
حياة
امرأة عاشقة
تأليف:
إيهارا سايكاكو
كان
الأديب الياباني إيهارا سايكاكو أول رجل في اليابان يعيش من
كتاباته الأدبية في القرن السابع عشر. وتميز هذا الرجل بتعدد
المواهب، منها موهبته الشعرية الاستثنائية، وأسلوبه المميز
في كتابة المسرحيات والروايات ذات الرؤيا الجديدة التي تبرز
تشوهات أو تناقض الواقع. وعرف عنه التجديد الدائم وحب المغامرة
في تقديم نصوص أدبية خارجة عما هو مألوف. ولد إيهارا في عام
1642 في أوساكا وعرف القليل عن بداية حياته واشتهر بكونه رائدا
في مجال الشعر والرواية والمسرح. وقد واجه المصائب في شبابه
بروح وعزيمة قوية، فحينما توفيت زوجته في عام 1675 وتركت له
ابنة عمياء سرعان ما لحقت بوالدتها بعد مضي سنوات معدودة،
لم ينسحب إلى أحد المعابد الدينية أو يتصوف، بل اختار السفر
والتجوال والكتابة كمسار جديد لحياته.
وخلال
سفره اختبر سايكاكو جوانب أخرى من الحياة وشاهد مناطق مختلفة
من بلده، وتواصل وتعايش مع مختلف طبقات المجتمع سيما الدنيا
منها، وسخر مخزون مشاهداته وتجاربه في أعماله الأدبية. كان
سايكاكو يبحث عن الحياة في قاع المجتمع وفي الشوارع الخلفية
وفي المسارح وبيوت الشاي، ويتواصل في النهارات مع المتسولين
والمشردين والساقطات ليعود في المساءات ليرفه عن الأمراء والتجار
الأثرياء من خلال مهاراته الأدبية.
كانت
أعماله المكتوبة بمثابة عدسة الكاميرا التي تلتقط تنوع أجواء
مدينة أوساكا في ذلك الزمن، وتحول شخوصها من محاربين إلى مدنيين.
بدأت
شهرة سايكاكو من خلال كونه تلميذا رائدا لشعر هايكو في مدرسة
شعر دارنين، وعمل على تحرير القصيدة من الصرامة الأكاديمية
ومن إطارها الشكلي ونسقها المحدد، وسعى لأن تقرأ بطريقة أكثر
عفوية.
قوبل
تمرده الأدبي بالنقد العنيف، ووصفت قصائده بكونها شعبية وغير
ملهمة، إلا أن هذا النقد لم يمنع الرحالة من اكتساب مريدين
لأسلوبه في أوساكا، حيث اشتهر بأدائه للشعر في ماراثون الشعر
الشهير لديهم. ويقال بأنه ألف حينما كان في السادسة والثلاثين
من عمره قصيدة ضمت 1600 هايكو في أداء واحد أمام الجمهور.
وقيل
أنه ألف بعد مضي ثلاث سنوات 3000 هايكو في يوم واحد، ومن ثم
قام بإلقاء قصيدة تضم 500. 23 بيت خلال يوم وليلة حينما كان
في الرابعة والثلاثين من عمره، ولقب آنذاك باسم «معلم 000.
20».
كما
اشتهر لاحقا بمهارته الفائقة في رواية وسرد القصص. ونشرت أول
رواية له في عام 1682 بعنوان «حياة رجل عاشق»، أتبعها برواية
أخرى هي «خمسة نساء أحببن الحب» ومن ثم رواية «حياة امرأة
عاشقة» التي تلتها رواية «مودة صداقة الساموراي» والعديد غيرها.
توفي
سايكاكو في عام 1693 بعد أن أسس للأجيال القادمة بعدا جديدا
للكتابة الأدبية الواعية. ولدى قراءتنا اليوم لأعماله الادبية
الاثني عشر، نشعر بأنه من الصعب الاقتناع بأن هذا العالم بات
حزءا من الماضي.
وجدير
بالذكر أن المرحلة التي عاش خلالها سايكاكو وتدعى أيدو، شهدت
أوج ازدهار الثقافة اليابانية، وذلك بعد ظهور طبقة التجار
التي أصبحت الأكثر نفوذا بعد الساموراي، وساهمت في نقل الفنون
من الطبقة الارستقراطية إلى طبقة التجار.
ولم
تكن المرأة اليابانية خلال تلك المرحلة تملك أية حقوق أو صوت
لها، كانت محاصرة بين اضطهاد طبقة الساموراي من جهة، وثقافة
المتعة والترفيه الخاصة بطبقة التجار من جهة أخرى. وفي حين
كانت النساء من الطبقات العليا بمثابة آلات لإنجاب الأبناء،
فإن نساء الطبقة الدنيا كن خادمات لأزواجهن أو غانيات للتسلية
والترفيه.
وفي
رواية «حياة امرأة عاشقة»، يبين سايكاكو بأنه حينما تحاول
المرأة الخروج عن إطار الأعراف، فإنها تبدأ وتستمر في الانزلاق
حتى تصل إلى قاع المجتمع.
وعلى
الرغم من أنه صور بعمق حياة المرأة ومعاناتها في زمنه، إلا
أنه لم يستطع تجاوز كونه ينتمي إلى فكر مجتمعه الذكوري وربما
دون أن يعي ذلك، ويتجلى هذا الأمر من خلال إغفاله لاسم البطلة
التي تنتمي إلى عائلة عريقة من طبقة الساموراي، وكذلك لدى
اعتباره أدوار المرأة كزوجة أو غانيه أو محظية بأنها مهن أو
حرف.
تبدأ
أحداث هذه الرواية في صباح يوم ربيعي لتنتهي كما تذكر البطلة
«بقمر يشع من قلبها»، أي مسار رحلتها من الحياة المادية إلى
اكتشاف الذات والتصالح مع النفس وتحقيق السكينة.
في
ذات صباح، تستقبل بطلة الرواية المرأة العجوز التي تناهز الستين
عاما مجموعة من الشبان كانوا يقومون برحلة استكشافية، وتبدأ
بسرد قصتها عليهم وذلك عبر الزمان والمكان ومنذ أن كانت طفلة.
ففي
الثانية عشرة من عمرها التحقت بالخدمة في القصر، وبعد مضي
عام أحبت شابا من الساموراي، وهربت معه من البلاط، وذلك لأن
الحب كان محرما على طبقة الخدم في البلاط الملكي. ونتيجة لذلك
كان على شاب الساموراي الانتحار، في حين أعيدت هي إلى عائلتها.
ونظرا لإزدهار الفنون في تلك المرحلة، تعلمت الفتاة الرقص
والغناء أسوة بالمحظيات وانضمت بعدها إلى فرقة مسرحية جوالة.
وحينما
أعجب بجمالها أحد الإقطاعيين، اصطحبها معه كمحظية. وبعد مضي
زمن أصبحت غانية من أرقى المراتب.
وتذكر
لضيوفها بأنه في ذاك الزمن كانت المرأة الجميلة كالفأس التي
تقضي على حياة الرجل. وتبين لهم بأنه على الرغم من أن عملها
كخياطة وهي المهنة التي تكتسبها كل من تتدرب لتصبح غانية،
كانت تدر عليها دخلا يكفيها ويؤمن لها حياة كريمة وهادئة إلا
أن افتقارها لصحبة الرجل، دفعها إلى صرف كل ما كسبته لشراء
الزي الذي تحتاجه لجذب انتباه الرجل.
إذ
كانت الملابس ونوعية الأقمشة سيما الحرير منها في ذلك الزمن،
جزءا لا ينفصل عن مقومات جمال المرأة وتحديد مكانتها في المجتمع.
وتنحدر
حياة هذه المرأة إلى أدنى درجات المجتمع لعدة أسباب، منها
مرضها وعاطفتها واعتزازها بشخصها. وقد أدى ذلك بها إلى ممارسة
ما يقارب من أربعين عملا.
وتروي
لهم بأنها في كل مرة كانت تقوم بعمل ما، إما تواجه مشكلة أو
تقع في غرام لا يحق لها فيه، مما يفرض عليها تغيير العمل.
وبذا كانت تنحدر تدريجيا إلى القاع حيث مارست العمل كنادلة
في بيوت الشاي وخادمة وغير ذلك. ولم تكن تجد غضاضة في ذلك
لقناعتها بأن القيام بأي عمل أفضل من الموت جوعا، وهذا يعكس
افتقار المرأة في ذلك الزمن لأي طموح.
وتذكر
بأن أسعد مرحلة في حياتها كانت، حينما أصبحت زوجة وللمرة الأولى
لرجل يصنع المراوح. وعلى الرغم من سعادتها، سرعان ما تقع في
هوى أحد الزبائن. وكان عليها بعدها أن تعيش حياة مشردة وتواجه
أسوأ وأحلك الظروف.
وفي
يوم ماطر، تراءت لها أشباح أطفال تهيم في المطر تبكي وهي تنادي
أمها وتطلب منها أن تحتضنها. وهذه الرؤيا إنما تعكس الألم
الدفين لتلك المرأة التي أجهضت ثماني مرات وذلك تبعا للعرف
السائد لمن يمتهن البغاء. تعذبها تلك الرؤيا، وتجعلها تندم
على فقدان أطفالها الذين ربما كانت ولادتها لهم ستحمل لها
شيئا من السعادة.
وحينما
تصل إلى قاع اليأس من الحياة، تقف عند شلال مياه وتقرر الانتحار،
غير أن راهبا بوذيا صدف وجوده في ذلك المكان وتلك اللحظة،
يوقفها ويساعدها على تغيير رؤيتها للحياة بعد أخذها إلى أحد
المعابد البوذية. وتبين المرأة العجوز لضيوفها مع حلول المساء،
بأنها منذ ذلك الحين وهي تعيش الحياة وتتعامل معها بروحها
مما حقق لها السكينة والسلام، لترى نفسها قمرا مشعا من القلب
على الدوام.
رشا المالح
- 01.11.2004 -
مختارات الشاعر أسعد الجبوري.