حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الإنفاق المبكر للأعمار

ثمة فكرة عالقة في أذهان كثر مفادها ان الشعراء في الأعم الغالب لا يعمرون طويلاً وانهم بسبب من توترهم الدائم وجيشان مشاعرهم يرحلون قبل الأوان. لا أعرف على وجه التحديد إذا ما كانت هنالك احصاءات موضوعية ودقيقة تدعم هذه الفكرة الشائعة في مختلف الأوساط أو إذا كان هنالك ما يسند هذا الاعتقاد في مجال البيولوجيا والعلوم الطبية, ولكن الكثيرين بالمقابل يجدون أكثر ن دافع للربط بين طريقة عيش الإنسان وبين عدد السنوات المتاحة أمامه. وهو أمر لا ينسحب على الشعراء وحدهم بل على ما يواجهه الإنسان في العصور الحديثة من ضغوط نفسية واقتصادية واجتماعية هائلة, اضافة الى ما يعانيه سكان المدن الكبرى بالذات من ضجيج خانق وتعليب للفضاء وارتفاع مطرد في نسبة التلوث. على أن السباق المحموم بين عوامل الموت المتصلة بأحوال المدنيَّة الحديثة وأهوالها وبين عوامل الحياة المتصلة بتطور العلوم الطبية يميل, بحسب الدراسات, لمصلحة هذه الأخيرة حيث يرتفع المعدل الوسطي للإعمار سنة بعد سنة وتسجل الأبحاث والعلوم نجاحات باهرة في هذا المضمار.

ربما ينجح العلم تبعاً لذلك في حل الكثير من المشكلات المتعلقة بتخفيف العبء عن الإنسان وبإصلاح "الأعطال" التي تصيب أعضاءه وبالتدخل في مورثاته الجينية وبحمايته من التوتر والعصاب والتلف المبكر. ولكن كيف يمكن للعلم أن يخلص الشعراء من هذه الآفات من دون أن يقضي في الوقت ذاته على جينة الشعر نفسها. فالاستقرار الذي يبدو بالنسبة الى البشر العاديين مطلباً وغاية وطريقاً الى السعادة هو بالنسبة الى الشعراء عدو الكتابة والمتسبب بإجهاضها لأن شجرة الشعر لا تنبت وتترعرع إلا في تربة القلق والتوتر وانعدام الأمان. هكذا لا تغدو المصالحة مع النفس مطلب الشعراء الأثير, كما هي الحال مع سواهم, بل يحتاجون لكي يظلوا على قيد الكتابة الى منازلة مستمرة مع أنفسهم والى احتراب دائم بين نوازعهم المتعارضة.

ان الشعر يعمل على الغليان لا على الهدوء والاسترخاء لذلك فهو مرتبط بالعصب ودورة الدم المندفعين دائماً الى تخومهما الأخيرة. وهو يعمل على الكثافة والاختزال لا على الإطالة والشروح والتفاسير. انه "لمح تكفي إشارته/ وليس بالهذر طوِّلت خطبه" على حد البحتري. هل ثمة رابط إذاً بين تكثيف اللغة وتكثيف الزمن, وهل الاختزال التعبيري هو الوجه الآخر لاختزال الحياة نفسها؟ مثل هذه الأسئلة لا تجد مسوغها لدى الشعراء وحدهم بل لدى الكثير من الفنون الأخرى التي تشتغل بدورها على اختزالات مماثلة في المادة واللون والايقاع. الا ان الشعراء على الأرجح معنيون أكثر من سواهم بالوقوف الدائم على الشفير بين اللغة والإضمار وبين الكلام والصمت وبين الحضور والغياب. فاللغة الروائية على صعوبتها تقف على أرض سردية أكثر رحابة وقدرة على التجوال وكذلك الأمر بالنسبة الى لغة المسرح والسينما والقصة والنقد. ولغة الرسم والتشكيل على دقتها التأليفية لا تتطلب انخلاع الجسد واحتراقه المادي بقدر ما تتطلب حضوره وانتباهه واصغاءه. وهو ما أشار اليه بابلو بيكاسو حين لاحظ أن الرسامين يعيشون على وجه العموم أكثر من الشعراء لأن أجسادهم "نباتية" وقادرة على المناورة والتكيف في حين لا يملك الشعراء شيئاً ازاء النيران التي تشب دفعة واحدة في لحم وجودهم الحي.

لا تعني هذه الملاحظات السريعة تفضيلاً للشعر على ما عداه من الفنون ولا هي رد التحية بمثلها, وأنا من المفتونين بالروايات, للذين يعتبرون أن الرواية دون غيرها هي ديوان العصر الجديد وسيدته بلا منازع. ولكنها محاولة توصيف للزمن الشعري الذي يبدو, لشدة التصاقه بالغريزة والفطرة الأم, متصلاً باندفاعة الحياة الأولى أكثر من سواه. وفي حين تحتاج لغة السرد والقص واللون الى مساحات زمنية طويلة للتذكر والاسترجاع والخبرة الجمالية يتحد الشعر اتحاداً وثيقاً بتوثب الصبا وانفجار الشباب وغلياناته. من هنا رأى ت.س.اليوت أن من لا يفلح في أن يكون شاعراً كبيراً قبل سن الثلاثين لن يتاح له بعد ذلك أن يحقق مبتغاه. فما يأتي بعد ذلك هو الحرفة والمهارة والاتقان, أما الشاعريات الكبرى فغالباً ما تنفجر في عقود سابقة.

لنسترجع في هذا السياق سير الذين صنعوا شاعرياتهم الفذة وماتوا قبل أن يبلغوا الثلاثين من العمر مثل طرفة بن العبد وجون كيتس وأبي القاسم الشابي, أو الذين غيروا لغات أوطانهم قبل هذا العمر مثل آرثر رامبو, أو الذين عجزوا عن بلوغ الأربعين فيما طرق شعرهم بقوة أبواب الخلود مثل غارسيا لوركا وبدر شاكر السياب. من هؤلاء بالطبع من قصرت أعمارهم لأنهم أنفقوا أجسادهم باكراً على الشعر واستعجلوا الموت بالتالي من دون ارادة منهم, ولكن من بينهم بالمقابل من دفعه الشعور بالمرض ودنو الأجل الى اجتراح الشعر كوسيلة وحيدة لدرء الموت. على أن النتيجة واحدة في الحالين. فالشعر, كما الحب, هو صنو النار ورديفها الرمزي. والشعراء الذين سرقوا النار من الآلهة لم يفعلوا ذلك لكي يحرقوا بواسطتها "روما" الآخرين ويتلذذوا بسادية المشاهدة بل ليضرموها في دواخلهم وهم يعلمون, كما علم ناظم حكمت, بأن ما يحترق يضيء ولكنه لا يعمر طويلاً.

 

شوقي بزيع - الحياة - 28.04.2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri