حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

بدر شاكر السياب

الذي لم تُنسنا إياه كثيراً سنوات غيابه الأربعون

لا احسب انه ما زال ممكناً اليوم قراءة الشعر مثلما قرئ شعر بدر شاكر السياب في حينه. كان من احبوا قصائده يقرأونها كلها، في كتبه كلها التي كان ينبغي أن يُبحث عنها في سوق المكتبات المتلاصقة أبوابها، واحداً بعد واحد، على طول مبنى الغراند تياتر كله. العثور على كتاب جديد له، من كتبه السبعة (؟) كان أقرب الى اللقيا التي تتيح لمن حصل عليها ان يفتح الستارة العريضة، مرة اخرى، عن عالم بدر شاكر السياب. العالم الذي كان سبق لقارئيه أن جمعوا أجزاءه من عناصر هي الأرض والتراب والمطر والرعد والنخيل والطين والنهر وقرية النهر، كما من أسماء هذه العناصر التي بينها غيلان وإقبال وبويب وجيكور الخ.. ومنذ قراءة الكتاب الأول الذي أمكن الحصول عليه (وليس الكتاب الأول، بالضرورة، الذي صدر للسياب) كان قد تحقق ذلك التمثيل الذي يقوم به كل عنصر من هذه العناصر لذلك العالم كله. كان يكفي ان نقرأ قصيدة "شناشيل ابنة الجلبي" حتى نرى كيف ان الطفولة ذاتها (التي يحكي فيها السياب عن انتباهه الأول للحب وهو في عمر الثامنة أو التاسعة) هي زمن عراق السياب الذي تلا. كان ذلك عالماً لا تصطدم أجزاؤه بأجزائه ولا تتصارع أزمنته. فبويب، النهر، ظل جارياً جريانه الأول، وكذلك جيكور القرية التي، بعد انقضاء سنوات كثيرة على موت السياب، جاء صديق من هناك ليقول ان جيكور هي مثلما كان السياب قد جعله يتخيلها.

انه زمن واحد مقيم على ارض واحدة. لا بد ان حوادث كثيرة قد حصلت هناك، لكن هذه لم تغير نبرة الشاعر في وصف عالمه ذاك. ولم تكن تلك الحوادث متراتبة في شعره كما هي في حقيقتها الخارجية. فعنده، مثلاً، يتساوى حدث مثل انقلاب حزب البعث في 1963 بحدث هو "رجّة المجذاف" لصفحة النهر في الليل لتنبض فيه، جراء ذلك، نجوم السماء في الأعلى. أقصد أن الشعر، في الكتب السبعة جميعها، كان يشكل لوحة متسعة جرى رسم تفاصيلها بأحجام تساوي بين ما لا يطول حدوثه عن وقت الالتفاتة، وبين ما سيحتل، لاحقاً، عنواناً واسعاً في تاريخ العراق.

لا احسب أنها ما زالت ممكنة قراءة الشعر اليوم على نحو ما قرئ شعر السياب. كان يقرّبنا اليه، اقصد الى جسمه المريض في المستشفى، والى ستارة غرفته هناك، والى الليل الذي في الخارج. كما كان يقربنا الى ذلك الصوت الذي سمعه وهو راقد في سرير مستشفاه في لندن، مُدخلاً الخارج الى حيث هو، في الغرفة المقفلة: "ويزعق من بعيد بوق سيارة"، هكذا في إدخال الأصوات ومشاهد تنبو عن عالمه، الشعري النازع الى ما هو محلي، في القصائد عن طفولته، وما هو "أسطوري" كما في قصيدة أنشودة المطر أو المسيح بعد الصلب، أو ما هو غيبي محلي كما في "خلا البيت".

إنه يقربنا اليه، افراداً من العائلة أو من اقربائها الحميمين حين يخاطب زوجته في قصائده الكثيرة التي يرثي بها نفسه ويبكي غيابه: "إقبال يا بعثي من العدم، ويا موتي ولا موت"، أو حين يخاطب ابنه: "غيلان لم اهجرك عن قصد"، متخلياً، في تلك المرحلة الأخيرة من حياته وكتابته معاً، عن البحث عما يجعل الكلام شعراً. كأنه يخاطب مخاطبة ابنه غيلان الذي رحنا، على مدى سنوات طويلة من قراءتنا شعره، نبحث عنه أو نتساءل أين هو. أو نتساءل أين هي إقبال؟ بل وقد حدث ذات يوم ان كان صديق لنا يحدق في الجالسين معه في الحافلة التي كانت تقلهم من البلد الى الشياح. بين هؤلاء كان السياب جالساً، قال، السياب نفسه، بهيئته التي لا تخطئها العين أبداً. صديقنا هذا، في سنة 1970 ربما، في وقت كانت قد انقضت سنوات ست على وفاة السياب، راح يؤلف حكاية من عنده جعل نفسه فيها يتقدم الى الرجل الجالس ليتأكد ان ما رآه وهم وليس حقيقة. كان الرجل هذا شقيق السياب، قال لنا الصديق القارئ الذي كان في ذلك الوقت، قد بدأ يكتب قصائده الأولى.
ولعلنا أحببنا من قصائد السياب، في السنوات والعقود التي تتالت من بعد، تلك التي لم يجرِ ذكرها لربطها بمعنى رمزي أو افتراضي أو وطني للعراق. قصيدة انشودة المطر لطالما اغرقت بتأويلات نزعت نحو جعلها قصيدة السياب الأولى، أو قصيدته الوحيدة التي يكتفى من شعره بها. في هذه القصيدة احببنا ما لم يجر ترميزه، أو "تسييسه" بحسب تعبير ما زال شائعاً. كان أجمل ما فيها ذلك الترداد المترجع لكلمة مطر، ثم ذلك الوصف لرجّة المجذاف الذي يربط بين السماء والماء ويجعل النجوم تنبض على صفحة النهر وفي العينين معاً.

اما قصائده الأخرى فأكثر ما أحببنا منها تلك التي بدا لنا فيها كأنه يعود الى نفسه، الى مرضه والى أهله وطفولته، منسحباً هكذا من الوقوف إزاء حوادث زمانه (السياسية خصوصاً) وتقلبات ذلك الزمن. حين كتب أحد النقاد من ان انتسابه الى الحزب الشيوعي كان انتساباً هشاً يشكو من قلة الالتزام الحقيقي، رحنا نقول، في حينه، نحن محبي الشعر، انه مثلنا، أو اننا مثله. لم نر في قلة التزامه نقيصة، على نحو ما كان قد رأى حزبيون آخرون، أو من كانوا أكثر حزبية منا.

كنا نحب من شعره ذلك الأقرب الى حياته، الى نفسه طفلاً ورجلاً ومريضاً، حتى وإن بدا شعره ذاك، وخصوصاً في مجموعته "منزل الأفنان" التي تتالت كتابة قصائدها بمعدل قصيدة كل يومين أو ثلاثة، كأنه انفلت من عقاله. أقصد ان هذا الشعر قد اختلط فيه البحث عن المعنى الشعري بكلام المخاطبة العادي. كان في تلك المرحلة قد كتب كثيراً، قال ناقدوه، كما قالوا ايضاً بأن كثيراً من قصائد المرحلة تلك كان ينبغي ألا تنشر في كتاب. كانت قصائد مختلفة عن تلك التي احتوتها مجموعة "المعبد الغريق". القصيدة التي تحمل اسم المجموعة كانت مؤلفة تأليفاً لتثبت أن كاتبها قادر أن يبني قصيدة مثلما يقام هيكل، بأحجار صلبة متعالية. هنا، في قصيدة "المعبد الغريق" هذه، كنا نحب مهارة السياب وقدرته. أما في شعره الآخر، الشعر المنفلت من عناية التأليف، فكنا نحب ذلك العالم المسماة عناصره أعلاه.

وكان ذلك حباً لا يتصل بشيء مما ذهبنا اليه بعد ذلك بسنوات قليلة. حباً خالصاً لعالم السياب، ومشعاً باقياً فينا. الصور التي توهمناها لجيكور (قريته) أو التي تخيلناها، التي جعلنا السياب نتخيلها، لم تزل باقية في رؤوسنا، بيوتاً ونخيلاً وأزقة وأطفالاً في الأزقة يغسلهم المطر أو يخوضون في طينه. انها جيكور التي هي القليل من العراق وليست العراق كله. بل اننا إذ حاولنا في مرات عدة أن نقرّب العراق منها بدونا كما لو اننا نقوم بمشابهة لا يتساوى طرفاها، لا لناحية كبر هذا الطرف وصغر ذاك فقط، ولا ربما لناحية تعقُّد هذا وفطرة ذاك، بل لأن السياب، في قرارته، لم يشأ تماماً أن يجعل من جيكور العراق كله.

الآن، فيما نحن نسعى الى أن نجمع ما نعرفه عن العراق لنقابله بأحوال العراق الآن، لا نجد أن عالم السياب الضيق، أو الذي أحببناه ضيقاً، يكفي لأن يكون طرفاً كاملاً في هذه المقابلة، أو المقارنة. صحيح اننا نستطيع ان نقول إن حلول شعره في زمن العراق الراهن يمكن له أن يكون كاملاً إن قدمنا الى الأمام بعض قصائده مثل "أنشودة المطر" أو "الأسلحة والأطفال" أو سواهما، لكن، إن فعلنا ذلك، سنظل نرى ان السياب أكثره في الخلف، أي في ما لم نقدمه الى الأمام.

لكن لا ينبغي أبداً الاستهانة بالأمكنة القليلة. في أحيان تكون لها قدرة على إطلاق التخيّل غير قابلة للانتهاء. انها أمكنة قليلة تلك التي جرت فيها مأساة "أهل البيت". لا أكثر من مساحة محاصرة في صحراء ومن طريق بين مدينتين تخيلها أهل الأزمنة التي تعاقبت منذ ذلك الحين في طول طريق تفصل بين بيتين. بدر شاكر السياب "خلق" مكاناً مشابهاً، في ما يتعلق بوجود المكان في الخيال. لكن ذلك لم يكن مشهداً فقط، أو منظراً للرؤية أو لتخيّل الرؤية، بل كان عالماً لم تضعف اللغة قوته حين نقلته اليها، بل هي شابهته الى حد انها تبدو كما لو انها من عناصره أو من كائناته.

 

حسن داود


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri