه غيرشوين عمله الموسيقي المميز. ويشبه
جوبنيك كتابات كتاب هذه الحقبة الذين عرفوا باسم "الجيل المفقود"
بالكرمة، إذ يساعد الضغط على خلق النكهة، وفضلاً عن وجود شيء
ما مترهل بصورة مخيبة للأمل ومزدحم فيما يتعلق بالعدد اللانهائي
من مذكرات ذلك الوقت التي تغرق القارئ، يغذي بعضها البعض.
وربما كان "الجيل المفقود"، "لم يُفقد بما يكفي".
"ويشعر
المرء أن باريس كانت بالنسبة لهيمنغواي في العشرينات مجرد
نيويورك أخرى، حيث كان الناس، وحين كنت تعمل وكان يتوقعأن
تعمل.
وبعد
ذلك بمدة طويلة، مثل رجل الكتب الأخيرة العجوز الحزين، اخترع
باريسه الخاصة.
وقد
فشل كثير من الأميركيين في تحقيق توازن بين ملذاتهم وتكلفتها
في الأيام المقبلة للدولار القوي، قبل أن ينهار سوق الأوراق
المالية في 1929. وقد مثل هيمنغواى، وفيتزجرالد ولانجستون
هذا، وغيرترود ستاين، ويرجين طومسون، وإي.إي. كمينغز، وآخرون
غير متوقعين، مثل شيروود أندرسون وويليام فولكنر، اللذين وقعا
أسيري حب المدينة. كما تدفق موسيقيو الجاز على باريس، كما
تقول غيرترود ستاين ليكتشفوا القرن العشرين. "لقد كانت باريس
هي المكان الذي كانت التقاليد فيه من الرسوخ بحيث كان باستطاعتهم
أن يبدوا عصريين، بدون أن يكونوا مختلفين، وحين كان قبول الواقع
من الرحابة بحيث كان يمنعهم أن يجعلوا أي أحد يشعر باللاقع".
وبالرغم
من أن هيمنغواى يرتبط في ذهن الأميركيين بباريس أكثر من أي
كاتب آخر، بمن فيهم إديث وارتون وجانيت فلانر، لم يكتب هيمنغواى
عن المدينة شيئاً يذكر بخلاف الفصول الأولى الشهيرة لرواية
"أيضاً تشرق الشمس" (1926). وفي الواقع، لا يتضمن أي من مؤلفاته
جزءاً موسعاً عن باريس، وتميل إشاراته الى المدينة الى أن
تكون ذات صبغة أميركية محض، الى أن صدر كتاب "الوليمة المتحركة"
(1964) بعد وفاته.
أحمد
مرسي / نيويورك - المستقبل - الاثنين 24 أيار 2004