حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الجـسـد
نصوص من التراث

إننا نحلم بالسفر في الكون، غير أن الكون
فينا، ومرد ذلك إلى جهلنا بأعماق أرواحنا.
(نوفاليس)

الجسد هو"المسكوت عنه" وهذا الصمت يوهمنا أن
الجسد معروف بصفة بديهية ولا يستحق تفسيرا خاصا به.
(علي الشنوفي)

تماهي الجسد والصورة

هل من حقنا أن نتساءل: أليس تاريخ البشرية في أعمق تمظهراته هو تاريخ لفعالية الجسد وإنجازاته بما يرافقها من قيم دلالية؟ من ينكر اليوم وزن الصورة التي يتضخم بها جسد "رامبو" لحمولته "الحضارية" وقيمه الثقافية وطاقاته المتعددة، هذا في الوقت الذي يتقلص فيه الجسد "الصومالي" لـ"فراغه الحضاري" إلى حد وصفه بالحشرة الضارة والخطر المتبقي الذي ينبغي استئصاله؟ ألا تعمل حرب الدعاية إلى جانب الحرب التكنولوجية، منذ عقود طويلة على تتويج الجسد الأبيض، والشعر الأشقر والعيون الزرقاء؟ بعد أن كان المؤرخون من أمثال هنري تيراس قد وضعوا اللبنات الأولى لشق طريق من هذا النوع وسط الأدغال الإفريقية...

لقد ظل الجسد يشتغل رمزيا عن طريق الصراع والصراع المضاد ليعمل على انتقاء صورة خاصة به تؤدي في نفس الوقت إلى إقصاء أشكال أخرى له عن طريق المراقبة- العقاب. هكذا يتأسس الجسد، وهكذا بدأ يشتغل عن طريق لغاته المتعددة، وأعضائه المختلفة دون أن يقدم مفاتيحها بشكل كاف رغم الحضور المتميز الذي يمكن أن تكشف عنه مختلف الأسنُن التعبيرية.

لم يعد الجسد يرضى بالموقع التاريخي المدنس الذي ظل يشغله طوال الأزمنة القديمة، في مقابل الروح الحقيقة المقدسة. هذا التعارض الذي عمقته الكتب الدينية والقوانين المترتبة عنها. يؤكد وول سوينكا ذلك قائلا : >الجسد خدعة جغرافية والروح حقيقتنا<.ليظل الجسد هو هذا المسكوت عنه الذي يعتمر في الخفاء كما لو كان لا يستحق المعرفة اللازمة، إنه مجرد غلاف أوقشرة تخفي جوهرنا.

هذا الفهم التهميشي لطاقات الجسد، بالإضافة إلى مقتضيات التربية وقوانين السياسة وسياسة المؤسسات القمعية، ظلت تعمل جميعها تحت طائلة التنظيم والضبط، على انحسارالجسد في زاوية ضيقة من الوجود، والزيادة في تضييق الخناق عليه. هذا ما أكده بارث ذات مرة: > كلما ازدادت الممنوعات، كلما قلت المتع، وفي كل يوم نصطدم بممنوعات جديدة<. > فالسياسة تربية، إذن تربية الجسد، ولكن بشكل يضمن طواعيته، وخضوعه لمنطق جسد آخر يعتمد عليه<(1). وقد كان ميشيل فوكو قد بيّن في المراقبة والعقاب >كيف يتنزل الجسد في المجال السياسي، وكيف تمارس علاقات السلطة المبثوثة في كل أجهزة المجتمع ومؤسسات الحكم هيمنة واضحة أوخفية على الجسد فتطيعه (والأصح فتطوعه) وتستثمره وترغمه على شتى الأعمال والسلوكات والانضباطات، ولا يخفى ما لهذه التكنولوجيا السياسية للجسد من خطورة قد تفوق أشكال الهيمنة القديمة أحيانا لأنها أصبحت تسري عبر كل قنوات العلاقات البشرية..<(2).

إن الأزمة الأخيرة قد أعادت الاعتبارللجسد، وحاولت أن تجعل منه موضوعا للسؤال، والسؤال تلوالسؤال مع ما يرافق ذلك من تمثلات متباينة تجمع على أنه لا ينبغي التعامل مع الجسد كظاهرة طبيعية، ولكن كحصيلة >نتاج تارخي وثقافي وإيديولوجي، ونحن نلاحظ اليوم، كيف ترسم لنا حضارة الصورة، أي حضارة الجسد، الجسد المثالي الذي ينبغي أن نرغب فيه إلى درجة أننا نستلب في رغبة ليست رغبتنا أصلا<(3). >فاكتشاف الجسد كمفهوم مستقل قائم بذاته هو رمز تحول عميق في منزلة الإنسان الذي صار يرغب في إرساء مصالحة مع نفسه و ينمي علاقات حميمية مع فردانيته، وذلك يعود بالأساس إلى فصل الجسد عن الروح وعن الآخرين وعن العالم، ونحن نلاحظ اليوم أن إشكالية الذات والوعي بدأت تتوارى في الفلسفة وفي العلوم الإنسانية، كما نلاحظ أن الروابط الأسرية والاجتماعية صارت تتقلص كما تجعل الفرد ينطوي على جسده الخاص، بل يعطي شكلا جسديا لوجوده، فلاغرابة أن يأخذ الجسد أهمية بارزة في حياتنا وفكرنا إذن<(4).

هذا الاكتشاف أوإعادة الاكتشاف قد عمل على ترسيخ موضوع الجسد عن طريق نفض الغبار الذي علق به على مر السنين، وذلك أدى إلى إضعافه وإفقارعلامات قوته من أجل الوصول إلى غاية مركزية وتاريخية وهي إنجاز مصالحة تامة بين الإنسان وبين ذاته. > فبمعنى ما لا يعرف الإنسان جسمه إلا بما يسمع عنه، ذلك أن اللغة تحجب دائما جسم الإنسان، وأن الإحساس الأكثر حميمية نسيج من الاستعارات، فحتى الضحك والبكاء والصراخ المصاحبة للكابوس والتي تشكل حدود اللغة البينة مليئة بإيقاع الكلمات وصورها الصوتية. لذا ينبغي أن ننطلق من فكرة أنه لا يمكننا أن نتمثل جسمنا كمدرك أومجموعة مدركات، بل كصورة وإيقاع للحياة يجسدها الفكر والفن. فكثيرا ما نرتبط مع جسمنا بعلاقات سحرية بل بقصة سحرية، وسحرنجسده عن طريق التزيين وفن المظاهر، ويخلصنا من قوة الفصل ومن الألم والأنين، وهي علامات وآثار ظاهرة أوخفية يخلفها الزمن في جسمنا...<(5)

الجسد والحركة/اللغة

يقول جوليان هيلتون: >...يمكننا على سبيل التبسيط أن نقيم تمايزا بين الحركة بالمعنى النظري العام وبين تجلياتها الفعلية المتنوعة المتعددة علي المستوي العملي، على غرار التمايز الذي أقامته الدراسات اللغوية بين اللسان وبين الكلام. والمقصود باللسان هوالقدرات الكامنة في أية لغة والمقياس النظري لطاقتها على التعبير، أما المقصود بالكلام فهو أفعال التعبيرالفردية. ووفق هذا النموذج، يمكننا أن نعتبرالحركة طاقة التعبيرالكامنة في الجسد البشري، وصفة جامعة لكل الحركات التي يمكن للجسد البشري أن يؤديها. وفي ضوء هذا تصبح تجلياتها الفعلية المتنوعة التي تشمل الإيماءات أيضا هي وحداتها المعبرة والمعادل الحركي "للكلام"<(6).

لم تعد قيمة الجسد منحصرة في بعده المهني، كما كان الشأن في الأزمنة القديمة، ولكنه اكتسب أبعادا جديدة، من حيث طاقاته الجمالية ومن حيث وظائفه الحركية ومن حيث الحقول الدلالية التي تعبر عنها مختلف أعضائه المكونة: الوجه، العينان، اليدان، الرأس، الرجلان، الخ. وبمعنى آخر أصبح الجسد يشغل مجاله في الوجود، إن لم يكن هو عين الوجود. وبما أن اللغة قاصرة أصلا فقد جاءت حركة الجسد لتغنيها. يقول بيير گيرو: > أصبحنا نتكلم عن جسدنا، وجسدنا يتكلم معنا بطرق متعددة، وفي مستويات مختلفة...إن جسدنا يتكلم أيضا عبر انفعلاتنا، و هي بمعناها الحقيقي حركات أعضائنا.<(7) > نعم إننا نعيش عبر جسدنا ونعبر عن وجودنا من خلاله، ونظهر للغير الذي نتواصل معه: جسدنا، ونشهد على حقيقة ما، وفي وضع معين بجسدنا. فيحق لنا أن نقول: إننا نتواصل جسديا، وهناك علاقات جسدية، أي أن كل القيم، كل أشكال الحب والكراهية والحقد والمحبة والنبل والانحطاط يبرزها الجسد، أو يبرز لها...الجسد الذي نعيش به محكوم بقانون يضبط سكونه، بمجتمع ينفذ فيه القانون، بثقافة يتجسد بها<(8).

هل أصبحت حياتنا اليومية إذن سلوكا جسديا بالدرجة الأولى؟ ذلك ما تؤكده العناية البالغة التي أصبح يحظى بها هذا الأخير من طرف الكائن البشري: النظافة، الهندام، الوقت الطويل أمام المرآة، المشية، الرياضة إلخ. >إن الجسد يفرض علينا القيام باستعراضات جسدية لا مفر منها، وبدونها لا نستطيع الاستمرارفي الوجود أو إقامة أية علاقة مع الآخرين! ما نقصده هو أن هناك حضورا مرئيا ولامرئيا للجسد الاستعراضي يمتد فينا قولا وكتابة وسلوكا...نعبر عنه بأكثر من طريقة... نعم إنه عنصر الجسد الاستعراضي، فمن يستطيع ادعاء أنه غير مسكون به بشكل ما ؟<(9)

نحن إذن أمام تجل جديد للجسد في سلوكنا اليومي، وفي علاقاتنا مع الآخرين، > نحن نجعل الجسد يتكلم حين نستعمله كعالم للتعبير عن حقائق خارج جسدية< ليصبح بذلك مصدرا للمعلومات المختلفة المرتبطة بحقيقة وجودنا، وتنوع مظاهر حياتنا، و> في الأخير نحن نحلم العالم على نموذج جسدنا< وتزداد كثافة هذا التعبير وتتعاظم عن طريق تعدد الصور التي يمكن إعارتها للجسد بواسطة: اللباس، الألوان، المساحيق، أنواع العطر، إلخ. ومن الاكيد أن الجسد بتعدد أعضائه وغنى طاقاته الكامنة وتعدد استعراضاته اليومية وتنوع جغرافيته، قد غدا موضوعا إيمائيا بما يتضمنه من كثافة دلالية فـ>الجسد لوحة، علامة موسيقية، حركته هي موسيقاه المسموعة، حيث تظهر كل حركة لحنا مؤثرا يبهر العين، فهو لحن يلمس، ويشاهد في ليونة وخفة حركات الجسد<(10)

ولكي نستدل على هذا التعدد الدلالي يكفي أن نقف على بعض الثنائيات التي تضمر أسئلة لانهائية: جسد المرأة/جسد الرجل، الجسد الأبيض/الجسد الأسود، الجسد المديني/الجسد البدوي، الجسد الناعم/الجسد الخشن، الجسد الخفيف/الجسد الثقيل، الجسد العريان/الجسد المكسي، الجسد المتحرك/الجسد الثابت، الجسد الحي/الجسد الميت.

وأعتقد أنه يمكن أن نذهب أبعد من ذلك، لنبحث في لغات الأعضاء، وحقولها الدلالية المتعددة خصوصا إذا عمدنا إلى ربطها بسياقات ثقافية واجتماعية وحضارية متباينة. فاليد مثلا هي عضو يمتلك وظائف طبيعية متنوعة، فهي للأخذ والعطاء، وهي للتملك والمنح، لكن يد الإنسان قد تكون للمس وقد تكون للصفع، قد تكون اليد يد السلطة ويد السلطة تداعب ولكنها تعاقب أيضا. قد تكون اليد للتقبيل وقد تكون للتصفيق، نقول أيضا أيدي خفية، أيدي قذرة، أيدي بريئة، أيدي أجنبية..

بنفس الغني يمكن أن نتحدث مثلا عن لغة العيون، وإيماءات الوجوه بل وأن نتوقف عند لغة السيقان legs language وما إليها(11).

من خلال هذه القناعات والأسئلة المرحلية، ارتأينا أن نعود إلى بعض المؤلفات العربية التي قاربت الجسد، من حيث مواصفاته الجمالية، وقدراته المحركة مركزين بشكل خاص على بعض كتب التراث. ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن الفقرات المعتمدة هي حديث عن الجسد، و ليست حديثا له، أوحديثا به، بالشكل الذي يوفره لنا المسرح أوالصورة أوالتشكيل أوالرقص. وهو حديث إما أنه يأتي على لسان رجل يتحدث عن المرأة، وإما على لسان امرأة تتحدث عن امرأة، وإما على شكل حوار بين رجل وامرأة.

النصوص

يقول صاحب الإمتاع والمؤانسة

وقال:الإنسان مركب من الأعضاء الآلية بمنزلة الرأس واليدين والرجلين وغيرها، ثم كل واحد من هذه الأعضاء مركب من الأعضاء المتشابهة الأنواع بمنزلة اللحم والعظم والعصب والشريان، ثم كل واحد من هذه الأعضاء مركب من الأخلاط الأربعة التي هي الدم والبلغم والمريان، ثم كل واحد من هذه الأخلاط مركب من الأسطقُسّات الأربع التي هي النار والهواء والأرض والماء؛ ثم كل واحد مـن هـذه الأسطقسات مركـب من الهيولي والصورة.(ص.87)

وقال

فنقول ليس يخفى أن جسدنا ليس مدفوعا دفعا ولا مجرورا جرا و(لما) كان كل مدفوع أو مجرور متحرك من خارج متحركا لامحالة من داخل، فالجسد إذن متحرك من داخل اضطرارا. وقال: إن كان جسدنا متحركا من داخل، وكان كل متحرك من داخل إما متحركا حركة طبيعية لا تسكن وإما نفسية تسكن. فليس يخفى أن حركة جسد الإنسان ليست بدائمة لا تسكن، بل ساكنة (لا) تدوم، وكانت حركة كل ما سكنت حركته فلم تدم ليست حركة طبيعية لا تسكن، بل نفسية من قبل نفس تحركه وتحسسه. (ص.200)

و يقول صاحب تحفة العروس

قال ما تقول ياربيعة؟ قال: نعتَ فأحسن وغيرها أحب إلي منها. قال: من هي؟ قال الفتانة العينين، الأسيلة الخدين، الكاعب الثديين، الرادح الوركين، الشاكرة القليل، المساعدة للخليل، الرخيمة الكلام، الجماء العظام، العذبة اللثام، الكريمة الأخوال والأعـمـام. (ص.234)

ويقول أبو منصور أيضا

إذا كان على المرأة مسحة من جمال فهي جميلة ووضيئة، فإذا أشبه بعضه بعضا في الحسن فهي حسانة، فإذا استغنت بجمالها عن الزينة فهي غانية، فإذا كانت لا تبالي أن تلبس ثوبا حسنا ولا تتقلد قلادة حسنة فهي معطال، فإذا كان حسنها فائقا كأنه قد وسم فهي وسيمة، فإذا قسم لها حظ وافر من الحسن فهي قسيمة، فإذا كان النظر إليها يسر الروع فهي رائعة، فإذا غلبت النساء بجمالها فهي باهرة.

وقال في فصل ثان من الكتاب المذكور

الصباحة في الوجه، والوضاءة في البشرة، والجمال في الأنف، والحلاوة في العينين، والملاحة في الفم، والظرف في اللسان، والرشاقة في القد واللباقة في الشمائل وكمال الحسن في الشعر. قال غيره والبراعة في الجيد والرقة في الأطراف. وأكثر هذا التنزيل على التقريب والتحقيق من بعيد والله أعلم. (ص227)

قال أحمد فارس الشدياق

إن الفارياق ذهب ذات يوم إلى بعض القسيسين ليعترف له بما فعل وفكر، وقال من المنكر، فقال له القسيس فيما سأله به: >قد سمعت عنك أنك كـلف بالنظـم وبالألحان وهما من أعظـم أسباب الفساد والغرام. فـهل سول إليك الخناس أن تتغزل في الشعر بامرأة قاعدة النهـد، موردة الخـد، بينة الكحل، مرتجة الكفل، نحيلةا لخصر، مفلجة الثغر، عثلة الساقين، مجدولة الساعدين، سوداء الشعر والحلمتين، نجلاء العينين مخضبة الكفـين، رقيقـة الشفتـين، مزجـجة الحاجبـين، مدورة السرة ذات عكن مفترة، حـلوةالابتسام، مهفهفة القوام. لها رضاب عـذب ونكهة تسكر الصب. (ص. 97)

قال أبو الفرج في تحفة العروس

قال رجل لأعرابية: إني أريد أن أتزوج فصفي لي النساء. فقالت له: عليك بالبضة البيضاء، الرمداء اللعساء، الشماء الجيد، الزنجلة السجلة، المدمجة المتن، الخميصة البطن، ذات الثدي الناهد، والفرع الوارد، والعين النجلاء، والحدقة الكحلاء، والعجيزة الوتيرة، والساق الممكورة، والقدم الصغيرة، فإن أصبتها فأعطها الحكم فإنها غنم من الغنم . (ص.235)

وقيل لأعرابية: أتحسنين صفة النساء؟ قالت نعم. قيل لها: صفي لنا امرأة كاملة. فقالت: إذا سحرت عيناها، وسهلت خداها، ونهد ثدياها، ولطفت كفاها، وأفعم ساعداها، وعظم وركاها، والتفت فخذاها، وجدل ساقاها، فتلك هناء النفس ومناها. (ص.236)

قالت أصلح الله الأمير، أقول حقا وأخبرك صدقا، رأيت وجها كالمرآة الصقيلة يزينه حالك كذنب الحسيلة، فيه حاجبان كأنما خطا بقلم أو سودا بحمام تقوسا على مثل عيني الظبية المعبهرة يبهتان المتوسم إن ينعتهما ويجللان بأشفارهما ما تحتهما، بينها أنف كحد الفسيف الصقيل، لم يزربه قصر، ولم يعبه طول، خفت به وجنتان كالأرجوان في بياض محض كالجمان، شق فيه فم لذيذ المتبسم فيه ثنايا ذات أشر وأسنان، كالدر ينطق فيه لسان ذو فصاحة وبيان، ركب ذلك على عنق بض فوقه صدر غض تنأى في ذلك الصدر ثديان كالرمانتين يحرفان عنها ثيابها وتمنعانها من تقلد سخابها، تحت ذلك بطن كالقباطي المذبحة كساعكنا كالطواميرالمدرجة، أحاطت تلك العكن بسرة لها كمدهن العاج، ينتهي ذلك إلى خصرلطيف تحته كفل ينهضها إذا قامت ويقعدها إذا نهضت، كأنه دغص رمكة، وتحته فخذان لفاوان متصل بهما ساقان أبيضان تحمل ذلك كله قدمان كجداراللسان، فتبارك الله مع صغرهما كيف يطيقان حمل ما فوقهما. (ص. ص. 231-232)

وجاء في اعترافات الشدياق

قلت مابال الناس كلهم يقولون يا قرة العين. قالت نعم إن العين تقر بشيء ريثما يعن لها فتُطرف إليه. قلت وما شأن القلب؟ قالت هو متقلب ومتحيز معها، قلت فما شأن العميان؟ قالت إن لهم في بصائرهم عيون أشد حملقة من العين الباصرة. قلت من أسرع الناس تقلب قلب؟ قالت أكثرهم فكرا، فإن العجماوات أثبت وأصبر من الناس إذ ليس لها فكر. قالت فإذا نشأ عن النفع ضر. قالت نعم كما أنه ينشأ عن الضر نفع. قلت أي نفع في المرض؟ قالت سكون العقل والدم والفكر عن الهوى والشهوات. قلت أي نفع في الفقر؟ قالت الكف عن الشراهة والسرف المهلكين، فإن الذين يموتون من زيادة الأكل والشرب أكثر من الذين يموتون لقلتهما. قلت أي نفع في الزواج بامرأة دميمة؟ قالت: كف رجل جارك عن دارك، وصرف عين أميرك عن مراقبة حالك، على أنها لا تعدم طالبا مثلها ولكن بعض الشر أهون من بعض. (ص.410)

يقول صاحب الإشارات الجسمية

هي كالمرآة ترى ما يقع عليها و يفهم بها الإنسان ما يراه... العين تختزل لنا جماع وجه الانسان (كما يختزل الوجه جماع جسم صاحبه ويميزه عن غيره) وتكشف لنا عن هويته الحقيقية التي إذا أراد إخفاءها غطى عينيه. قالت العرب قديما: رب لحظ أنم من لفظ أو رب عين أنم من لسان. قال عباس بن الأحنف: نم طرفي فليس يكتم شيئا وجدت لساني ذا كتمان

قالت الحكماء: العين باب القلب، فما كان في القلب ظهر في العين... (ص. 168)

يقول ابن حزم في طوق الحمامة

ثم يتلو التعريض بالقول إذا وقع القبول والموافقة: الإشارة بلحظ العين، وأنه ليقوم في هذا المعنى المقام المحمود، ويبلغ المبلغ العجيب، ويقطع به ويتواصل ويوعد ويهدد ويقبض ويبسط ويؤمر وينهي وتضرب به الوعود، وينبه على الرقيب، ويضحك ويحزن ويسأل ويجاب ويمنع ويعطى.

ولكل واحد من هذه المعاني ضرب من هيئة اللحظ لا يوقف علي تحديده إلا بالرؤية، ولا يمكن تصويره ولا وصفه إلا بالأقل منه. وأنا وأصف ما تيسر من هذه المعاني: فالإشارة بمؤخرالعين الواحدة نهي عن الأمر، وتفتيرها إعلام بالقبول، وإدامة نظرها دليل على التوجع والأسف، وكسر نظرها آية الفرح، والإشارة إلى أطباقها دليل علي التهديد، وقلب الحدقة إلى جهة ما ثم صرفها بسرعة تنبيه على مشارإليه، والإشارة الخفية بمؤخرالعينين كلتيهما سؤال، وقلب الحدقة من وسط العين إلى الموقد بسرعة شاهد المنع، وترعيد الحدقتين من وسط العينين نهي عام وسائر ذلك لا يدرك إلا بالمشاهدة.

واعلم أن العين تنوب عن الرسل، ويدرك بها المراد. والحواس الأربع أبواب إلى القلب، ومنافذ نحو النفس، والعين أبلغها وأصحها دلالة وأوعاها عملا. وهي رائد النفس الصادقة، ودليلها الهادي، ومرآتها المجلوة التي بها تقف على الحقائق وتميزالصفات وتفهم المحسوسات. وقد قيل: ليس المخبر كالمعاين، وقد ذكر ذلك أفليمون صاحب الفراسة* وجعلها معتمدة في الحكم . (ص.ص. 125-126)

وجاء في كتاب الإشارات الجسمية

أما المرأة فقد فرضت عليها الطبيعة أن تفوق الرجل في استنطاق الجسم لتوجيه الرسائل والرموزالمختلفة للآخرين، فهي تصفف الشعر وتلون الشفتين والخدين، وما حول العينين بألوان الصباغة والرسم، وهي قد تفلج السن بين الشفتين، وقد تضع نقطة الخال تحتهما، وتزين العنق واليدين والرجلين بالمحالى، وتختار من أنماط الزي واللباس التي تخفي أوتكشف عن أجزاء معينة من الجسم تتفق وعرف المجتمع الذي تنتمي إليه، كما تلجأ أيضا لوشم مثل الرجل وتختار من الأشكال والخطوط ما يناسب أنوثتها، وهي تعمل بذلك لتوجيه أول وأهم رسائلها التي تتمثل في لفت نظر الرجال... وهي مثل الرجل يعطينا جسمها وملابسها رسائل أخرى تخبرنا عن جنسيتها ومكانتها الاجتماعية أومهنتها إذا كانت تزاول عملا ما. (ص.138).


الهوامش:

1) كتابات معاصرة، عدد 15 آب-أيلول، 1992، ص. 85

2) الحياة الثقافية، عدد 66، 1993، تونس، ص. 74

3) نفسه ،ص. 75

4) نفسه، ص. 71

5) نفسه، ص. 65

6) جوليان، هيلتون: نظرية العرض المسرحي، ترجمة نهاد صليحة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط.1، 1994 ص. 93

7) Guiraud, Pierre, Le langage du corps, que-sais-je, 1980

8) كتابات معاصرة، ع 14، آيار-حزيران، 1992، ص. 77

9) كتابات معاصرة، ع. 19، آب -أيلول، 1993، ص. 41

10) كتابات معاصرة، ع. 14، ص. 76

11) في سياق الإشارات الجسمية، وفي كتاب Silent laguage تتحدث Critchley عما تسميه بـ >لغة السيقان<، وهي لغة خاصة بالنساء وتظهر في طريقة جلستهن ووقفتهن ومشيتهن، حيث ترسل الهيئة التي تكون عليها سيقان المرأة رسائل مختلفة تدل على الإغراء، أوالتملق، أوالهدوء، أو الاضطراب... انظر: كريم زكي حسام الدين، الإشارات، ص. 138

مصادر النصوص 1)التوحيدي، أبو حيان - الإمتاع والمؤانسة، صححه وضبطه وشرح غريبه أحمد أمين وأحمد الزين، منشورات المكتبة المصرية، بيروت- صيدا، 1953

2) التيجاني، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أبي القاسم - تحفة العروس ونزهة النفوس، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة، ط. 1987

3) الشدياق، أحمد فارس - اعترافات الشدياق في كتاب الساق على الساق، ط. محررة من الاستطرادات اللغوية، إعداد الدكتور عماد الصلح، دار الرائد العربي، بيروت ط. 5، 1982

4) ابن حزم الأندلسي - طوق الحمامة في الألفة والإلاف، قدم له وحققه: إحسان عباس، دار المعارف للطباعة والنشر، سوسة، تونس، ط. 1992

5) حسام الدين، كريم زكي- الإشارات الجسمية، دراسة لغوية لظاهرة استعمال الجسم في التواصل، المكتبة الأنجلو-مصرية ط. 1، 1991

* افليمون Philemon صاحب الفراسة، انظر في امتحان قدرته على الفراسة: ابن أبي أصيبعة 1- 27، وذكره صاحب صوان الحكمة، وأورد له قوله في العشق: > هو مرض يحدث في الروح جالبه النظر ومسكنه القلب ومهيجه الفكر.

 

إعداد وتقديم: محمود ميري / مكناس - 2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri