
روجي
دادون
الرغبة
و الجسد
لاشك
في أن الرغبة والجسد يعتبران معطيين أساسيين لحقيقتنا الإنسانية.
ونحن نعلم هذا من معرفة مباشرة دقيقة يتعذر دحضها. فالجسد
هو هذا الحجم الواقعي والجلي المجزأ في المكان، هو هذه البنية
المادية المرئية القابلة للمس ذات الترتيب المعقد والحدود
التي أدركها في معطى مباشرمن شعوري بوصفه ملكا لي، بوصفه "أناً".
والجسد أيضا -من المنظور نفسه- هو هذا الموضوع الخارجي الذي
يماهيني معه الآخرون، الذي به يعرفونني ويعترفون بي، والذي
يكون في أغلب الأحيان الشيء الأول والأخير الذي يدركونه مني.
أما الرغبة فهي هذه الحالة النفسية الديناميكية، هي هذه الحركة
أو الحاثة الداخلية، هذه الكثافة الشعورية المشحونة بالصور
والأشكال والاستيهامات و التمثلات والمشاريع. هي هذه الحيوية..
أوالرغبة -ببساطة- هي هذا الاتجاه الذي، لكونه ينحدر من مصدر
معتم، فهو بالتأكيد يقودني، يحملني قهرا وينقلني أحيانا بجنون
نحو الموضوع الذي أنتظر منه إشباعا ولذة إما بالتوسل إليه
أوبإرغامه.
أن
يكون هذان الشكلان القويان-الحقيقة المادية للجسم، والحقيقة
السيكلوجية للرغبة- مرتبطين ومعقودا كلاهما مع الآخر، فذلك
ما لا يمكننا إطلاقا أن نشك فيه انطلاقا من شعورنا الحدسي:
فمن منا لم يحس بأنسجة جسده العضوية ومواكبها وبصواعق الرغبة
المرعبة أو الملتوية وهي تجري في جسده وتتسجل في الفضاءات
المتمايزة؟ ومن منا لم يكف في وقت ما عن إدراك جسده وأجساد
الآخرين باعتبارها أقطابا أو مرامي صلبة متقدة أو انفعالية
لرغبته؟ بالمقابل، فبالرغبة يتملص الجسد من تصرفاته الآلية
ويجعلنا نتذكر بقوة. بالرغبة يتحين الجسد، يهتز، ويدرك نفسه
باعتباره نبضا حيا، بها يجعل نفسه حاضرا ثقيلا رشيقا متوسلا
أو آمرا. للجسد علله، وهذه العلل تسمى رغبة، كما أن للرغبة
أدواتها وأعضاءها، رموزها وشعاراتها، وهي تسمى جسدا.
غير
أنه ما أن لا نعود نكتفي بهذه العلاقة التجريبية المباشرة،
بهذه الوضوحات الجسدية البسيطة والمألوفة حتى تنبثق مشاكل
لا تحصى هي القوت العريق للسؤال الفلسفي والسيكلوجي التالي:
ما منبع و إواليات الفعل، ووظائف مفهوم الـ>رغبة< هذا
؟ من الجانب الآخر للتنظيم التشريحي الفزيولوجي للجسد، والذي
تدخل دراسته في دائرة اختصاص البيولوجيا، ما يمكن أن تكون
حقيقة المعيش الجسدي الشخصية والاجتماعية والثقافية في آن؟
على أي قواعد يجب تأسيس الرغبة والجسد، الصلة والتمفصلات القائمة
بين معطى نفسي وبين وحدة عضوية؟ حسب أي معايير وأسس يجب تحليل
تلك العلاقات و التمفصلات؟ نظرا لأننا تعوزنا القدرة على الدخول
في تفصيل أو تعقيد هذه التساؤلات الكثيفة والحلول المتعددة
المقترحة، وهو مشروع ضخم قد لا يقتضي شيئا آخر غيرإنجاز رحلة
عبر مجموع تاريخ الفكر، نظرا لذلك فإننا سنقتصر هنا على إبراز
بعض الطرائق الأكثر نموذجية وإيحاء التي يعالج الفكر المعاصر
حسبها الرغبة والجسد وتمفصلاتهما. ومعلوم (وكيف يمكننا جهل
هذه الضجة القوية وعدم الافتتان بها) أن الرغبة والجسد يحتلان
اليوم في تيارات الحضارة الراهنة المتداخلة و المتنافرة موقعا
مفضلا ومركزيا بوصفه محورا لمطالب حيوية بالفعل من نوع >التنعم
بالحياة< ومصدرا لمشاريع طموحة أوفاتحا لمنظورات واسعة
تعد بـ > تغيير الحياة< و>تغيير العالم<.
1-
الرغبة المسحوقة
تصف
إحدى الخطاطات التقليدية الرغبة باعتبارها لحظة ومسافة بين
حدين: فالحاجة معرفة بطبيعتها الشاقة قد تكون سببا أو أصلا
في الرغبة، والإشباع محددا بالتلذذ قد يكون هدفا للرغبة ونهاية
لها. وإذا كانت اللذة هي الغاية العليا، كما تؤكد ذلك الأخلاق
المُتعية التي تسمى أيضا بأخلاق اللذة، فإن الرغبة لن تظهر
حينئذ إلا كوسيلة، كلحظة انتقالية، كمجرد إوالية للانطلاق
نحو تلك الغاية. بالإضافة إلى ذلك، أن يُجعل من الحاجة العامل
الحاسم والأساسي، فذلك إنما هو تقدير لما هي تجَلٍ له، تثمينا
لعلامة، أي للوظائف الحيوية: الغذاء والإنجاب والاعتداء والدفاع
والتعلم الخ. ولأن الرغبة تكون دائما جد محدودة، فهي لا تجد
نفسها مُناطَة سوى بدور إشارة أو مسّاسٍ، ليست هي سوى انعكاس
لحاجة في اللاشعور، ليست سوى خاتمة حكمِية ، أي وهما، لاشيء.
تتلاشى الرغبة وتسحق في الكائن البشري معتبرا كأداة للذة أوإوالية
للبقاء.
إن
هذا المحو أوالاختزال للذة غالبا ما يتم تقديمه باعتباره نتيجة
لمقتضيات علمية: يُزعم أنه لا يتم الاعتماد إلا على ما هو
قابل موضوعيا للملاحظة، أي على الوقائع العضوية ومظاهرالسلوك
الخارجية. في مثل هذه الشوط لا يجري الحرص على ازدحام واقع
داخلي مستحيل التحديد، ذي كثافة عاطفية بلونها المتخيل بقوة،
كثافة جد هاربة وجد محيرة منذ فجرالمسيحية. فـ"أعمال اللحم"
أعمال محرمة بعنف: >إنها فسق ونجاسة وفجور وكفر وسحر وأحقاد
وخصومات وحسد وهيجان و شجارات وفتن وانشقاقات وميولات وتهتكات
وقصوف، وما شاكل ذلك< (رسالة الى الغالاتيين). والنداء
موجه لإماتة اللحم: >أقتلوا أعضاءكم الأرضية، الزنا والنجاسة
والعاطفة والرغبات السيئة وكذا الجشع الذي يعد كفرا< (رسالة
الى الكولوسيين). >اللهم لا تسد الخطيئة في جسدكم الفاني
فتجعلكم تطيعون شهواته. كفوا عن عرض أطرافكم كأسلحة ظلم للخطيئة<
(رسالة الى الرومانيين). ويعلن بولس: فليمت فينا >الإنسان
القديم الذي يستعبده قانون الخطيئة للحم< كي يولد >الإنسان
الجديد< بمثابة روح وعفو!.
يعبر
التقسيم الفاصل بين اللحم والروح، بين الخطيئة والغفران، مجموع
الوعي الغربي وكأنه كسرا أسود، فيمضي بذلك إلى حد الغرق في
مروق محاكم التفتيش القاتلة: آلاف النساء تم إلقاؤهن في المحارق
لأنه تم تخيلهن كتجسيدات للرغبة الشيطانية. تستأصل الخطيئة
بتعذيب اللحم، يفتدى الإنسان بإحراق الساحرة، يلتمس العفو
بإماتة الجسد. ومع لوثر وكالفان -ضمن آخرين-اللذين يعدان من
رواد عصرنا، دبرت حركات الإصلاح الرؤية اللاهوتية والتعذيب
التفتيشي على شكل تشدد أخلاقي (علم الأخلاق الكانطي الذي يعد
أحد التناسخات الفلسفية الأكثر شهرة إنما هو منحدر من نزعة
تقوية)، على شكل نزعة طهرية زهدية تماثل بين الرغبة والجنس
والفسق، وبين أشكال الزنا والسحر والشيطانية. ويصور الفيلم
الدانماركي للمخرج كارل دريير Carl Dreyer (يوم غضب، 1943
Dies irae) بطريقة مؤثرة مناخ هذه الأخلاق البروتستانية المريض
والقاتل: تعشق زوجة راعي صغيرة صهرها فتتعرض لتهمة كونها ساحرة،
فتنال حكم القتل إحراقا للتكفير عن ذنبها.
هل
يمكن القول بأن كلا من التساهلات التي يطالب بها مجتمع استهلاك
الرغبات والأجساد من أجل استغلال ميركانتيلي (لهذه الرغبات
والأجساد) وبعض التخفيفات التي تم انتزاعها من تقليد قمعي
باسم "تحريرالأخلاق" قد مسا في العمق إيديولوجيا طهرية تنضج
باستمرار من جميع الأحاديث العادية للخطابات الرسمية و التصريحات
الاحتفالية؟
2-
من >الإيروسيةالآدمية< إلى >الروح الشهوية<
لم
تكف المقاومات والمعارضات عبر التاريخ عن صد هذا التقهقر و
التشويه اللذين تتعرض لهما حقيقة الإنسان الواقعية. لقد حاولت
تيارات بدعية وغنوصية -حاربتها السلط الدينية والسياسية أحيانا
إلى حد الإبادة الكلية- أن تستعيد رؤية للإنسان موحِدة إياه
وممجدة أعماله الأكثر شهوانية. وبهذا الصـدد، كم يبدو لنا
مثاليا ذلك التيار البدعي العجيب الذي اجـتاز أوروبا في القرن
XIII بأسـماء مخـتلفة: romine intelligentiae بروكسيل وbégards
بوهيميا وalumbrados إسبانيا الخ. وبصفة خاصة >إخوان و
أخوات الفكر الحر< الذين كانوا يعتبرون أنفسهم > قد
سموا...إلى حالة من الكمال الروحي لدرجة كانوا يصيرون معها
عاجزين عن الإثم حتى وهم غارقون في اللحم ورغباته<(1).
لقد اعتبروا أنفسهم جميعا بمثابة "أبناء آدم" كما دبروا "إيروسية
آدمية" تجعل من الجماع سرا غنوصيا وطريقا مشرقا للعودة إلى
كائن الإنسان الأصلي، إلى آدم الخنثى، آدم ما قبل السقوط.
والمرأة هنا لم تعد قطعا هي >باب الشيطان المفضي إلى المحرقة!<
على حد تعبير ترتليون Tertullien، وإنما صارت شريكا مساويا
في العراء الأسمى.
يشكل
عمل النحات والشاعر وليام بليك William Blake الذي عاش في
القرنين الثامن والتاسع عشر قلبا فانطستيكيا للرؤية الفسخية.
لقد سحق علم الأخلاق الطهري-الذي ستنعته إنجلترا القرن التاسع
عشر بأنه فولكلوري -بواسطة صيغ فوضوية عنيفة: >دعارة التيس
هي حِلم الله<، >هيجان السبع هو حكمة الله<(2). إن
وليام بليك لا يرد الاعتبار للحم والرغبة منعوتين باسم >اندفاع<
فحسب، بل إنه يعظمها ويبجلها ليصور أعضاء جسد حب يجتمع فيه
الإنسان بالإلهي. يفضح بليك "أخطاء" الأنظمة الدينية والأخلاقية
التي تقسم، وتفصل، و تقهقر، وتحرم ليعلن أن >الحقيقة، على
العكس من ذلك هي: 1-الجسد لا ينفصل عن الروح... 2-الحيــاة
الوحيـدة هي الاندفاع الذي يأتي من الجسد... 3-الاندفاع بهجة
خالدة <.
في
مستهل القرن الحالي أنشأ شارل بيغي Charles PEGUY اشتراكية
إباحية مسيحية أدمج فيها من جديد امتلاء اللحم بكامله في ما
هو ديني إلى جانب عقلانية وواقعية محتفظتين بمكانة متميزة.
لقد كتب في مؤلف حواء Eve (1913)، مقترحا مسارا إيروسيا طويلا
لجسد المسيح الأرضي: >ذلك أن الفوطبيعي هو نفسه جسدي، والمسيح
ثمرة بطن أموي... ركبتاه مطويتان تحت إبطه الشهوي<. يدخل
مجيء المسيح في تاريخ الإنسان قبل كل شيء باعتباره مغامرة
شهوية، حركة تجسد، اللغز الملموس لإله وهو يغامر في اللحم،
شيئا >مثل خشوع لما هو خالد في اللحم، كإكمال لسلسلة شهوانية،
كتتويج لسلالة جسدية. شيئا ليس باعتباره مجرد ربط صلة بين
اللحم والارض، وإنما كتتويج و كنتيجة لتاريخ وصل إلى اللحم
والأرض<(3). لقد جاء مفهوم >الروح الشهوانية< الجريء،
وهو محور فكر بيغي، ليلطم بقوة كلا من >علوم الأخلاق المتصلة
والـ>كانطيات< الـ>المبتورة اليدين< و>درع
العادة اللاعضوي<. وما يجعل بيغي يقول >إن الناس الشرفاء
لا يلطخون العفو< هو تحديدا رؤيته المدهشة للعفو كقوة عضوية،
كـ>مُبَلّلة< لم تعد الخطيئة ذات جزء متصل بالشيطان،
و إنما صارت ذات جزء مرتبط بالله، مرتبط بهذا المسيح القذرالذي
نظفته فيرونيك بمنديل. الخطيئة هي أساسا >مدخل للفو<
ذلك أن >من لم يسقط لن يرفع أبدا، ومن لم يكن قذرا فهو
لن يطهر< (4).
3-
الرغبة تثاؤب بين الألم والـ>نيرفانا<
اللذة
عابرة. والموت الحتمي ينتظر الإنسان في نهاية الملف. لا يعلق
تثبيت الحاجة في الجسد وفي الوظائف الحيوية سوى كومة غبار
صغيرة سرعان ما تذروها هبة زمن. وبين قطبي الرغبة والحاجة
العابرين ها هي الرغبة باسطة إمبراطوريتها. إمبراطورية الفراغ،
تثاؤب شاسع فيه يمكث الكائن البشري ويصاب بالإتلاف. لقد وجدت
هذه الرؤية -الشمولية المتشائمة- للرغبة في الفلسفة البوذية
أحد تعابيرها الأكثر غنى وشعبية ودواما. فالبوذية تقترح، دفعة
واحدة، معاينة كونية للألم. فالعالم فيها معاناة، وسبب هذه
المعاناة أوأصلها تحديدا >هوالرغبة، والجشع<،والـ>العطش
للملذات الجسدية (هاماتنها)، عطش للوجود والاستمرارية (باهافاتانها)،
بل وحتى لرغبة الإبادة (فيباهافاتانها). ويعتبر هذا العطش
-الذي مركزه الفكرة الخاطئة المكونة عن"أنا" ما- قوة مرعبة
تجرالوجود بأكمله<(5). كما أن الإنسان لا يعدو مجرد لعبة
في يد هذه القوة. فهو لا يستطيع أن يتغلب عليها أويعاكسها،
بتعبيرأفضل، إلا إذا علق كل حركة وشل حركة طريق الرغبة الجحيمي
وانفصل عن الأحوال والمقامات والأجسام التي تطلبه بإلحاح وترعاه
لكي يصل إلى هذا النوع من السلام أوالحكمة الأوقيانوسية المتمثلة
في النيرفانا التي لا يمكن تعريفها إلا بكلمات سلبية كـ>حالة
عدم ولادة، حالة ثبات، حالة لامشروطية ولا تركيب<.
لقد
وجدت "الحقائق النبيلة" للبوذية أصداء عميقة و مؤثرة في فلسفة
شوبنهاور. فهو يصف في كتابه الأساسي العالم كإرادة وتمثل (
1819) التخلي الرباني الأقصى عن الكائن البشري الضال في ثنية
الوهم الظاهراتي والخاضع في جسمه وبجسمه، بغرائزه ورغباته،
لطغيان الرغبة في الحياة، للإرادة الكونية بوصفها طاقة للإنسان
والعالم عمياء مطلقة عبثية ومنفلتة من كل فهم. ويمكن للإنسان
أن يأمل في الهروب زمنا من شقائه الأساسي عن طريق بثه الشفقة
والحنو في العلاقات الاجتماعية كما عن طريق التأمل الجمالي،
إلا أنه لن يعرف انعتاقا حقيقيا إلا في الاستئصال الكامل للرغبة
وفي الانقراض التدريجي للأجساد عن طريق رفض الإنجاب. فالزهد
والعدمية يحيطان بالطريق الصوفي الذي يقود إلى النيرفانا.
4-
أعياد الجسد وغنائية الرغبة
مع
فخته تحصل >استحالة القيم<. الأجساد المرصصة بالموت
ورصاص الغرائزالخسيس -حمولة شيطانية تبقي الإنسان داخل الخوف
و الارتجاف< ( كييركيغارد) وتسمه باعتباره > كائنا -من
أجل-الـ-موت< (هايدجر)- يصيران ذهبا. يصبحان علم رغبة مرحا،
جسدا رشيقا راقصا وجوالا، مثيرا ابتهاجه بالحياة في فضاء الرغبة
المحرِّر النشيط. تصيرالرغبة في الحياة التي كانت عند شوبنهاور
عجلة للموت إرادة للقوة ملتفتة للحياة. للحياة الجائلة الدائرة
والعائدة بشكل أبدي في بهجة العودة الأبدية للنفس. ذلك أن
>ما من فرح إلا ويريد الخلود- يريد الأبدية العميقة<
(6).
العالم
يضحك الآن. فالحجاب الكثيف تمزق
والنوراحتفل
بزواجه العتمة...
تلك
هي الإشارات الأخيرة في القصيدة التي اختتم بها كتابه فيما
وراء الخير والشر(1887). تلك هي موسيقى هذا التمزق والضحك
النيتشوي الكبيرالذي -وهو يجرف بسطوعه الشرس كم من حثالة معادن
وكم من صرير- سيزعزع بحبوره التراجيدي الفكر الحديث الأكثر
حيوية.
أن
نصف بإيجاز مكونات هذه الـ>حداثة< معناه أن نشير إلى
كيف سيصير الجسد والرغبة، بوثبة واحدة، محورين راسخين من محاور
التأمل الفلسفي والأنتروبولوجي. ومن بين أعمال هذا التأمل
الحديثة التي تقترح بعض النظرات الموحية كتاب إيروس والحضارة
(1963) لهربرت ماركوز، و جسد الحب (1967) لنورمان. أ. براون
Nurman O Brown، وهما مجرد مثالين ضمن مؤلفات أخرى عديدة.
الموضوعات المفضلة والملحة لعلم جديد دشنه فرويد والتحليل
النفسي، هذا الأخير الذي يضمن إعلاءها بشكل وافر. قطبا الجذب
والمرجع من أجل تدبير أصيل للأشكال التشكيلية والأنظمة الجمالية
والمشاريع الثقافية التي تمثلها التيارات المسماة مستقبلية،
وتعبيرية، داداتية، وسوريالية، وموقفية،الخ. المعالم الحتمية،
لكن الحازمة، حينما تتولد اندفاعات من الحمى الثورية أوثغرات
سياسية اجتماعية كتلك التي يقدم انفجار ماي 1968 بفرنسا صورة
فُرجوية عنها. النقط المركزية للمطالب السياسية الملحة التي
تكثفها عبارة >جسدنا ملك لنا< التي وجهتها حركة النساء
بقوة ووضوح. وأخيرا ستذهب قيم مؤمثلة إلى حد لعب دورإشارة
إلهية تقريبا مؤسِسة الرغبة والجسد كطريقين عجيبين لخلاص شديد...
ووسط هذا الانتاج المتنامي لا يمكننا أن نقوم سوى ببعض الاجتزاءات
السريعة.
يؤسس
جورج غروديك G: Groddek -هذا الـ> محلل الرائع الذي أدرك
جوهر الشيء< التحليلنفسي، على حد الحكم الجميل الذي أصدره
فرويد بحقه- فكره وممارسته على الوضعية الباهرة للجسد والرغبة
وعلى هويتهما الجذرية بوصفهما وجهين متكافلين متصلين وبديلين
قابلين للتبادل لواقع واحد عجيب، هو: الهو ( leça ). وسوف
يلجأ فرويد لهذا المصطلح كي يسمي اللاشعور. إلا أن "الهو"
عند غروديك يتجاوز اللاشعورالفرويدي في جميع الاتجاهات. فهو
أصلا في الأعراض الهستيرية، أي أصلا في التحول أو تحول تبدلات
الرغبة إلى تبدلات جسدية بدنية. كما أنه ليس في أصل العصابات
فحسب، بل هو وراء جميع الأمراض الجسمية والعقلية. إنه الطاقة
الأولية للحياة التي تخلق أعضاء الجسد والبنيات النفسية على
حد سواء. يقول غروديك: > أرى أنه لا يوجد شيء آخر غير "الهو"!
وعندما أستعمل كلمتي "جسد" و "روح"، فإنني لا أقصد بهما سوى
التجليات المختلفة للهو...، ولوظائف الهو<(7). آنذاك، تصبح
أمثلة قوة "الهو" المبدعة أكثر من أن يحيط بها عد: >فـ"الهو"،
بقوته الملَكِيَّة، يشكل الأنف، ويثيرالتهاب الرئة، ويجعل
الإنسان عصبيا، ويفرض عليه تنفسه ومسعاه ومهنته<. فقوة
"الهو" هي التي تجعل الإنسان يتحرك ويفكر ويكبر<. الإنسان
مفعول ومُعاش ومُفكر من قبل الهو. ذلك ما يلخصه غروديك في
صيغة قارعة سيترتب عنها ظهور مدرسة >الهو يعيش الإنسان<.
ألا
يصب تفجيرالهو، بهذا الشكل وفي جميع مظاهر الإبداع، في الغموض
والتصوف؟ بهذا الشأن يوضح غروديك ويلح على أنه يرفض الانسياق
>وراء النقاشات الدائرة حول الروح الكونية، حول الحلولية،
والله/ الطبيعة الخ<. كما أنه يتمسك بحزم وصرامة بهذا التثبيت
نفسه، تذبير >الهو الفردي<، المزدوج والواضح: الجسد
بمورفولوجيته وبأحاسيسه، بحركاته وتعابيره، بآفاته وأمراضه
هو جسد حقيقي يمكن لمسه ومادة حية تعرض نفسها ليَدي غروديك
ممتهن التدليك المحنك؛ و الرغبة بوصفها جنسية متعددة الأشكال
غيرالقابلة للقمع (والطفل يقدم نموذجها الرائع) والتي تعرض
نفسها بسذاجة ودعابة وحيلة في اللغة التي تتزوج -بفضاضة أو
بمعرفة- دورات مكبوتها وخفاياه وعوداته. إن الهو، باعتباره
علة عميقة وإبداعية كونية، يمنح الحق للجسد والرغبة بشكل كامل
ومبتهج، وبذلك فهو يؤسس تسامحا كونيا ومساواتية أخوية وإباحية
تهزأ بالممنوعات، والأعراف، ومواقع السلطة، والقوة، و القيمة.
يؤكد غروديك أن >لا فرق بين السليم والمريض<. وإذن فها
هي تتهاوى هذه الثنائية الماكرة الحديثة، ثنائية صحة-مرض التي
تتخلل كل مخاوفنا اليومية وتدعم إرهاب >الدولة العلاجية<
ذات النزعة الكلياتية(8). أخيرا تتفتت التمييزات القاتلة والمضايقات
الغضوبة البئيسة التي تنحفر بها الأخلاق والسياسات والأديان
والإيديولوجيات. فالجنسية الطفولية، والفضول الجنسي، والاستمناء،
والجنسية المثلية، والثنائية الجنسية (المؤنث في الرجل والمذكر
في المرأة)، والمثيرات الجنسية متعددة الأشكال التي توصف بأنها
>منحرفة<، كل ذلك ما هو في نظر غروديك إلا أعياد وأناشيد
لإيروس، فسيفساء رائعة لحركة الحياة التي لا تنضب.
وضمن
منظور قريب بشكل مدهش، يحدد الروائي روماند رولان R. Rolland
صاحب روايتي جان كريستوف (1903-1912) Jean Christophe والروح
المفتونة (1922-1933) L'ame enchanté، وصاحب الدراسة الدافئة
المعنونة بـ: بحث في روح وحركة الهند الحية (1929-1930) Essai
sur la mystique et l'action de l'inde vivante، يحدد، بتعابير
غنائية المحمولة الحيوية للرغبة، هذه القوة الأصلية >الرغبة،
هذا الموجود الأول، كل شيء يوجد داخلها -طاهرا كان أم نجسا
(وهاتان العلامتان لا تروجان إلا داخل المجتمع، والرغبة لم
تدخل إليه). لكنني، كما يتراءى لي سلفا وجه العالم في الكرة
المعدنية التي يمسكها بامينو (Pamino) الرسامين القدماء، أقرأ
في عيني البامينو-الرغبة، مولدنا الأول، جميع رغباتنا الآتية
مصغرة- توجد آلهتنا المجهولة، القمم والينابيع، الكبرياء والحنان،
شمس الانتصارات، ظل الهزائم الهادئ، الأفواه كفواكه، الأيدي
كأفواه، لذة الروابط، نشوة الأيدي القوية التي تكسرها، للكل
غسم هوالحب. الحب هو محورالحياة...<(9).
انطلاقا
من المفهوم الفرويدي لليبيدو، شأنه في هذا شأن غروديك، يجهد
وليام رايش نفسه قبل كل شيء لتوضيح التعريف الأول الذي أعطاه
فرويد لهذا المصطلح: إنه طاقة جنسية. وبتطويره التمييز، من
جهة، بين الرغبات ما قبل الأوديبية أوما قبل التناسلية التي
تغذيها تثبيتات طفولية وعوامل نكوصات عصابية، ومن جهة أخرى،
بين الرغبات المكونة للتناسلية مُقَدَّمة وكأنها تتويج للتطورالليبيدي،
انتهى رايش إلي تعليق أهمية جوهرية لوظيفة الذروة الجنسية
(الأورجاسم)، لظاهرة تمتع جنسي كامل كتعبيرعن القوة الأورجاستيكية
مُعَرفة بأنها >قدرة على الاستسلام لتدفق الطاقة البيولوجية
في غياب أي كبح، قدرة على التفريغ الكامل لمجموع الإثارة الجنسية
المتضمنة، عن طريق انقباضات لاإرادية ممتعة للجسد<(10).
يتصور رايش الرغبة بمصطلحات طاقية أساسا. إنها حالة توتر وشحن
متزايدين تستدعي بإلحاح تفجيرا، أي تفريغا واسترخاء. ويمكن
رد الإيقاع الجنسي ذي الأزمنة الأربعة الذي وصفه رايش في دراسته
الأولى حول وظيفة الأورجاسم (1926) la fonction de l'orgasme
(توتر ميكانيكي، شحن طاقي، تفريغ طاقي، ثم تراخي ميكانيكي)،
يمكن رده إلى الإيقاع البيولوجي للنبض (pulsation): تمدي-انقباض
كما نراه، ضمن ما نرى، يشتغل في اللعب الاختصامي للنظامين
العصبيين النباتيين، العصب الودي السِّمبِتاوي وما وراء السمبتاوى،
مثلما نراه في الحركة المُتَموِّرية في التصوف. هكذا يبدو
أن للقوة الأورجاستيكية في الوظيفة البيولوجية الأولية والأساسية
التي يشترك فيها الإنسان مع جميع الأجسام الحية. فجميع الأحاسيس
تجاه الطبيعة تنشأ من هذه الوظيفة ومن الرغبة المحتدمة في
استرجاعها<. وبتعبير أوجز >إن صيغة الأورجاسم هي صيغة
الحي ذاتها<.
تستعير
طاقة الحي طرق النشاط الجنسي المفضلة والمشرقة. كما تجد تعابيرها
الخلابة والأشد إثارة في الأشكال العضوية دون أن تنحصر فيها.
يقول رايش: يجب مشاهدتها وهي تشتغل في الكون برمته. وفي جبهة
إيبستمولوجية جريئة تربط الأميد بالنجم، مرورا بالنجم و الاستيهامات
وإبداعات الإنسان، يعبر رايش الحقول الأكثر تنوعا-التحليل
النفسي(11)، والبيولوجيا(12)، والسياسة(13)، والدين (14)،والفيزياء،
وعلم الفلك (15) ، الخ- ليدعم فرضيته حول وجود طاقة كونية
للأشكال التي يدرسها العلم التقليدي والإوالي. طاقة حية أولية
يسميها الأورجون ويصفها، بالتماثل مع اندفاع الحيوي عند برجسون،
باعتبارها تدفقا مبدعا أصليا ودائما، محيطَ حياة بدائي فيه
تغرق وتتجدد جميع الوقائع العضوية قبل أن تتحلل فيه، ومنه
ينبثق الكون والأفلاك بدون توقف قبل أن يتفسخا فيه.
هكذا
تخفق الأجسام الإنسانية والأجساد السماوية، كل حسب أنظمته
الخاصة بنفس النبض الأورجاستيكي الكوني. لقد كتب الفيلسوف
دولوز والمحلل النفساني غواتاري(16) أن >رايش قد جعل نشيد
الحياة يعبر إلى التحليل النفسي<، كتبا ذلك وهما ينضمان
إلى الجوقة المنوعة -لكن المشوشة في أغلب الأحيان- لأصوات
رايش الملهمة. لكن نظرا لأن دولوز وغواتاري يخشيان من مغامرة
رايشية من شأنها أن تقودهما إلى تخوم تصوف ما أو تسجنهما داخل
هذه >العلب العظامية الإعجازية العوازب، ذات الحيطان المعدنية
المزخرفة بالصوف والقطن، و التي قد تكون مراكمات للأرورجون
الذي شيده رايش لتجديد حيوية الجسم الحي، نظرا لكونهما يخشيان
ذلك، فإنهما يتمسكان بمفهوم الرغبة معالجا بالطريقة الأكثر
>مادية< ممكنة. معالجا باعتباره >إنتاجا راغبا<
آلية أولى وقوية بشكل مجنون، تغذي-بلعبها المجنن بالتدفقات،
والتيارات الطاقية، ومجاوزات الأجزاء والأعضاء، والجروح، و
الاشتقاقات، والاقتطاعات، الخ.- جميع آلات الفرد وأشيائه الجنسية،
و دسائس الجسد الاجتماعي والسلط والمؤسسات على حد سواء. يقولان:
>ما من شيء إلا ويدور حول الآلات الراغبة وحول إنتاج الرغبة<،
>فالآلات الراغبة تزمجر في عمق اللاشعور<.
كانت
هذه الصور للاشعور باعتباره >لاشعورا آليا<، هذه الرؤية
>الميكانيكية للرغبة<-الرغبة تسيل، تسيل وتقطع- ستحل
من مسلك مستقبلي تقريبا لو لم يحرص المؤلفان على التشديد على
> تماد coextension الحقل الاجتماعي والرغبة< وتعليق
هذه الأخيرة بشكل قوي بالواقع السياسي، ولاسيما لو لم يحرصا،
وهما يخلدان بدورهما حفل زواج الرغبة والحياة -> الرغبة
تعانق الحياة بقوة منتجة<، على أن يفتحا للرغبة (مقتفيين
خطوات زرادشت) الطرق المزروعة بالمخاطر و نعم حياة الترحال،
طرق الأسفارالدائمة التي لا نهاية لها: >الرغبة منفى، الرغبة
صحراء<. لكنها >منفى وصحراء جماعيان<، طريق وفضاء
للتحرر.
5
- الجسد مطلوب من أجل ولادة جديدة
الرغبة
المحررة تجرى وتعيش حياة بداوة وترحال في حداثتنا. تمر من
جمعيات الطليعة إلى حركات الشباب والنساء. من الكتابات المتشظية
إلى واجهات الكفاح المعبأة. من الفلسفة العالمة إلى نداءات
سفارات >تغيير الحياة< وعيش >الحياة الصحيحة<.
معمرة هي سلالة رايش، هذه التي مثلها مؤخرا عمل نقدي حي مستوحى
من الموقفية أنجزه راوول فانجيم Raoul Vaneigen (17). فبالانطلاق
من المفهوم الرايشي >الوباء العاطفي< -الإيروس المكبوت
الذي يتحول الى غضب مدمر-يفضح الكاتب >البحث الدامي عن
الربح والسلطة< و>دكتاتورية البضاعة كلية الحضور<
اللذين يقتلان رغبتنا ويجعلانا نعيش عواطفنا >تحت نظرة
الموت الملتوية<. لكن لنجعل من أنفسنا >ذكاء شهويا<
وتلذذا مجانيا، وإذا بانبعاث رغباتنا يعلن أخيرا ميلاد مجتمع
إنساني<.
تبدو
لنا ذرية رايش التي ارتبطت بالعلاج التقني -إن صح التعبير-للجسم
أكثر خصوبة. لقد أظهر رايش في دراسته الأساسية حول التحليل
الطبعي(133) l'analyse caractérielle كيف أن جميع تجارب الذات،
حتى قبل الولادة وخلال الطفولةالمبكرة بصفة خاصة، تدخل حتما
في السجل المزدوج التضامني والمركزي، سجل الطبع والجسد. والعائلة
السلطوية، والمجتمع القمعي، والأخلاق المناهضة للجنس ، كل
ذلك يجبر الفرد عى أن يكوِّن لنفسه درعا طبعيا ليحتمي في آن
واحد من الاعتداءات الخارجية ومن المتطلبات الليبيدية الداخلية.
وذلك الدرع هو في آن واحد درع عضلي، أي نظام من توترات العضلات
و توقيفاتها، وطرق خاصة من ردود الفعل العصبية النباتية، والإفرازات
الهرمونية، وركودات الدم الطاقية، وأحوال الجسد، والإيماءات
و المواقف، وجميع التعبيرات الجسدية. هكذا تتشكل لغة للجسد
- جسد الرغبة، يتشكل جسد مفعول من قبل اللاشعور، جسد طاقي
ومدرع، يقترح رايش لقراءته تقسيمه إلى أجزاء: >قسم درع<
متكون من >أعضاء ومجموعات من الأعصاب المرتبطة فيما بينها
بعلاقة وظيفية<. يميز أيضا بين الأجزاء: البصري، والشفهي،
والعنقي، والصدري، والحجابي (diaphragmatique)، والبطني، والحوضي.
وتجارب الذات الليبيدية (خوف، حرمان، قلق، مكافأة، الخ) تثبت
بطريقة فعالة في هذا الجزء أو ذاك. وعندما تُتَّخذ كموضوع
لاشتغال مدقق من أجل فك رموزها، فإنها تكشف عن عناصر التاريخ
الشخصي المكبوتة وعن بنية الطبع النوعية.
دون
أن ندخل في تفاصيل الدراسات التحليلية النفسية والبيوطاقية
المعقدة التي قام بها رايش حول مختلف الطباع: الطبع الهستيري،
القسري، التناسلي، المازوشي،الخ. من المفيد -لغاية عملية وإن
كانت نسبية وقابلة للنقاش- أن نلخص الأساسي في النمذجة الرايشية
في جدول بسيط سبق أن اقترحناه في كتابنا مائة زهرة لوليام
رايش (1957) Cent fleurs pour Wilhelm Reich
الدرع
الطبع الوجدان الوضع الجنسي
تكيفي(لين)
تــناسلي لــــــــــــــــذة قــوة أورجــــــــاستيــكيــة
مقولب
(عنيد) عصابي قــــــــــــلـــق عـــجز أورجاستيــــــــــــــكي
بيوباتي(هجومي)
موبوء حقد، عطب هيجان مضاد للأورجاسم
إذا
لم تتسبب هذه التمييزات الطبيعية على المستوى الاجتماعي في
وضع محدد فهي تجر على الأقل توجها سياسيا خاصا يمكن للظروف
الاقتصادية والتاريخية أن تساعد عليه وتقويه. فالطبع الموبوء
سيكون ذا نزعة قاسية، والعصابي سيكون بالأحرى محافظا، والتناسلي
سيكون أكثر قدرة على بناء >ديموقراطية شغل< قادرة على
الضبط الذاتي وحمل رؤية إباحية للمجتمع.
يرى
رايش بما أن الطاقة الليبيدية تكون ماديا وعضويا مرتبطة بالجسد
ومسجلة فيه، فإنه يجب الفعل المباشرفيه، وذلك مع أخذ النظام
التجزيئي المذكور أعلاه بعين الاعتبار: إنه مبدأ لكل ممارسة
بيوطاقية، أي ما يسميه رايش، بتعبير أدق، العلاج بالنبات الطبعي
التحليلي (Végétothérapie caractéro-analytique) الذي -عبر
التدليكات وتشغيل الإيقاع التنفسي وتمارين متعددة مطابقة لمختلف
اجزاء الدرع (حركات العينين والأنف، تقطيبات الوجه، صراخات،
حركات ضرب، حركات حوضية)، عبر ذلك يهدف إلى حل العقد العضلية
أو إزالة التوقفات العضلية وحل مختلف التوترات البدنية وإرخاء
الدرع وجعله أكثرليونة للحصول على دوران للطاقة أكثر حرية
وأكثر أورجاستيكية في جسد الذات المستسلمة لرغباتها الأكثر
عمقا والأكثر أصالة، وخارج الذات لتحقيق نظام أكثر إكراما
وأكثر إبداعا للتبادلات مع الغير، ولإضفاء معنى أكثر إيروسية
على الواقع.
نشاهد
في أيامنا هذه، ونحن نعود إلى أعمال رايش عن عمد أولا، ازدهارا
عجيبا للتقنيات والعلاجات والممارسات وأشكال التعبير الجسدي
المتنوعة التي تشكل ظاهرة ثقافية حقيقية. وقد استطاعت مجلة
Sexpol ، وهي من وحي رايشي، أن تخصص لهذا الموضوع ملفا كبيرا(18).
أما نحن، فكل ما يمكننا إيراده كخاتمة هو عرض بعض إشارات متناثرة
لبعض الامثلة الدالة.
يمارس
ألكسندر لوين Alexandre Lowen الذي تلقى تكوينه على يد رايش
تدخلا بالقوة في الجسد لتكسير مزاليج الدرع وتحريرالعواطف
الحادة. فهو يسعى إلى تحقيق >تجذر< جيد للذات ولأوضاع
الجسد الفعالة للتوازن فوق الأرض<(19). وبالمنهج المسمى
Rolfing تعالج إيدا رولف Ida Rolf أيضا اتجاه النقل داخل المعيش
الجسدي، وتعلق أهمية كبرى على عمودية الجسد الـ>الجيدة<؛
يرتكز>الإدماج الوضعي< للذات على عمل نوعي على مستوي
الأنسجة الرابطة التي تضمن الاتصال الجسدي. أما العلاج الجشطلتي،
فيعطي الأولوية للشكل الكلي والراهن للذات المتميز بتمفصل
المستويات: الجسدي، العاطفي، الفكري. إنه العلاج] يستدعي >حكمة
الجسد<، ينادي الطاقة المبدعة الكامنة في الجسم مجسدة في
الأنا، وذلك بالإلحاح على كون كل شيء، في نهاية المطاف، يجري
في الحاضر، هنا والآن (20). وترى جيردة بويسن Gerda Boyesen
أن الجسد، بفضل وظيفته التنظيمية الذاتية، قادر على حل توتراته
العصبية. يتعلق الأمر بتسيير جريان حر للتدفق الطاقي الراكد
في مواد الجسم السائلة. وفي منهج يدعى سيكولوجية التقلص الاستداري
(psychopéristaltique) تمنح عناية خاصة للمناطق الحشوية. و
مع العلاج الأولي عند آرتور جانوف Arthur Janov ، تعرف صرخة
المولود الأولى عواقب فريدة. فعبر علاج مُكلف و عنيد يتم حمل
المعالج على نكوص طفولي يتيح له أن يعيش من جديد رضة الولادة.
كما يتم تخليص العناصر النفسية كي تحصل على وعي جديد بالمعاناة
وبالواقع(21).ويهدف التحليل العملي أو الفعلي (Analyse actionnelle)
الذي يجريه أ.موهل O Muhl، على جماعات نمساوية بالخصوص، إلى
استعادة معيش طفولي، بل وحتى جنيني عن طريق إطلاق صرخات وأناشيد
و رقصات و إيماءات و حالات ارتعاد يحصل عليها وسط جماعة، وذلك
عن طريق مسار التطور الفردي من جديد وإعادته بكيفية أخرى.
لا
يجب أن يحملنا البعد العالمي لمختلف هذه الممارسات ذات أصل
أمريكي في معظمها على تجاهل أهمية بعض الطرق الأصيلة التي
نشأت في الثقافة الفرنسية. فعمل فرانسواز ميزيير Françoise
Mezière، مثلا، يتميز باحترام أوضاع الجسد و إيقاعاته الطبيعية
ورفض كل إكراه له، و البحث عن تحقيق ارتخاء تدريجي للتوترات
العصبية والعضلية، وذلك عن طريق إجراء تمارين جذب، وحركات
وظيفية تنحدر من ضرب من >مناهضة الرياضة البدنية <(22).
ويقودنا مشروع فريديريك لوبوييه Frédérick Leboyer (23) الذي
يتغذى من تجربة قبَّالية طويلة، في نهاية المطاف، إلى المركز
الأصلي لفعل في الجسد، أو بالأحرى للافعل فيه، أي لعدم تدخل
فيه. و بالفعل، فالكاتب يرفض التدخل الاحتكاري العدواني من
قبل جهاز طبي - ثقافي ثقيل يتملك ظاهرة الولادة، ويقترح بالمقابل
أن تجري هذه الأخيرة في شروط طبيعية قدر الإمكان وفي وسط كتوم
ودافئ يضمن عبر الطفل بشكل تدريجي إلى العالم بفضل تدليكات
واغتسالات، وعلى الخصوص بفضل اتصال مباشر و مطول مع الجسد
الأم. يتعلق الأمر بأن يمتلك الطفل دفعة واحدة الإحساس بتدبير
حر وسعيد لجسده. لقد صار الجسد مطلوبا ولم يعد بتاتا مغلوبا.
صار مطلوبا من أجل ولادة جديدة. ربما من أجل ولادة إنسانية
أخرى. من أجل نهضة جديدة قد يمكن استشفاف بصيص منها في عمل
ميشال أودن Michel Oden ، ضمن أعمال اخرى، الذي يرى في الفعل
البيولوجي و الأنتروبولوجي للأمومة المعاشة كليا وبحرية >غريزة<
أصلية >مستعادة< وفي الفضاء المدعو >أمومة< مكانا
مفضلا للتآني، على حد تعبير ايفان إليش Ivan Illichg ، حيث
يمكن >للإنسان البيتوي< إنسان الغد أن يأخذ شكلا، ممارسة
معجزة...
الهوامش:
1)
Bosh,1966 Welhelm Frayger, Le royaume millénaire de Jérome
2) Le mariage du ciel
et de l'enfer,1973
3)Victor, Marie, Compte
Hugo, 1970
4) Note conjointe,
1914
5) Walpha Rahula,
L'enseignement fondamental du boudhisme, in Présence du
boudhisme, France- Asie, 1959
6) Ainsi parlait Zaratoustra,
1833-1891
7) Le Livre du Ca,
1923
8) Thomas Szasz, Fabriquer
la folie, 1976
9) Le Voyage intérieur,
1942-1946
10) La Fonction de
l'orgasme, 1952
11) 11) L'Analyse
caractérielle, 1933
12) La Biopathie du
cancer, 1948
13) La Psycologie
de masse du fascisme, 1933
14) Le Meurtre du
Christ, 1953
15)La Suspension cosmique,
1951
16) L'Anti-Oedipe,
1972
17) Le Livre des plaisirs,1979
18) Les Bio-energies,
1979
19) Le Langage du
Corps, 1958
20) Fr.Perls, R. Hefferlino
, P Goodman, Gestalt-thérapie , 1979
21) Le Cri primal,
1970
22) Thérèse Bertherat
et Carole Bertin, Le Corps a ses raisons, 1976
23) Pour une naissance
sans violence
ببليوغرافيا:
DADOUN,
Roger, Cent Fleurs pour Wilhelm Reich, Payot, 1975
DELEUZE
et GUATARI, L'Anti-OEdipe, Ed, de Minuit, 1972
GRODDECK,
Georg, Le Livre du ça,Gallimard, 1976
LEBOYER,
Frédiric, Pour une naissance sans violence, Le Seuil, 1974
ODENT,
Michel, Genèse de l'homme écologique, l'instinct retrouvé,
Epi, 1979
REICH,
Wilhelm, L'Analyse caractérielle, Payot, 1973
REICH,
Wilhelm, La Psychologie de masse du fascisme, Payot, 1972
Revue
Sexpol, ا Les bio-energies, n 29-30, mai, 1979
SHILDER,
Paul, L'Image du corps,Gallimard, 1968
ترجمة:
محمد
أسليم - المدرسة
العليا للأساتذة مكناس / (موقع
سعيد بنكراد)