
فولكلور
السيف في المقارنة أصولية
(السيف
الفاصل بين الحبيبين)
من
مبدأ الشريف الرضي إلى عبث الفارس تريستان
بمقدار ما
يشتهر عن الفارس حامل السيف من استفراغ قلبه كلية للحرب
وامتلائه بالقسوة بحكم ملازمته المتواصلة لهذا الجارح القاتل،
فان الفرسان الاماثل عكسوا هذه النظرة وذلك عن طريق جعلهم
سيفوفهم وسيلة لرقة القلب وامتلائه بالحب، هذا النوع من
الحب الذي يقتدح اثناء المنازلة واستعار الحرب وكان رائده
الاول الفارس العاشق عنترة بن شداد العبسي. فقد ذكر عن نفسه
ان حبه كان يستفيض اثناء احتدام المعركة ويستثار بفعل وهج
السيوف والتماعها فكانت تشخص في هذه الاثناء صورة المحبوبة
امامه شامخة باسمة تلتمع ثناياها فتضيء عتمة الرهج المثار،
فحينها يصبح كل سيف مموها بصورتها بل تكون كل سيوف الاعداء
هي اياها، فينسى كل شأن من شؤون القتل ويغيب حافز العداوات
فيشتهي تقبلها برغم انها تنوشه من كل جانب سابحة بدمه يقول:
ولقد ذكرتك
والرماح نواهل
مني وببض
الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل
السيوف لانها
لمعت كبارق
ثغرك المتبســــــم
الحب
تحت رقابة السيف
الا ان في
بعض الحالات تقود الشهوة المحب إلى الهبوط بالحب وذلك عندما
ينهزم امام إغراء الجسد، ويصبح الجسد غايته، فحينها يكون
حضور السيف واجباً وضرورة لانقاذ الحب من السقوط. وقد كان
العشاق الاصوليون يحملون السيف لعلاج هذه الحالة، فنذكر
منهم جميلاً عاشق بثينة فأنه عندما خلا بها ذات يوم قال
لها: أرأيت من ودي أياك وشغفي بك، أما تجزينه؟
قالت: بماذا؟
قال: بما يكون بين المحبين. فأجابته مغضبة: يا جميل.. أهذا
تبغي؟ والله لقد كنت بعيداً عنه ولئن عاودت تعريضاً بريبة
لا رأيت وجهي ابدأ. فأجابها: والله ما قلت هذا الا لاعلم
ما عندك فيه، ولو رأيت منك مساعدة لضربتك بسيفي هذا. فاطمأنت
اليه واطمأن اليه اهلها فكانا يقضيان الليل معاً ويتفرقان
عند الصباح دون ان يقربا ريبة او يستخفا إلى منكر. يقول:
فكان التفرق
عن الصباح عن مثل رائحة العنبر
خليلان لم
يقربا ريبة ولم يستخفا إلى منكر
سيف العفة
وفي الحكايات
التي كانت ترويها لنا امهاتنا في صغرنا وهي من حكايات (التلقين
الاخلاقي) تسمع عن حبيبين مطاردين هاربين تجبرهما الظروف
لان يناما سوية على فراش واحد فيقوم الفتى بوضع سيفه المصلت
بينه وبين حبيبته ليقطع الخارج منهما من حدود البتولية عند
حدوث اغراءات التماس ثم يعثر عليهما وهما في هذه الحالة
فلا يعنّفان او يقتلان لاعتبار ذلك دليلاً على عفافهما.
والظاهر
ان هذه الحكايات لها تاريخ قديم فنجدها داخلة في معرفة الشريف
الرضي (970-1015م) المشهور بعفة غزله، فمتح من مجرباتها
مشهداً لنفسه قد يكون مصطنعاً لنشهد ان الحالة الارتقائية
بالحب، فذكر انه عندما تكون الحسناء ضجيعته، يعمد إلى سيفه
فيضعه بينه وبينها بحيث يكون اقرب اليه منها حتى اذا غفا
جفنه بقيت عين السيف ساهرة وهي في (جفنها) (غمدها) كرقيب
على الضجيعين ان هما تجاوزا الحدود. يقول:
تضاجعني
الحسناء والسيف دونها
ضجيعان لي
والسيف ادناهما مني
اذا دنت
البيضاء مني لحاجة
أبى (الابيض)
الماضي فأبعدها عني
وإن نام
لي في الجفن انسان ناظرٍ
تيقظ عني
ناظراً لي في (الجفن)
تريستان
يستعير سيف العفة
هذا المبدأ
يرد في حكايات الحب الاوروبية القروسطية. ففي قصة (تريستان
وايزولد) احدى اشهر قصص الحب التي فيها انها نشأت من اصول
سلتية قديمة يعثر الملك (مارك) على زوجته الهاربة (إيزولد)
نائمة في الغابة مع حبيبها الفارس (تريستان) ويراهما قد
وضعا سيفاً مجرداً بين جسديهما، فيهتز الملك لما يحسبه اشارة
على العفاف فلا يقتلهما بل يأخذ سيف تريستان دون ان يوقظهما
ويضع سيفه بدله.
وهنا يتساءل
الباحث (ديني دي رجمون) عن سبب وجود (سيف العفة) بين الجسدين
في الغابة، والعاشقان قد غرقا بالاثم في علاقتهما غير الشريفة
والملك والحاشية على علم بذلك فلماذا هذا السيف؟ يقول الباحث:
لا نجد بيتاً من الشعر او كلمة واحدة في مختلف الروايات
تعلل لنا هذا الفعل. ومن الغريب كما يقول- ان يسكت شعراء
القرن الثالث عشر المتشددون عادة في قضايا الشرف والاخلاص
للملك فلا ينبسون ببنت شفة عن ذلك البطل (تريستان) الذي
خدع مليكه باوقح الحيل او عن تلك الزوجة الخائنة. (كتابة/
الحب والغرب/33).
نستطيع الاجابة
على هذا التساؤل فنقول: ان جزيئة (سيف العفة) لم تكن موجودة
في بنية القصة الاصلية، وقولنا هذا يعتمد على حقيقة ان القصة
قد حوّرت في القرون اللاحقة وأعيدت صياغتها بأشكال متعددة
باللغة الانكليزية والفرنسية والالمانية حيث ألف منها الموسيقار
الالماني (تفاغز wagner) سنة 1865 (اوبراه) المشهور بنفس
الاسم. فليس من البعيد ان تدخل اليها مشاهد اجنبية بشكل
مقحم لا يتلاءم مع طبيعة بنائها وكان من جملة هذة المشاهد
مشهد (سيف العفة) الفاصل بين الحسين الذي وضع في الاساس
لقصص الحب العفيف.
وكانت قصص
الحب العفيف غريبة على معرفة الآداب الاوروبية حتى القرن
الحادي عشر. وعندما ألف (اندريه لوشابلان) كتابه (فن الحب
العفيف)، لم يكن لهذا النوع من الحب إدراك في الادب الاوروبي
حتى ذلك العهد. فمن المقطوع به- والقول هنا للدكتور محمد
غني هلال- ان هذا الادراك الجديد للحب- ف القصة والشعر معاً-
قد نشآ على أثر اتصال الغرب بالشرق اما في الحروب الصليبية
أو عن طريق العرب في الاندلس (في الادب المقارن/205).
على هذا
يمكننا ان نزعم ان صيغ هذا الحب قد انتقلت إلى اوروبا عن
هذا الطريق، ومن جملة هذه الصيغ صيغة (سيف العفة) التي ظهرت
صورتها الجليلة في نص الشريف الرضي السابق، ثم صارت في معرفة
المؤلفين الذين اعادوا بناء قصة (تريستان وايزولد) فاعجيتهم
فاقحموها في القصة اقحاماً بعيدا عن الانسجام فبدت للنقاد
ناشزة عن سياقها المترع بالخداع والخيانة.
حسين علي الجبوري