حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

لانغستون هيوز في باريس

ماذا يفعل غريب، وبدقة أكثر، شاعر أميركي أسود في باريس التي يرغب في الإقامة فيها لمدة غير قصيرة، بسبعة دولارات في حافظته؟

يحكي لانغستون هيوز في كتابه "البحر الكبير" (1940) أن شراء تذكرة ودفع رسوم تأشيرة دخول فرنسا التهما ميزانية الرحلة ولم يبق منها عندما وصل الى محطة قطار باريس Gave du Nord غير دولاراته السبعة. "لم أكن أعرف أي أحد في أوروبا كلها، فيما عدا أسرة الحارس الهولندي العجوز في روتردام، لكنني عزمت على قضاء بقية الشتاء في باريس (التي وصلها في شهر شباط)".

أودع هيوز متاعه في غرفة تخزين الأمتعة واحتسى فنجان قهوة مع قطعة من الخبز في المحطة. وهناك اكتشف أن تحصيله من الفرنسية في المدرسة الثانوية لم يسعفه ولم يفهم شيئاً مما يقال له. فهم "يتحدّثون بسرعة شديدة، لكنني أستطيع أن أقرأ الفرنسية".

واستقل سيارة باص وذهب الى ميدان الأوبرا، قلب باريس، حتى يتعرّف على معالم المدينة قبل أن يبدأ البحث عن عمل. "عندما وصلت الى الأوبرا، كان يتساقط جليد مبتلّ دقيق. وكان الناس يتدفّقون خارج المترو في طريقهم الى العمل".

"ونظرت عبر الشارع ورأيت "كافيه دو لابيه" وسرت الى الندوم، وسرت في شارع "لاييه" ثم ذهبت الى الكونكورد، وتعرّفت على الشانزليزيه و"قوس النصر" العظيم من على بعد عبر الجليد.

"لكم غمرتني النشوة! وقد تنازعتني الرغبة بين السير قدماً الى "الشانزليزيه" أو الاتجاه الى نهر السين، ماراً بالتوليري، وأخيراً اتخذت طريق النهر، على أمل أن أرى أكشاك الكتب وكنيسة نوتردام، ولكني انتهيت في اللور، بدلاً من ذلك، متطلعاً الى ينوس".

وبطبيعة الحال، شعر عند خروجه من المتحف بالتعب والجوع. ولم يكن قد حلّ بعد مشكلة المبيت، وأين سيقضي ليلته الأولى في باريس، أو حتى كيف يبحث عن فندق رخيص. وقد جال في خاطره للخروج من هذا المأزق، أن يبحث عن أي شخص أسود في شوارع المدينة.

وبالفعل، وقعت عينه على "نيغرو" أميركي في زيّ "بوّاب"، والذي قال له إن معظم الأميركيين السود الذين يعرفهم يعيشون في مونمارتر وأن جميعهم موسيقيون يعملون في المسارح والملاهي الليلية. ووصف له كيف يذهب الى مونمارتر. فذهب مشياً على الأقدام، ماراً بـ"نوتردام دو لوريت"، ثم صعد التل. ووصل نوتردام في الرابعة صباحاً. وكان معظم الناس على وشك الانصراف بعد أن تناولوا إفطارهم في تلك الساعة، لأنهم يعملون طوال الليل.

وعندما قال لأحدهم إنه يبحث عن محلّ إقامة رخيص وعن عمل، سأله عن الآلة التي يعزف عليها، فأفهمه أنه ليس موسيقياً، وسأله مرة أخرى عمّا إذا كان يرقص. وعندما تبيّن للرجل أنه لا يعزف ولا يرقص قال له "لا بدّ أنك فتى مجنون، فليس هناك أيّ عمل آخر هنا. فهناك العديد من الفرنسيين للعمل العادي. وما لم تكن تستطيع أن تعزف الجاز أو ترقص "التاب"، فليس أمامك إلا أن تعود الى من حيث أتيت". وأكد بقية الأميركيين السود أن هذا هو الأمر الواقع "ليس هناك عمل (آخر) هنا". لكن أحدهم أشار الى فندق وطلب منه أن يذهب إليه ويسأل عما إذا كانت لديهم غرفة رخيصة.

وذهب بالفعل ولكن سعر الإقامة، نحو دولار، كان باهظاً، ولكنه يضطر مع ذلك الى قضاء تلك الليلة في الفندق ثم تناول عشاءه الأول في باريس، وعلى الرغم من الغلاء الفاحش، دولار تقريباً للمبيت، وعلى الرغم من رطوبة الجوّ والطرق الموحلة ـ بعد أن تحوّل الجليد الى مطر مزعج ـ يقول لانغستون هيوز "بدأت أحب باريس بعض الشيء، وأعتبر ذلك شيئاً شخصياً".

وفي اليوم التالي، ذهب الى أي مكان يتحدّث فيه الناس باللغة الإنكليزية، المكتبة الأميركية، السفارة، أميريكان إكسبرس ومكاتب الصحف، بلا جدوى. فلا بد أن يحمل بطاقة هوية. بينما نصحه كثيرون بالعودة الى الوطن، لأن باريس تعجّ بالعاطلين.

ولكنه لا يستطيع، مع ذلك، أن يعود الى الولايات المتحدة بخمسة دولارات، بعد أن أنفق في ليلته الأولى دولارين! وتسكّع في الشوارع. وفي ساعة متأخرة بعد ظهر ذلك اليوم، عاد الى مونمارتر، الى المقهى نفسه المواجه للفندق الذي لم يجد فيه غرفة ما لم يدفع أجر الليلة مرة أخرى. ولكنه إذا أخذ الغرفة وتناول طعام العشاء فسوف يتبقى معه قرابة أربعة دولارات! وكانت حقيبته لا تزال مودعة في محطة القطار، ومن ثم لم يكن لديه ملابس نظيفة ليرتديها. وقد بدأ المطر الخفيف يتساقط من جديد، وكان جائعاً ويشعر بالبرد، ولم يحتس طوال اليوم غير فنجان قهوة مع "رول" من الخبز.

فنجان قهوة

وتكوّم على مقعد بالمقهى الصغير وطلب فنجان قهوة ثانياً وقطعة "كرواسان"، الثانية في اليوم نفسه. ويصف لانغستون الكرواسان لقارئه الأميركي التي لم تكن معروفة في الولايات المتحدة في ذلك الوقت (وفي الواقع لم يصبح الكرواسان مألوفاً هنا إلاّ في أوائل التسعينات).

وبينما كان يتحدث مع أميركي أسود، من بين روّاد المقهى عن إمكان العثور على فندق رخيص، سمعته فتاة ذات شعر أحمر كانت تجلس قريبة منه فقالت له بصوت مرتفع "تقول إنك تبحث عن فندق؟ أعرف فندقاً ليس غالياً". فردّ "أين وكم؟". وطمأنته أنه لن يدفع شيئاً تقريباً. وطلبت إليه أن يأتي إليها لتشرح له. وصحبته لرؤية المكان. وفي الطريق عرف منها أنها روسية جاءت الى باريس من القسطنطينية في جولة مع فرقة باليه روسية. وفعلاً، يهتدي أخيراً الى ضالته المنشودة، غرفة بخمسين فرنكاً في الأسبوع الواحد. ويتهور فيستأجرها لمدة أسبوعين. "كنت أدرك أنه لن يتبقى معي شيء تقريباً، ولكن سوف يكون لي مكان أنام فيه".

وبعد دفع أيجار الغرفة ورسوم إيداع حقائبه بمحطة السكة الحديد تبقى معه مبلغ يكفي احتساء قهوة و"رولات" خبز لمدة أسبوع، إذا التزم بعدم أكل أي شيء باستثناء الخبز وفنجان القهوة. وعند عودته ليلاً بمتاعه الى الفندق، فوجئ بأن الفتاة الروسية حمراء الشعر تشاركه الحجرة ذات السرير الواحد، وأنها في وضع مادي أسوأ منه. وسألته إذا كان يستطيع أن يعطيها بضعة فرنكات لتذهب الى محل البقالة لشراء وجبة عشاء لكليهما. ويعطيها عشرة فرنكات. ويبسطان الطعام على السرير.. جبن أبيض وخبز وقنينة نبيذ صغيرة. ويعرف من الفتاة أنها تبحث عن عمل هي الأخرى. ولا يملك إلاّ أن يأمل أن يوجد أحدهما عملاً حتى يضمنا الأكل، على الأقل.

وبالفعل، تُوفّق في إيجاد عمل قبله. وفي اليوم التالي، يكتب لانغستون رسالة الى أمه في أميركا يطلب فيها قرضاً. "وكانت هذه هي المرة الأولى التي أرسل فيها رسالة الى الوطن من أجل نقود. وقال لها إنه انحصر في باريس، وهل تستطيع هي أو أبوه أن تبرق عشرين دولاراً؟

"لقد حلّ الجوع أيضاً. لم ينجح تناول الخبز والجبن مرة واحدة في اليوم في إبعاد الجوع. وبيع ملابسك، عندما لا تملك منها الكثير. لم يبعد الجوع. والذهاب الى الفراش مبكراً والاستيقاظ متأخراً لم يبعد الجوع. والبحث عن عمل ورفضك دائماً لم يبعد الجوع. كما أن النوم وحدك لم يبعد الجوع".

سونيا

"كانت سونيا ـ راقصة الباليه ـ تمارس تمرينات تليين المفاصل فوق الفراش كل صباح. إذ لم يكن هناك مكان لكي تؤديها على الأرض، وكانت تريد أن تحافظ على لياقتها البدنية عسى أن تجد عملاً كراقصة. لكن مونمارتر كانت مليئة بالراقصات الروسيات وليس هناك وظائف.

"كانت في الرابعة والعشرين، أكبر سناً مني. وكان أبوها على الجانب الخاطئ في الثورة الروسية وهرب الى تركيا. وتوفي في رومانيا. ثم رقصت سونيا في بوخارست، وأثينا، وقسطنطينية، وترييستا ونيس، حيث تفكّكت الفرقة بسبب مرض المدير وانتهاء مدة العقود وتصاريح العمل. واضطرت سونيا، التي كانت مثلي لم تر باريس أبداً من قبل، الى حزم أمتعتها والسفر شمالاً.

والآن ملابسها المسرحية جميعها مرهونة، وأحسن ثيابها أيضاً. وعلى الرغم من ذلك، لم تكن تبدو في حالة سيئة عندما كانت تخرج. وكانت تمشي برأس مرفوعة. وقد استطاعت أن تسحب من يدي المرابي فستان سهرة مُزيناً بحبّات من الترتر بلون اللؤلؤ، وهو معلّق مترهّلاً على حائطنا.

وتجد سونيا عملاً كراقصة بملهى "زيللّي" الشهير في شارع فونتين. لا كراقصة في عرض، لكن كراقصة مع الزبائن ـ أي فتاة تجلس الى الموائد، وتراقص الزبائن وتغريهم بطلب المزيد من الخمر ـ وفي العادة الشامبانيا. لم يُقطع لها راتب ولكنها تحصل على عمولة عن كل زجاجة شامبانيا، بعد الزجاجة الأولى.

وبينما تنقّلت سونيا من ملهى الى آخر أملاً في الحصول على دخل معقول، كان هيوز لا يزال يبحث عن عمل، وقد باع تقريباً كلّ ملابسه.

وذات صباح تعود سونيا الى الفندق وتوقظه بصرخة بهيجة: "أنظر.. أنظر هنا" وتفتح حافظتها فتتساقط منها النقود على السرير. "من أين جئت بها؟"، يسأل في نعاس. وتردّ "أخذتها من دانمركي قد بدّدها على أي حال".

ويبدو أن دانمركياً كان يزور باريس لأول مرة، قد شرب حتى الثمالة: الثماني قنّينات التي أغرته سونيا بشرائها. وعندما حلّ وقت إغلاق الملهى ساعدته على دفع فاتورته، أيضاً، ثم ساعدت نفسها بكبشة من فرنكات الدانماركي.

"لم آخذ كل نقوده، بل مجرد فرنكات قليلة أحتاجها". ويخرجان الى حلاّق ويقصّان شعرهما. ويمسح حذاءه، وتدهن سونيا أناملها بالمانيكير. ثم يتناولان الغداء في مقهى يطل على Place Pigalle. وبعد ذلك يذهبان الى احدى دور السينما. أول دار سينما يدخلها. وفي المساء يذهبان الى مقهى يتردد عليه فنانو مونمارتر الأدائيون كان يسميه السود "حُفرة البراغيت"، ويجلسان الى مائدة تطلّ على الشارع. وفجأة، تختفي سونيا تحت المائدة. وأشارت الى كل من يتساءل عن السبب بالتزام السكوت وعدم الاكتراث بها. وتهمس له بأن الدانماركي الضخم كان يمرّ أمام زجاج نافذة المقهى حيث كانا يجلسان. ولحسن الحظ، لم تقع عينه عليها.

