حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

بتي توتل صفير تمسرح قصائد جاك پريير

قراءة بصرية مشتّتة لكلمات الشاعر وحكاياته

ثمة علاقة قوية، بحسب ما تقول بتي توتل صفير في برنامج وزعته قبل بدء عرض من إعدادها واخراجها، بين إعجابها العلني بشعر الفرنسي جاك پريير المعقود تلقائياً على عيش كل يوم بمناظره الإنسانية العادية جداً، ورغبتها القوية في بناء عمل يستمد مروياته اليومية شبه البسيطة من الكتابين الرئيسيين للشاعر، أي "كلمات" و"حكايات"، فيتمحور دورانه على قصص يمكن أن يختصرها عنوان كبير: حكاية حب، وهي تتوسل لمشروعها مقتطفات من قصائد أعيد ترتيبها ضمن إيقاع سردي ذي بداية ونهاية بينهما كمّ ثري من التفاصيل المستعارة من پريير والتي أضافتها مصمّمة العرض كذلك، مع الإشارة هنا الى احتواء تلك الإضافات على الجانبين الأدبي الپرييري والمشهدي لتوتل صفير، زائد الحوارات الضرورية للربط بين كلمات پريير.

والعرض لأكثر من ساعة وعشر دقائق، وتحت عنوان يجمع في واحد اسمي كتابي پريير، أي "كلمات" Paroles و"حكايات" Histoires، وفي روح تمتزج فيها البراءة الشعبية والفكاهة الباريسية مع نبرة ملونة بالخفر والغمّ وما يقارب الحزن هنا وهناك، وليس غريباً في بعض المشاهد أن ترن في آذان الحضور مثل نغم أكورديون على صوت جولييت غريكو أو رندحات أي مونتان، والروابط جلية بين السمعي والبصري في عمل المخرجة بتي توتل صفير، وسهل للمتلقي أخذ العلم بأهمية التفاصيل البصرية في عرض للصورة المعروضة على الجدار في عمق المنصة ودورها الرئيسي في إبراز هواجس مصممة العرض وكيف تهب الصورتين، المتحركة (يديو وحروفية) والثابتة (فوتوغرافية) وظيفة درامية في بنية عرض يحكي قصص حب كأنه يحكي واحدة، والناس يذوبون في مثل كائن بشري في العيش.

ويكفي أحياناً بيت شعري يلقيه ممثل او ممثلة لتحدث المعجزة فيتم الفعل الدرامي كأنه كامل شكلاً ومعنى، كأني بمنجزة العرض تراهن على أن ما في ذاكرتها من قصائد حرّة لپريير هو ايضاً في ذاكرة متلقين يعرفون كتابي جاك پريير اللذين عرفا نجاحاً منقطع النظير لدى الناطقين بالفرنسية في منتصف القرن العشرين، مما يحملها عفوياً او ارادياً الى التعامل الانتقائي مع أقوال شاعر يهب أقل الكلمات بلاغة واقل الحكايات ابتكاراً المدى المشهدي التعبيري القادر رغم بساطته وبسبب زخمه الشعبي الارتقاء الى مرتبة أنقى المرويات لالتصاقها كلياً بإنسان كل يوم واصغر المجريات، ولا تدعي المخرجة بناء عرض غير عفوي ذي حوار وصور مستعارة من عيش الناس العاديين، خاصة أن پريير يتصرف كأنه يلملم نوادره المروية من دنيا الأرصفة وزوايا الحدائق العامة والأماكن الضائعة في مدن من بين الحربين العالميتين زمن كتب پريير، أي بين 1930 و1936.

وبنت المخرجة عرضها على ممثل يختزل كل الناس وينتمي فقط الى دوره كرجل او أنثى، ويتمثل ذلك في العرض على نحو عادي جداً، فالرجلان رجل واحد، والمؤديات الثلاث مؤدية واحدة، والكل يتناوب على أداء الانسان الپرييري وإن في قدرات متفاوتة وحضور يشهد فوارق علنية. والممثلان هاغوب درغوغاسيان وشادي الزين أقوى حضوراً وأكمل أداء من المؤديات الثلاث اللواتي يتصرفن بين حين وآخر كأنما يعوزهن امتلاك أجسادهن، والممثلات مروى خليل والين لحود وياسمينا طوبيا غير معنيات مهنياً بصقل أدواتهن المهنية، ولأكثر من مرة أطلت هذه او تلك كأنها تتسلى بما تؤدي، حتى بات عرض "كلمات و/أو حكايات" قريباً جداً من عمل هواة في إجازة والجمهور نموذج للجمهور العائلي، رغم الجهد القوي في بناء سينوغرافيا من طينة لغة پريير وطبيعة مروياته كأنها مجانية وقائمة في ذاتها.

هي كوريغرافيا الحركة لمؤديات على صدام مع أجسادهن أضعفت العرض (تصميم شادي الزين) مع نقص في الإضاءة في معظم المشاهد خارج الجو الپرييري.

والعرض رغم ذلك للمتابعة وله ملذاته الصغيرة جداً والمشتتة كثيراً، حتى أنه يبدو على مسافة كبيرة من جاك پريير. فالشاعر في الذاكرة، والعرض يمّحي لحظة خروج المتلقي من مسرح مونو.

 

نزيه خاطر - النهار - 2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri