"الصورة
الباقية والعالم الزائل" لبلال خبيز
نظرة
نقدية إلى أبعاد المشهد وأثره
يكاد
قارىء الزميل بلال خبيز في كتابه "الصورة الباقية والعالم
الزائل"() يسمع أنيناً متصاعداً من نصوص غير طويلة، قاسمها
المشترك ظاهراً هو المرئيّ صورة فوتوغرافية أو لوحة تشكيلية
أو تلفزيوناً، لكنّ باطنها تلك القراءة الهادئة المتأمّلة
التي يحاول تقديمها حيال صُوَر عصرنا الراهن ومشاهده. ويستشفّ
من العنوان مرارته، فالصورة في جميع أشكالها تنتصر لذاتها
في مقابل إنهزام الرسالة التي ينبغي إيصالها من خلال الصورة
أو تهميشها. وهذا ما يوافق تماماً مقتطفاً جعله على الدفة
الثانية من الكتاب: "أحسب أن ما يثير العالم حقاً هو صور الحياة
وليس صور الموت في طبيعة الحال. الصورة تريد أن تنبئنا وهي
تلتقط الدم الجاري الذي لم ينشف بعد، أن الحياة غادرت الجسم
للتو، لكي نستطيع استشعار حرارتها في أجسامنا. والصورة أيضاً
تريد القول إن الطفل الذي مزّقت جثته شظايا القنابل كان يستطيع
لولا هذه المصادفة اللعينة أن يعيش حياة طويلة تزيد احتمالات
طولها عن حيوات معظم المحتجّين على الموت. ينبغي للصورة أن
توحي حياة الميت لا موته، أن تنبّهنا إلى التأخر الطفيف والقليل
الذي حال دون استمرار الحياة". كأن ثمة اهتماماً بالرمز شكلاً
في مقابل تفريط مريع بأهمية المضمون وأولويته المطلقة. بل
يكاد يطغى أحياناً الاهتمام بالصورة حتى وإنْ كانت لحظة التقاطها
تفترض المبادرة إلى انقاذ حياة إنسان. والكل يذكر في حزن الصورة
التي التقطت حديثاً لجندي عراقي جريح وقد صوّب جندي أميركي
بندقيته نحوه. وكم يلام ملتقط الصورة الذي كان يُفترض به أن
يُقدم حياة إنسان على سبقه الصحافي الثمين. والأكيد أن هذه
الحادثة كانت لتكون حتماً محطّ قراءة واهتمام هي أيضاً من
خبيز في كتابه.
حزنٌ
وخيبة يسمان نصوص بلال خبيز لكنهما ليسا الحزن والخيبة العبثيين
أو الاستعراضيين أو الهامشيين بل هما شديدا التلازم مع رؤية
نقدية تستمد عوامل الإقناع من نزوعها الجلي إلى التجرد والتحليل
البعيد عن الانفعالية أو التوتر أو حتى المواقف المسبقة من
قضية أو موضوع يطرقهما. بتلك النبرة الحزينة والنقدية في آن
واحد يتناول المؤلف "العلاقة الشائكة بين الصورة والقص" لكنه
يوضح أن ليس ثمة ما يجعلنا نصدّق أن كتاباً أو كتباً تستطيع
أن تلغي أثر الصورة فينا، بل جلّ ما يحاول الكتاب معالجته
هو الاستعانة على الصور بالرواية والقصّ، وهذه الاستعانة يراها
ملحّة وضرورية في انتظار أن ننجح في صناعة صور تعيد الى الحياة
البسيطة والعميقة في وقت واحد.
لم
يدع بلال خبيز أمراً ذا علاقة بالصورة إلا عالجه، بدءاً من
الصور الافتراضية في النص السردي، مروراً بصور الإعلانات واللوحات
الفنية، بلوغاً إلى المشهد التلفزيوني الحافل بعالم الصورة،
بل المستمد بطشه من زخم الصورة، أي الصورة ذات الأبعاد المتشعبة:
الاجتماعية، الفنية، السياسية والعسكرية... وغالباً ما يطعّم
أفكاره وتحليلاته بمراجع ورموز أدبية أو إعلامية ملائمة لموضوع
النص. وليس مستغرباً أن يولي مساحة رحبة فرضت نفسها للوقائع
السياسية ذات الطابع العسكري في بؤر التوتر والقتال وراهناً،
خاصة فلسطين والعراق وأفغانستان. لكن الواضح أن الهمّ الجوهري
المخيّم والمسيطر في معالجته المشهد الحربي إنما يلبث دوماً
الهمّ الإنساني. يقول: "(...) فإن الموت الذي أعقب الحرب في
العراق هو الموت الأبلغ والأشد أثراً، حيث نُظّمت المآتم الجماعية
للأطفال الذين قضوا بسبب نقص الأدوية والأغذية. صورة هذا الموت
بالتحديد استطاعت أن تترك الأثر الكافي ليهتز فينا شيء ما،
فندرك أن ثمّة عاراً جليلاً ومجللاً يلفّ كلّ الصامتين (...)"
ثم يستطرد فيستخدم مجازاً مؤلماً وجارحاً ومأسوياً هو "الأعراس
المتلفزة" للدلالة على مبالغة معظم الإعلام المرئي في استغلال
مآسي الحروب مهما تكن فظيعة ومبكية وحارقة، ليس إلا لإثبات
وجوده ورفع نسبة مشاهديه، هذا لو تم التغاضي عن عامل أساسي
هو الربحية الإعلانية: "(...) إذ من دون هذا العار ما كان
بالإمكان أن يحتفل أحدٌ به وينظم له أعراساً متلفزة، ليثبت
أن ثمة أطفالاً في العراق يعانون الموت والجوع والمرض وينبغي
علينا أن نصغي قليلاً لأنينهم المدوّي". ثمة فكاهة سوداء قاسية
تفوح هنا. قد يُفهَم من استخدامه فعل "يُثبت" مسبوقاً بلام
النصب أن المطلوب ليس الاكتفاء بإثبات موت أطفال العراق، بل
ربما المبادرة على الأقل إلى الحضّ على وقف موتهم، ذلك أن
الرسالة الإعلامية هي قبل أي شيء إنسانية وملتزمة نقل الحقيقة
من ضمن البعد الإنساني الذي تنطوي عليه. كما أن استعمال عبارة
"قليلاً" (ينبغي لنا أن نصغي قليلا...) لا يبدو اعتباطياً،
بل قد يكون توسلها للسخرية من اللامبالاة والصمت المطبق اللذين
يواجه بهما إنسان اليوم فظائع الحروب ووحشيتها. يومىء المؤلف
هنا إلى اكتفاء الشعوب بالتلقّي، وإلى انعدام حسّ التحرّك
والرفض ولو سلمياً وشفاهة لما يجري في أنحاء الكرة الأرضية
من مجازر ودمار.
ويبرز
خبيز ازدواجية الصورة لناحية الأبعاد التي تتناقض معظم الأحيان،
كصورة العارضة - المغنية التي تجهد لتقديم صورة المرأة الفرحة
والمغوية والجميلة في حين أن واقعها لا يخلو من شجون وأوجاع
دفينة. وثمة أيضاً ازدواجية الصورة الإعلانية، إذ يعتبر أن
"لا مكان للغيرة من (عارضة الأزياء إيا) هرتزيغوفا، فتلك المرأة
رغم أنها تملك اسماً ولها عينان لامعتان ومتحدّيتان، إلا أنها
في العرف العام ليست أكثر من كناية عن المرأة في جنسها، لا
أكثر ولا أقل. فهي في نهاية المطاف نجمة والنجوم يعبّدون الطريق
أمام التابعين والمريدين ولا ينافسونهم في أي مجال من المجالات".
ويتناول
خبيز "سذاجة نجوم التلفزيون" و"تأثير التلفزيون غريزياً" و"وجه
الشبه بين كليات الفنانين والأفلام الجنسية" و"كُرْه التلفزيون
إلا نادراً - نجماً واسع الثقافة وبالغ الذكاء"، فضلاً عن
عدد من الموضوعات المتفرقة. ويفرغ المتلقّي من القراءة مدركاً
نجاح غالبية النصوص في اجتذاب الإصغاء إلى وجهات نظر بلال
خبيز في مسائل راهنة بالغة الأهمية، إذْ أفلحت عدسته السردية
والتحليلية في التقاط الصورة في محاذاة المخبّأ وراءها، ملوحاً
أحياناً كثيرة بوفرة احتمالات الحياة في خضم بربرية القتل
والموت.
حنان
عاد - النهار - 24.12.2004