مر الآن شهر ولكنه لم يوفق في البحث عن عمل. وواضح أن فرنكاته الأربعة التي دفعها كمقدم إيجار نصف الفرقة لأسبوعين كانت هي كل ما يملكه في ذلك الوقت. وعلى الرغم من أنه كان يبيع ملابسه قطعة بعد أخرى، لا أحسب أنه عاش هذه المدة معتمداً على دخله من بيع ملابسه. وعلى الرغم من أنه لم يذكرها صراحة إلا أن إنفاق الفتاة الروسية مسروقاتها من الدانمركي يبين أنها لم تكن تبخل بمشاركته في السراء القليلة والضراء المعتادة.

لم تصله رسالة من أمه، أو حتى مجرد برقية بالعشرين دولاراً. "وأخيراً، عندما استلمت رسالة من الوطن، كانت تحتوي على أطول قائمة مصائد وقعت عيني عليها على الإطلاق على فرخ من الورق.

"في البداية، كتبت أمي تقول إن زوج أمي كان مريضاً مرضاً خطيراً في مستشفى المدينة يعاني التهاباً رئوياً، وهي نفسها بلا عمل ولا نقود: وقد طرد شقيقي الصغير من المدرسة بسبب عراك، والى جانب كل ذلك، كان النهر يرتفع في ماكيسبورت. وقد بلغ ارتفاع المياه بالفعل حد الركبتين عند باب البيت، وإذا زاد الارتفاع، سوف تضطر الى الحصول على قارب وتترك البيت. لقد غادر اليهود الذين يعيشون في الطابق الأسفل البيت ليعيشوا مع أقارب. لكن ليس لدى أمي مكان تذهب اليه، بل إنها لم تتمكن حتى من أن ترسل لي طابع بريد بسنتين، ناهيك عن عشرين دولاراً. والى جانب ذلك، ما الذي أفعله بعيداً في فرنسا؟ لماذا لم أبق في الوطن مثل الناس الطيبين، واحصل على وظيفة، وأذهب الى العمل وأساعدها ـ بدلاً من التسكع للمتعة فيما حول العالم مثل بحار، وأكتب من باريس من أجل نقود؟".

"حسناً، لم أشعر بالارتياح، وتساءلت كيف سأعود الى الوطن على الإطلاق وكيف سوف تمضي أمي في حياتها وفي راحتيها هذا القدر من المتاعب".

ولحسن الحظ، بعد وصول ذلك الخطاب، حصل على عمل صدفة، كبواب أو حارس لملهى. وقادته صاحبة الملهى، سيدة من جزر المارتينيك الى المطبخ حيث أطعمه "الشيف"، وكان الأجر 5 فرنكات في الليلة مع وجبة العشاء.

"لم يكن لدي زي رسمي، لكنني اشتريت في اليوم التالي، من "سوق البراغيث" قلنسوة زرقاء بشريط ذهبي مضفور، مما خلع علي مسحة من السلطة. وكان راتبي يعادل ما يقل عن 25 سنتاً بالنقود الأميركية لكنه كان عوناً كبيراً في باريس حتى أستطيع أن أجد شيئاً أفضل.

"وبعد أن بدأت العمل في خدمة السيدة المارتينية بقليل، وقعت سونيا عقداً للرقص في "لوهافر"، ولذا ذهبت معها في أحد أيام مارس الممطرة الى محطة سان لازار لأودعها. لقد بكت وشعرت بعدم ارتياح لرؤيتها وهي تبكي. لقد كانت صديقة رائعة وكنت أستملحها. ولوحت لي من النافذة بينما تحرك القطار الطويل. ولوحت لها، ولم أرها بعد الآن على الإطلاق.

"وفي تلك الليلة شعرت بوحشة وحزن وأنا أقف خارج باب "الصندوق" الصغير في ليلة الشتاء المبتلة الباردة، ياقتي مرفوعة وقلنسوتي ذات الضفيرة الذهبية مسحوبة الى أسفل بحيث غطت أذني بقدر الإمكان. وكنت من وقت الى آخر أخطو داخل الباب ابتغاء الدفء. وكان الإقبال ضعيفاً.

"لقد كان ملهى ليلياً صغيراً للغاية لا يتسع لأكثر من عشر موائد. وكان البار صغيراً للغاية. وكانت هناك أوركسترا تزيغان صغيرة، ومؤد. وكثير من المعارك الكبيرة في المكان".

"ونظراً الى أنهم كانوا لا يبيعون السجائر، كنت أحصل على بقشيش الى حد كبير عن طريق الذهاب الى محل التبغ القريب لشراء علب السجائر للزبائن. لكن عندما تنشب معركة أدعي أني ذاهب الى محل التبغ حتى لا أستدعى لفضها. لم أكن أعرف عندما التحقت بالعمل أنه كان يتوقع مني أن أقوم بدور منع العراك الى جانب عملي كبواب، ولم ترق لي مهمة فض الشجار، لكن المعركة الأولى التي شهدتها كانت بين نسوة، وقد قمن بتحطيم كؤوس الشامبانيا على طرف المائدة، ثم شرطت إحداهن الأخرى بسيقان الأقداح الحادة.

رومانية

وكانت صديقة المدام فتاة رومانية طويلة القامة رسمت على عينيها دوائر خضراء ضخمة، وكانت تأتي الى الملهى دائماً في لباس ركوب الخيل أبيض..، حذاء "بوتس" وأبيض وقبعة بيضاء، وتحمل سوطاً أسود. وكانت المدام نفسها تتشاجر إذا أهينت الفتاة من جانب أي من الزبائن. أما أن أتقاضى أجراً عن هذه المهمة خمسة فرنكات، أعتقد أنه ليس كافياً، فالخناقات كانت كثيرة جداً، لذلك سررت عندما وجدت عملاً آخر. فقد أبلغني رايفورد لوجان بافتتاح ملهى ليلي معروف بشارع بيجال.

إن رايموند لوجان يعمل الآن بروفسوراً للتاريخ بجامعة هوارد في واشنطن. وعندئذ، كان يعيش في فرنسا منذ الحرب، كأحد الضباط النجوم الذين بقوا هناك بدلاً من العودة الى الوطن. وكان في ذلك الوقت يتنقل فيما حول مونمارتر على عكازين، إذ كسرت رجله في حادث باص. وقد تلقى ـ الأزمة ـ طوال الوقت في باريس، وقرأ قصائدي، لذا حاول، عندما عرف أني شاعر، أن يساعدني على إيجاد عمل. وذات يوم أرسل لي من يبلغني أنهم يحتاجون الى طباخ ثان في الملهى الليلي الشهير "غراند دوك".

"لم أكن أعرف الطهو، لكنني قررت أن أقول إنني أستطيع أن أطهو. ولحسن الحظ، كان لقب الطاهي الثاني يعني غاسل أطباق، لذلك حصلت على الوظيفة. وقد طردوا صبياً آخر ليعطوها لي. والغريب حقاً، أن الصبي الآخر تصادف أن يكون من كليفلاند، أيضاً، فتى بني البشرة طويل يسمى "بوب". قال رؤساء العمل إنه كان يأتي للعمل متأخراً، وكان لا يعتمد عليه، وقد كسر أطباقاً كثيرة، وكان يلعن أصحاب الملهى.

وقد طلب مني جين بولار، المدير الأسود، أن آتي للعمل في الساعة الحادية عشرة. والراتب 15 فرنكاً لليلة مع الإفطار.

لقد كنت أنمو في العالم..

لا بد من الاعتراف بأني عندما هممت بتقديم أنتولوجيا "أميركيون في باريس"، تحرير آدم جوبنيك، الناشر "ذي لايبراري أوف أميركا"، كنت أعتزم أن أبدأ بمقتطف من مذكرات الشاعر لانغستون هيوز. وواضح أن طرافة تجربته، كأميركي "زنجي" أساساً، وشاعر في مقتبل العمر أتى عاصمة النور وفي نيته أن يقيم فيها مدة طويلة وليس في جيبه إلا سبعة دولارات، وصراحته وبراءته وأسلوبه السهل الممتنع، وهي بلا شك تختلف عن تجارب غيره من الكتاب والشعراء الأميركيين البيض الذين ضمت الأنتولوجيا نماذج من يومياتهم ورسائلهم، ومن بينهم إرنست هيمنغواي وكارلوس ويليامز كارلوس على سبيل المثال لا الحصر، قد غمرتني فلم أملك أمامها إلا أن أنقلها الى القارئ شبه كاملة آملاً أن أستكمل مراجعة المجلد الضخم، أكثر من 600 صفحة ـ في مقال ثان.

 

أحمد مرسي / نيويورك - المستقبل - الخميس 3 حزيران 2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri