حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

"شعر فرَسي" لدي لاپينيا بالعربية

لـلــحــصـــان 'الصـــديــق' قــصـــائــد الـــودّ

في نَفَس ملحمي غنائي له رائحة الأسطورة، يكتب الشاعر الأسباني يدرو دي لاينيا عن علاقة صداقة استثنائية، حميمة واصيلة، لطالما سمعنا إنها تربط إنسانا بحصانه او فرسه. ولا يخفي سبب اختياره مجموعته هذه تحديداً "شعر فَرَسي"() لترجمتها إلي العربية، إذ يدرك أهمية "الفروسية" مصطلحاً ذا حضور متعدد في قاموس العرب، وخاصة ان عدنا بالتاريخ الى زمن كادت الفروسية تشكل فيه مجموعة قيم تشبَّث بها العربي مديداً كالنبل والشهامة والكرم والوفاء، وكلها منظومات وقيم اجتماعية التصقت بالإنسان العربي عامة ويمكن أدراجها جميعاً تحت عنوان الفروسية. ومَنْ يدخل تفاصيل العلاقة الممكنة بين الفارس وفرسه يدرك الأبعاد الثرية التي اكتسبتها عبارة "فروسية" الى حدٍّ أضحت رمزاًً أخلاقيا رفيعاً ومتعدداً في حياة المرء وقاموسه وسلوكه. لطالما سمعنا ان الحصان يذرف الدمع حزناً على فارسه لو سقط عن صهوته أصابه مكروه، بل اكثر من ذلك، يرفض أن يتركه. ولعل قدرة الحصان هذه على الحزن وذرف الدمع هي ما خوّله الارتقاء في شكل ما الى الشعور الإنساني وامكان عقد صداقة غاية في العمق مع صديقه الإنسان. والمفارقة ان صداقة الحصان تبدو للبعض أكثر صدقاً ومتانة أحيانا من صداقة الإنسان نفسه.

"شعر فرسيّ" تقصُّ شعراً تلك الحكاية الآسرة النابضة بعاطفة متبادلة بين فارس وحصانه. انها الحكاية بينهما منذ القدم الى اليوم، الأسطورية والواقعية. الحصان ذو تاريخ عريق في "نضاله" الى جانب الانسان. وتستمد عبارة "نضاله" مشروعيتها من كون الحصان شريكاً أساسيا للإنسان في انتصاراته وهزائمه. لبث الحصان طويلاً معادلة ضرورية لا غنى عنها لإمكان خوض الحرب، لإمكان الانتصار فيها على الخصم ودحره، ولإمكان شن هجوم بداعي الغزو. من هنا الارتباط الوثيق تاريخياً بين أصالة الجياد وحكايات النصر إبان الحروب الأولى التي تكتظ بها حياة الشعوب: "الرماح والأجساد تتصادم مع الحياة والموت/ (...) تنهزم الخيول مع الانسان ومعه تنتصر/ الى حدّ أن الحصان وفارسه يتقاسمان الموت/ (...) ليس صحيحاً ان الأبطال لا يهابون الموت/ فالعزلة مرعبة عند مواجهتها/ لذا يرغبون في أن يرافقهم افضل الأصدقاء". يدرك الشاعر عميقاً دور الحصان في الذاكرة البشرية الجماعية، فيجسّد أهمية هذا الدور ايما تجسيد اذ يوحي بشراكة فعلية بين الانسان وجواده حيال اي مصير حتى لو كان الموت، أي حتى "ان الحصان وفارسه يتقاسمان الموت". وليس هذا المقتطف وحده إشارة الى الأفضلية التي يوليها الشاعر للصداقة مع الحصان، بل الى اولويتها على الصداقة مع البشر. يرى اليه "افضل الأصدقاء"، ويغرف رؤيته من تجربة خاصة له فارساً. ثمة علاقة مضطرمة وحميمة عاشها شخصياً مع الخيل. زاول الفروسية ردحاً مديداً بينما لم تبق سِنَّه تتيح له اليوم مواعيد اخرى مع هذا الشغف. كَمْ لمحتُ في عينيه خلال محاورتي اياه اخيراً في "النهار" ظلال حنين جليّ الى التمرين الجميل على صهوة "افضل الاصدقاء". يقول: "انه القلب النبيل الذي يقع عندما أقع أنا،/ ويقفز عندما أقفز ويتمتع بفرحي/ ويتعذّب لحزني وينقذ المسافة/ الكامنة في كل هذه العزلات". ثمة اصرار على ان الصداقة مع الخيل ليست مجرد وهم، بل هي تواصل عملي حقيقي بينها وبين الانسان. وفي هذا التواصل تتجلى قدرة الحصان الفطرية على التعزية المجانية والسخية لصديقه الانسان في اوقات عزلته وحزنه ومحنته التي في تعبير دي لاينيا "يتخطاها ويرفع المعنويات الهابطة". ولعل هذا التواصل الساحر يماثل التماهي احياناً، حين يخاطب الشاعر حصانه: "(...) وتهجر وجهي الضائع في حدقتك القلقة". مزاوجة جاذبة جداً بين وجه انسان وحدقة حيوان، ساهم في تظهيرها في مهارة نسيج الصورة الشعرية التي وُفِّقت هنا بالاحتفاء الجميل بالمغزى. وهذا نموذج من نماذج كثيرة عن بهاء الصورة الشعرية في المجموعة. وتجدر الإشارة الى أمانة الزميلة صباح زوين في ترجمتها قصائد المجموعة وحرصها الجلي على نقلها الى القالب العربي في الحلّة الأجمل والأسلم والادق.

غزل يدرو دي لاينيا بمحبوبه الحصان لا يقتصر على "مزاياه المعنوية" بل نراه على غرار تغزُّله بحبيبته تقريباً يتحدث عن جمال خارجي لحصانه: "حضور حقيقي وملكي، كسفينة راسية بابهة/ ليس من عمود اجمل من عنقك/ بلسانك المشقق كسلمون زهري/ او كحجر رخام الكارارا (...)". وذروة الحب والتقدير والامتنان من دي لاينيا للحيوان في قوله: "صديق بكل هذه الأصالة/ دائماً أنت هنا،/ أكثر قداسة وصبراً من الطيّب أيوب/ كم مرة التمست رفقة ما". ثمة ما يداني هنا التمجيد بل ما يضاهيه لهذا الحيوان الذي يتآنسن في رؤية الشاعر الى حد تخطيه قداسة ايوب. لعلها مبالغة للبعض، لكنها تعكس بالتأكيد تعلُّق كثيرين بالرفقة الودودة والطيبة مع رفيق غير بشري هو الحصان. والمنزلة التي يحفظها أمثال دي لاينيا للحصان تشبه ما يكنّه آخرون لحيوان آخر هو الكلب الذي يتصف بوفائه وأمانته الفائقتين. ويتذكّر كثر ان الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران أوصى قبل وفاته بأن يمشي كلبه في جنازته، وكان له ما أراد.

ختاماً، يطيب لي، قارئة مجموعة "شعر فرسي"، استذكار عبارة لطالما رددها على مسمعي احد أصدقائي "الأصدقاء": "أنا إن أنسحب من أي علاقة مع أي كان، فإنني انسحب منها، - ومهما كان السبب بكل فروسية"، وكان يقصد بلا اي حقد بل في نبل وحب، رغم كل شيء. واذا كانت قصائد يدرو دي لاينيا أضاءت في سخاء على جمالية العلاقة الممكنة بين المرء وحصانه، نفترض في المقابل ان تحرِّض إيجابيا طبعاً - على ارتداد إلى علاقة سوية بين البشر انفسهم، علاقة لا بد من ان ترتقي إلى جوهر ما توصف به، اي "علاقة إنسانية" لو حاول طرفاها استلهام مزايا الفروسية الحقيقية وتطبيقها فعلاً.

 

حنان عاد - 2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri