الشاعر
والروائي الروسي

بوريس
ليونيدوفيتش باسترناك
Boris Leonidovich Pasternak
سيرة
حياة:
ولد
في العاشر من شباط/ فبراير عام 1890(1) في مدينة موسكو في
حيِّ أروجيني (Arugeniy أي: سوق السلاح). كان أبوه ليونيد
باسترناك أستاذاً في معهد الرسم والنحت والعمارة ورسّاماً
معروفاً يرسم اللوحات الزيتية ولوحات الغرافيك ويصمم أغلفة
الكتب لمشاهير كتاب عصره مثل ليف تولستوي وغيره. وقد أثَّر
هذا الأب الفنان في موهبة الابن، إذ يشير نقاد تلك الحقبة
إلى أن لوحات باسترناك الابن كانت تنبض بالحياة وترصد الظواهر
لتستعرضها وتنتقدها وتستشرف آفاقها في نواحيها المختلفة والمتباينة.
وكانت أمّه روزاليا كاوفمان عازفة بيانو مشهورة ومدرسة للموسيقا،
وكانت معطاءً في فنها كما كانت معطاءً في بيتها. فأثر كلا
الأبوين في الابن كُلٌّ من جانبه، إذ كان يمكن للابن بوريس
باسترناك أن يكون رساماً وموسيقياً في آن. يشير باسترناك في
سيرته الذاتية: (الجائزة المصون) إلى دور الموسيقى في تطوير
مسيرة حياته الإبداعية كلها منذ سنوات صباه الأولى فيقول:
"كان المستحيل الوحيد الذي كانت مخيلتي تعجز عن تصور وقوعه
هو إمكانية قيام الحياة لحظة واحدة من غير موسيقا. فالحياة
عندي كانت تقبل كل صورة ممكنة في إطار النغم وحده. الحياة
هي الموسيقا، والحياة الموسيقية وحدها هي الأصل الذي يقبل
بعد ذلك كلَّ شيء من مأساة إلى ملهاة إلى ملايين الظلال والدرجات
التي تتفاوت وتتباين بين هذين الطرفين"(2). وكانت تُقام في
شقة آل باسترناك حفلات موسيقية صغيرة يشترك فيها الموسيقار
الروسي الكبير رحما نينوف (1873ـ 1943) ويحضرها ليف تولستوي،
حتى إن الطفل بوريس استفاق مرةً على أنغام تشايكوفسكي تعزفها
أسرته أمام الكاتب الروسي العظيم... كان ذلك عام 1894. وكان
الموسيقار الروسي سكريابين يتردد على منزل العائلة أيضاً...
يقول باسترناك عن هذا: "أحببت سكريابين جداً، وبدأت أدرس الموسيقى
قبل أن أتعرف إليه بقليل، وكنت، عندما عاد من الخارج، تلميذاً
لواحدٍ من أكبر الموسيقيين اليوم، ولم يكن قد بقي عليَّ سوى
أن أتعلّم التوزيع الموسيقي... إنني لا أستطيع أن أدرك الحياة
بعيداً عن الموسيقا... ففيها يجتمع عندي كل جميل وذكي وإبداعي..."(3)،
وقد أكد باسترناك أنَّ جوَّ المنزل هذا كان أساساً في تكوينه
الفنيّ... وكان يمكن له أن يكون رساماً أو موسيقياً أو فيلسوفاً..
إلا أنه كان يرى العالم بعيني شاعر يكتب الشعر والنثر بنغمة
غنائية شفّافة.
تشكل
هذه الفترة المرحلة الأولى من تشكل وعي باسترناك الطفولي،
كما يقول باسترناك نفسه، أما المرحلة الثانية منه فقد تَمَّتْ
خارجَ منزل العائلة، وتكوَّنت بفضل ما يسميه باسترناك بـ "ملحمة
الوَجْد" التي كان يسمعها في الغابة المجاورة لمنزل ريفي تقيم
فيه العائلة كلَّ صيفٍ، ويقع في إحدى ضواحي موسكو (ضاحية أبو
لينيسكي)، إلا أن عبث الطفولة في أثناء تلك الإقامة الصيفية
أدّى إلى إصابة الصبيّ بعرجٍ دائم كان يتغلب عليه ويخفيه بعناء
كبير لكنه أعفاه من الخدمة العاملة على خط النار في الحربين
العالميتين الأولى والثانية. ويروي باسترناك قصة إصابته تلك
في سيرته الذاتية فيقول: "تأخرت عودتنا في ذلك الخريف (خريف
عام 1903) من الضاحية بسبب حادثٍ وقع لي. كان أبي قد رسم لوحةً
سماها (في المساء) صَوّر فيها فتياتٍ من قرية باتشاروفا عند
الأصيل وَهنَّ يدفعن قطيعهن بسرعة في المرج الأخضر عند أسفل
التل حيث يقوم منزلنا الريفي. وكان أن ذهبت إليهن وتعرفت إليهن
وتعلقت بهن لأشترك معهن بالقفز من ضفة الساقية العريضة إلى
الأخرى على ظهر فرسٍ انقلبت بي فوقعت وكسرت ساقي التي التأمت
بعد ذلك لتكون أقصر من أختها بقليل".
كان
حيّ أروجيني ـ أو سوق السلاح إذا عَرَّبنا التسمية ـ حيّاً
موسكوفياً شعبياً أصيلاً، ولذا تأثرت نشأة الفتى بوريس باسترناك
بعاملين متناقضين يتألفان من "تراكم عناصر الخوف والدهشة معاً"،
فقد تشكلتِ الحياة في داخل بيت العائلة من اتساق النغم واللون
في منزل جميل كان يستقبل الأدباء والشعراء الرمزيين مثل فلاديمير
سلافيوف (الأب الروحي والمنظّر الأيديولوجي للرمزية في روسيا)
وليف تولستوي الذي كان يمثل الروح الروسية في أنضج تجلياتها،
إضافةً إلى أعلام آخرين في الأدب الروسي كان من أهمهم أنطون
تشيخوف، أما خارج أسوار ذاك البيت فقد كانت حياة الحيّ تعج
صاخبةً في فسحاته الرحبة وخانات عرباته وتجمعات عتّاليه وضراعة
شحّاذيهِ وتوجسّ غربائه وصعلكة مشرديه... وإذا كان الحيّ صورة
للحياة الشعبية الموسكوفية فقد كان البيت ملتقىً للنخبة المثقفة
في موسكو، حيث تتجلى أحوال المثقفين المرقشة، بدءاً من أكثرهم
غنىً وترفَاً، وانتهاءً بأعتاهم فقراً وفاقة، مروراً بزي بعضهم
الشعبي المغرق في تقليديته، وصولاً إلى طراز بعضهم الآخر الأوربي
المبالغ في جدته وركضه وراء الدُّرْجَة، وفي هذا البيت كانت
تتفاعل الآراء المختلفة ووجهات النظر الفنية والأدبية المتباينة
بدءاً من النزعة الروسية القومية المنغلقة، انتهاءً بالنزعة
الحداثية المشرِعة أبوابَها على العالم، خاصة وأن موسكو كانت،
منذ ذلك الحين، ترتبط بشبكة كثيفة من الخطوط الحديدية مع بلدان
أوربا المجاورة من جهة، ومع جميع أرجاء روسيا التي كانت تغلي
وتفور وتنتفض في سنوات التمخضات الكبرى التي كانت تضرب روسيا،
فالحركة العُمّالية أوصلت إضراباتها إلى أوجها، أما الحركة
الأدبية فقد راح يهدر فيها صوت غوركي برومانسية ثورية تجلت
في قصته: "أغفيةٌ عن طائر الرعد"، حين كان تولستوي يعاني أشرس
أزمة في حياته، فراح يطوف أرجاء روسيا ليفتتح المطاعم المجانية
للفلاحين الجياع، لينتهي به التطواف إلى إطلاق صرخته الكبرى:
"لم أعد أستطيع الصمت".
عندما
بلغ باسترناك الرابعة عشرة من عمره منح معهد الرسم والنحت
والعمارة الأسرة شقة جديدة تابعة له في منطقة مياسنوتسكايا،
حيث تقع الأكاديمية التي كان يُدرِّسُ فيها أكبرُ الأساتذة
في أوربا، وقد تخرج فيها أهم فناني روسيا في تلك الحقبة، فتحولت
الشقة السكنية التي انتقل إليها آل باسترناك إلى ملتقى لأهمّ
الشخصيات الفكرية والثقافية والفنية في روسيا كلها. وكانت
موسكو في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين قد اجتذبت
إليها قوىً ثقافية كثيرة وكبيرة، واجتمعت فيها تقاليد قومية،
من روسية وغيرها، مما خلق أنماطاً تعبيرية جديدة في تفردها
وتباينها، بعد أن نشأ في روسيا جيل من الأثرياء الجدد الذي
رعوا الفن وشجعوا كلَّ جديد، ولم ينفقوا ثرواتهم على بناء
القصور واقتناء التحف فحسب، بل راحوا يجمعون روائع الفن العالمي
في بيوتات صارت فيما بعد من أغنى المتاحف. وقد وجد هذا الغنى
الفني والثقافي انعكاساً واضحاً له في تداعيات باسترناك التعبيرية
في تلك الحقبة.
أنهى
ب. باسترناك المدرسة الثانوية في موسكو عام 1908، ومنذ أن
كان تلميذاً كان يتقدم إلى امتحان مقررات المعهد الموسيقي
(الكونسرفاتوار)، وقد نجح فيها بامتياز لكنه لم يتقدم إلى
امتحان التوزيع الموسيقي، بل التحق بقسم الحقوق في جامعة موسكو،
لكنه ما لبث أن تخلى عنه لينتقل إلى قسم الفلسفة حيث أنهى
دراسته فيه عام 1912، ليسافر بعدها إلى ماربورغ لإتمام دراسته
العليا. وكانت ماربورغ حينئذ مزدهرة بمدرستها الفلسفية الكانتية
التي يقف على رأسها هيرمان كوهين [H. Cohen، 1842 ـ 1918]،
فالتحق باسترناك بها، وكان جاداً في تحصيله، إلا أنه انقطع
فجأةً قبل إتمامها ورحل إلى فرنسا ليتزوج بفتاةٍ إيطالية،
وتخلى عن دراسة الفلسفة مفسراً ذلك بأن طبعه أبعد ما يكون
عن الصرامة الفلسفية وأقرب إلى إدراك الواقع إدراكاً أكثر
مرونة وحيوية، إذ لم يكن ـ كما يقول ـ يطمح إلى دراسة هذا
الكون، بل إلى التأمل فيه، لكن دراسته الفلسفَةَ ـ مثل دراسته
الموسيقا ـ لم تذهب هباءً إذ نلمس تأثيرهما في شعره ونثره
عبر إدراكه الجمالي ـ الشعري الخاص لهذا الكون:
كم
أرغب أن أتوصل
إلى
كنه كل شيءٍ وأَمْرٍ..
في
العمل... في اكتشاف الدروب...
في
فتنة الفؤاد.
أن
أتوصل إلى حقيقة ما مَرَّ من أيام
إلى
أسبابها
إلى
الأساس... إلى الجذور
إلى
شغاف القلب
أن
أمسك في كلِّ وقت
بخيط
المصير، بالأحداث،
بالحياة،
والشعور، والحب،
والفتوحات.
آه
لو أستطيع...
لو
يتاح لي..
كنت
كتبت أبياتاً ثمانية
عن
خصالٍ تتوق إليها الروح
كنت
حملت إلى الشعر عبق الزهور
أنفاسَ
النعناعِ
المروجِ،
العشبِ، السنابلِ،
ودويَّ
العواصف
هكذا،
كما يصور شوبان
في
معجزة حَيَّةٍ
مزارعَ،
وحدائقَ، وأدغالاً، وأجداثاً
لتحيا
في أنغامه(4)
كَثرت
الاتهامات التي ألصقت بباسترناك في الحقبة السوفييتية، وكان
منها أنه "فردي مغرق في فرديته، بعيد كل البعد عن الواقع والسياسة،
يسبح في عالمه الداخلي وحيداً منعزلاً..." وقد ردّ باسترناك
على هذه الاتهامات حين صَرّح أن "الذات ليست إلا خليةً اجتماعية
في الجسم الاجتماعي العام"، وأن الثورة الحقيقية لا تكون إلا
بإعادة الإنسان إلى الطبيعة، لذا فهو يصور ما تنضوي عليه ذاته
بائتلاف الأنغام والألوان والأفكار، ليكون ذلك تعبيراً عن
حاجة إلى وجودٍ عقلاني يشارك في خلق الحياة.
عاش
باسترناك سنوات نضجه في الحقبة الستالينية فسعى جاهداً أن
يبتعد عن الصيغ الجاهزة والجمود العقائدي، وكانت الآلام التي
تعرَّضَ لها أصدقاؤه ومعاصروه في هذه الحقبة العصيبة تعصر
قلبه، فراح يعبر عن كرهه لجوقات المديح والإرهاب وهرطقات تلك
المرحلة. ورفض في عام 1937 التوقيع على رسالة تأييد للمحاكمات
الستالينية، مُعرِّضاً حياته وحريته لأخطار جمَّة. ومنذ مطلع
الثلاثينيات وضعته السلطة الستالينية تحت المراقبة، وصورته
إنساناً معزولاً عن العالم، ذاتياً إلى أبعد الحدود، ثم أطلقت
عليه لقب "المهاجر الداخلي" و"المرتد" و"الغريب عن الشعب"
و"الخائن" يقول:
سقطتُ
كالوحش المطارد غاب الناس غابت الحرية غابَ النور
بدأتُ
أثيرُ الضجيج فطاردوني وليس من مَخْرج
لكن
باسترناك ظلَ يكتب حتى أسكتته السلطات الستالينية عام 1940
مع آنّا أخماتوفا التي زُجَّتْ في السجن، في حين فُرضَ الحجر
على شعر باسترناك، ومنع من النشر، فانزوى في ضاحية "بيردلنكو"
ليكتب أشعاره التي راح القُرَّاء يتداولونها سِراً.
2*
سيرة إبداع:
a*
باسترناك شاعراً:
بدأ
باسترناك يقرض الشعر منذ عام 1909، في حقبة كانت السيادة فيها
للشعراء الرمزيين، وكان الشاعر النمساوي م. ريلكه (M.
Rilke، 1875 ـ 1926) على معرفة بأسرة باسترناك فترك
أثراً كبيراً في تشكل موهبة الفتى الشعرية. كما كانت للشاعر
فلاديمير ماياكوفسكي (الذي يصغر باسترناك بثلاث سنوات) مكانة
كبيرة في حياة الشاعر، فقد قدّر ماياكوفسكي موهبة باسترناك
على الرغم من اختلافاتهما ونزاعاتهما، إذ كان باسترناك يولي
أهمية خاصة للوزن الشعري وإيقاعاته في حين انكب ماياكوفسكي
على تكسير البيت الألكسندري، معتمداً إيقاعاً جديداً للشعر
الروسي. وكان باسترناك يتوجه في قصائده إلى كلٍّ على حدة،
بينما كانت قصائد ماياكوفسكي تتوجه إلى كل الناس. وتميز باسترناك
بالدقة، وبتداعي الأفكار، وبالنص المعقد، أما ماياكوفسكي فقد
امتاز بالإعلان الزاهي والنص البسيط. وقد أعار باسترناك صديقه
اهتماماً خاصاً في سيرته الذاتية: "ناس وأحوال"، لكنَّ موت
ماياكوفسكي التراجيدي وقعَ على باسترناك وقْعَ الفاجعة.
بدأ
باسترناك شاعراً انطباعياً رومانسياً عفوياً، لكنه ما لبث
أن انتقد الرومانسيين، إلا أنه لم يَدْعُ إلى إهمال فَنِّهم.
وشنَّ هجوماً على الرمزيين منذ عام 1909، وشرع يدعو مع ماياكوفسكي
إلى المستقبلية (Futurism)، والتحق بتجمع شعري
أطلق على نفسه اسم (Centrifigure) لكن لم يكن انضمام
باسترناك إلى أيِّ تجمع شعري عاملاً مُحدِّداً لتوجهاته، فقد
كان يتميز بحرية إبداعية لم تفارقه أبداً، إلا أنه صرَّح معترفاً
بتأثره بشاعرين روسيين هما: ألكسندر بلوك (1880ـ 1921) وأندريهْ
بييليْ (1880ـ 1934)، مع بعض التأثر بالشاعر الروسي فيليمير
خليبنيكوف (1885ـ 1922) الذي هاجر من روسيا إِثر ثورة أكتوبر
عام 1917. ثم انكفأ عنهم لينضمَّ مع ماياكوفسكي إلى جماعة
"ليريكا" [Lyric] التي كان يرأسها الشاعر يوليان أنيسيموف.
وصدرت القصائد التي كتبها في تلك الفترة ضمن مجموعة نشرتها
الجماعة تحت عنوان (ليريكا) احتوت على إبداعات أعضائها وذلك
في عام 1913. وقد دفعه نشر قصائده في تلك المجموعة إلى أن
ينظر إلى موهبته الشعرية بجدية أكبر، كي يعيرها اهتماماً أكثر.
ثم نشر أول مجموعاته الشعرية المستقلة عام 1914، وكان عنوانها
"توأَم في الغمام" متماشياً في عنوانها مع دُرْجَةِ تلك الأيام،
ولم تستطع هذه المجموعة أن تشد الانتباه ولا أن تحظى بالاهتمام
الكافي. نشر باسترناك عام 1917، في الفترة الواقعة بين ثورتي
شباط وأكتوبر أعمالاً شعرية. ونثرية ـ كثيرة. وصدرت مجموعته
الشعرية "أختي ـ أيتها الحياة" عام 1922 لتحمل إليه الشهرة
الواسعة، وكان باسترناك نفسه ينظر إلى هذه المجموعة على أنها
تأكيد لذاته الشعرية، وقد كتب عن هذه المجموعة في سيرته "الجائزة
المصون" مشيراً إلى أن القوة التي دفعته إلى كتابة هذه المجموعة
كانت أقوى من كل النظريات الشعرية التي كانت تحيط به. وبعد
أن تزوج من الرسامة المشهورة يفغينيا لويَهْ عام 1922 كتب
مجموعة من القصائد ضمتها مجموعته "موضوعات وتنويعات". وبدأ
في عام 1925 بكتابة روايته الشعرية: "سبكتورسكي" Spektorskiy
التي عَبَّر فيها عن اقتناع تام بأن الثورة سامية بأهدافها
ومنابعها وأخلاقياتها، لكنه كان يؤكد في الآن ذاته معارضته
التامة للدعوة إلى دكتاتورية البروليتاريا ووقوفه ضد استخدام
العنف الثوري وسيلة لتحقيق أهداف الثورة. ولم يكتف باسترناك
بكتابة الرواية الشعرية، بل كتب أيضاً مسرحية شعرية عنوانها
"الحسناء العمياء" التي نشرت بعد وفاته وصدرت طبعتها الأولى
في عام 1969.
أصدر
باسترناك عام 1928 مجموعة شعرية عنوانها "المرض السامي" ونشر
أيضاً قصائد مُطوَّلة مثل "عام 1905" (1926) و"الملازم شميدت"
(1927) فعبرت هذه المجموعة والقصائد المطولة عن نَفَس ملحمي
موسوم بغنائية عالية تجمع بين الذات والتاريخ.
حظيت
مجموعته "من فوق الحواجز" بإقبال كبير بعد صدور طبعتها الأولى
عام 1929، وسرعان ما صدرت طبعتها الثانية عام 1931، وبعد أن
سافرت زوجته المصابة بالسل إلى ألمانيا عام 1931 توجه باسترناك
إلى جورجيا وجبال القوقاز ليكتب هناك مجموعته الشعرية "أمواج"
التي ضمت قصائد عن انطباعاته هناك.
انكبَّ
باسترناك في الثلاثينيات على كتاباته النثرية إلاّ أنه لم
يتوقف عن كتابة الشعر حتى وفاته. وقد ضَمَّتْ قصائدَ الفترة
الواقعة بين عامي 1936 و1944 مجموعةٌ عنوانها "في قطارات الصباح"،
وصدرت عام 1945 مجموعته "فضاء أرضي". أما مجموعته "عندما تنفلت
القيود" فقد ضمت المرحلة ما بعد الستالينية بين عامي 1956
و1959.
كان
باسترناك يرى أن الشعر انتقال بين أبدية الخلْق وآنيَّةِ الفنّان
الخالق الزائل، وقد تميز إبداع باسترناك كله ـ من شعر ونثر
ـ بعمق سيكولوجي وفلسفي وإدراك عميق للعالم والروح الإنسانية،
كما اتسم هذا الإبداع بسعي مستمر لإماطة اللثام عن "جوهر الوجود"
محاولاً بدأب الحفاظ على بساطة في التعبير تعكس عمق الرؤيا
ووضوحها.
كانت
الغنائية Lyric سمة بارزة في هذا الإبداع، وهي غنائية ترتبط
بثقافة رفيعة يتخللها إحساسٌ بالتفاعل العميق مع الطبيعة،
وهي ـ أيضاً ـ غنائية تنطلق من ذات تُحوِّلُ الحَدْسَ إلى
سيلٍ دافقٍ من الأصوات والألفاظ المثقلة بالإحساسات والصور
والإيقاعات المتنوعة، ولذا كانت قصائده ترسم ما يشاهده بعينيه
اللتين كانتا تَرَيان "التراب وهو يرتشف حبيبات المطر".
يتصف
قاموس باسترناك اللغوي بالضخامة والغنى. وقد أَوْلى الإيقاع
الموسيقي في شعره أهمية خاصة، واهتم بتكثيف الصورة الفنية
لتكون قيمتها التعبيرية والجمالية أغنى ووقعها أشد. يقول عن
الشعر في مجموعته "قطارات الصباح":
الشعر
ـ صفير منسكب بعنف
الشعر
ـ شقشقةُ جليد مضغوط
الشعر
ـ ليلٌ،
زهرةٌ
بردانة
الشعر
ـ عصفوران وحيدان في مبارزة...
الشعر
ـ فيغارو ينهمر كالبَرَد على أحواض الحدائق
من
منصة الجوقةِ والناي
الشعر
ـ نجمة تبحث عنها في ليالٍ معتمة
وهي
تستحم في قيعان سحيقة
تجلبها
إلى الحديقة
على
راحاتٍ راعشة مبتلة
كتبت
الشاعرة الروسية الكبيرة مارِيَا تسفيتايفا [M. Tsvitaeva
1892 ـ 1941] تقول: "العالم في شعر باسترناك طفل دائماً ـ
يعكس وجهُ باسترناك شيئاً من خصال جوادٍ عربي، فهو دائم التنبه،
يقظ باستمرار، متأهل للعَدْوِ، عيناه مذعورتان، يبدو كأنه
ينصت إلى الغيب، ثم ينفرج فمه عن كلمة لتكون صورة رسمت بحروف...".
b*
باسترناك مترجماً:
بدأ
باسترناك الترجمة عام 1918. وقد ترجم بين عامي 1918 و1921
خمس مجموعات شعرية لـ "هنري كْليَسْت" [H. Kleist، 1777ـ 1811]
وبنجامين جونسون [B. Jonson، 1573ـ 1637] وفصولاً
من هانس زاخس [H. Sachs، 1494 ـ 1576]، وكذلك غنائيات
لغوته وفان ليربرغ، وت. شيلي، وجورج كيسه، وب. فرلين.
وعندما
أقام باسترناك في جبال القوقاز (في جيورجيا) بعد سفر زوجته
إلى ألمانيا عام 1931 للاستشفاء استهوته ترجمة الشعراء الجيورجيين،
وخاصة باولو ياشفيلي، وتيتسيان تابيدزة، ونيكولاي باراتا شفيلي.
وقد صدرت هذه الترجمات في مجموعة عنوانها "شعراء من جيورجيا"
نُشِرت في تبيليسي عام 1958.
بدأ
باسترناك بترجمة شكسبير عام 1938، فترجم هاملت بطلب من المخرج
المسرحي الكبير ميير خولد [V. E. Meyerkhold 1874 ـ 1940]
ثم ترجم روميو وجوليت، ثم عطيل وهنري الرابع والملك لير ومكبث.
وقد صدرت ترجمات شكسبير هذه عام 1949 في مجلدين، ونشر أيضاً
"ملاحظات على ترجمة مسرحيات شكسبير التراجيدية" عام 1956.
ترجم
باسترناك أيضاً الشاعر المجري ساندرو بيتوفي [Petofi 1823
ـ 1849]، و"ماري ستيورات "لشيلر، و"فاوست" لغوته.
c*
باسترناك ناثراً:
كتب
باسترناك القصة والرواية والسيرة الذاتية.
بدأ
باسترناك كتاباته النثرية عام 1915 فنشر قصصاً عدة كان من
أهمها "طفولة ليوفرس" (1918، نشرت عام 1922)، و"دروب هوائية"
(1924، نشرت عام 1923)، و"قِصّته" (1929)، ثم شرع عام 1928
بكتابة سيرة ذاتية سماها "الجائزة المصون" أنهاها بعد سنتين
وقال عنها إنها "مقتطفات من السيرة الذاتية، أحكي فيها كيف
تشكلت تصوراتي عن الفن، وما هي جذور هذه التصورات"، وكل ما
كتبه باسترناك نثراً في "الجائزة المصون" نشره شعراً عام 1932
في مجموعته "الولادة الجديدة"، ثم تابع كتابة السيرة الذاتية
في "ناس وأحوال" التي نشرها عام 1957.
إن
أهم ما كتبه باسترناك نثراً كان روايته "الدكتور جيفاغو" التي
نشرت في إيطاليا عام 1957 مترجمةً إلى الإيطالية أولاً ثم
تلتها طبعة بالروسية. وقد عبَّر باسترناك في روايته عن أزمة
الثقة العميقة التي كان يعاني منها، والتي تمثلت في علاقته
بالثورة والحرب والسلطة.
تناولت
رواية "الدكتور جيفاغو" أحداثاً تدور بين عامي 1903 و1929،
وهي أعوام الضياع والاضطرابات الدموية في روسيا. وقد أثارت
الرواية عند صدورها جدلاً حاراً. فبطل الرواية الدكتور جيفاغو
يرفض العنف المتبادل بين الحمر والبيض، ويقول: "إن عبارات
مثل: فجر المستقبل، وبناء عالم جديد، ومستقبل الإنسانية في
أيدي هذه الطليعة... عباراتٌ لا معنى لها". ويعود الدكتور
جيفاغو إلى موسكو عام 1922 ليعيش في فقر مدقع، ويشعر في أحد
أيام عام 1929 بالغثيان متأثراً بكل ما يدور حوله فينزلق من
الحافلة التي يستقلها مرتطماً بالأرض ليصبح جثةً هامدة، وهو
في ذروة عشقه للحياة، مخلفاً وراءه بعض القصائد.
أكد
باسترناك في روايته النزعة الإنسانية ورفض العنف، مقتفياً
في ذلك أثر (ليف تولستوي). وكأن باسترناك كان يبحث في روايته
هذه عن شهادات في العالم الخارجي يدعم بها حقائقه الداخلية.
لم
تكن رواية الدكتور جيفاغو لتمسَّ النظام الاشتراكي في جوهره،
بل تمس بعض الجوانب التطبيقية فيه، إلاّ أن اتحاد الكتاب السوفييت
قرر بالإجماع عدم نشر الرواية، وصرح سكرتير الاتحاد أنها تثير
الشكوك حول صحة ثورة أكتوبر.. وعندما صدرت الرواية في إيطاليا
شَنَّ نيكيتا فروشوف (السكرتير العام للحزب ورئيس الدولة)
حملةً شعواء على باسترناك ونعته بـ "الفَظِّ" و"شرس الأخلاق"
و"الخروف الأجرب".
قررت
الأكاديمية الأسوجية في 28/10/1958 منح باسترناك جائزة نوبل
للآداب "لإنجازاته المرموقة في الشعر الغنائي الحديث، وحفاظه
على التقاليد النبيلة التي أرساها النثر الروسي العظيم". لكن
أمانة اتحاد الكتاب استدعت باسترناك وطلبت إليه رفض جائزة
نوبل، بحجة أنها "ضربةٌ سياسية موجهة ضد الاتحاد السوفييتي"،
ولم يبق أمام باسترناك بعد ذلك إلا أن يوجه البرقية اللازمة
تنفيذاً لهذا الطلب، ثم أصدرت أمانة اتحاد الكتاب في 27/10/1958
قراراً يقضي بطرد باسترناك من عضويته، ووجهت لجنة اتحاد كتاب
موسكو نداءً إلى الحكومة تطلب فيه نزع الجنسية عن "الخائن"
بوريس باسترناك... ثم استدعته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي
وعرضت عليه مغادرة الوطن، إلا أنه رفض ذلك العرض، فأوقف نشر
أعماله وفُرض حظر عليه وتُرك من دون راتب.
d*
كتب باسترناك في أواخر حياته مسرحيته الدراميّة الوحيدة: "الحسناء
العمياء"، إلا أنه توفي قبل أن ينجزها، وقد صدرت طبعتها الأولى
بعد وفاته عام 1961.
**
بدأ بوريس باسترناك منذ نيسان عام 1960 يعاني من آلامٍ شديدة
في قلبه وقدميه، ثم صار عاجزاً عن الوقوف.
وفي
نهاية شهر أيار عام 1960 جمع باسترناك أوراقه، رفَعَ جميع
أدواته.. وتوفي في الثلاثين من ذاك الشهر، ليدفن عند تخوم
تلّةٍ صغيرة، تحت صنوبراتٍ ثلاث قرب منزله في الضاحية التي
أمضى أيامه الأخيرة فيها.
الهوامش:
(1)ـ
هذا التاريخ حسب التقويم الميلادي الغربي الذي لم يكن معمولاً
به في روسيا القيصرية التي كانت تعتمد التقويم الميلادي الشرقي
وهو 29/1/1890 الذي يقابل التاريخ الغربي المذكور.
(2)ـ
بوريس باسترناك. الجائزة المصون ص196.
(بالروسية)
من مختارات في مجلدين. موسكو، 1985.
(3)ـ
بوريس باسترناك. ذكريات الصبا والشباب. ترجمة الدكتور نظمي
لوقا. كتاب الهلال. يونيه 1961.
(4)ـ
بوريس باسترناك (بالروسية. من مختارات في مجلدين. موسكو، 1085)
ص422.
المصادر
والمراجع:
بوريس
باسترناك. ذكريات الصبا والشباب. ترجمة الدكتور نظمي لوقا.
كتاب الهلال. يونيه 1961.
د.
رضوان القضماني - جريدة الأسبوع الأدبي - 24.04.2004