حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

ابنة شقيق أمل دنقل تحاور جدتها

كان يلقي خطــــبة الجمـعـة و هـو طفـل..
ورفـضت زواجه مـن مـصـراويـة

المجد للشيطان معبود الرياح

من قال لا في وجه من قالوا نعم

من علم الإنسان تمزيق العدم

من قال لا فلم يمت

وظل روحا أبدية الألم

هذه الكلمات قالها أمل دنقل الذي لم أره قط, أتحسسه وأجد أنفاسه في منزلنا الذي قضي فيه معظم أيام حياته. هذا المنزل الذي تقشر بياضه وتعرت أحجاره لتكشف عن أيام وذكريات من عاشوا فيه.أراه في قلب أبي الذي أخبرني بأنه لم يذرف دمعة عند موت شقيقه لأن حزن لا يخففه الدمع, قائلا لي: إن القلب الذي استطاع أن يحوي الوطن لا يمكن أن يهزمه المأراه في عيون جدتي أم أمل التي راح بصرها من كثرة التطلع إلي انفراجة باب بيتنا الخارجي تنتظر عودة ابنها الحبيب الغائب الذي لن يعود, وعندما يطول بها الانتظار تطوي نفسها علي ضلوعها وأحزانها لعلها تجتمع معه في رؤياه المتقطعة أراه عندما أقرأ لا تصالح وأوراق الغرفة8 والتي تسبقني دموعي إليها ولا أبكي فيها علي الشاعر الراحل فهو في نظري لم يرحل, ولايزال بنبضه وقلبه داخل كل حرف من أشعاره, لكني أبكي لأن الذي كتب كل هذا توقف نهر إبداعه في وقت نحتاج فيه إلي رؤياه لتنير ال

وفي الوقت نفسه أحزن علي حال جيلي الذي استكان إلي الحياة الهادئة وهي مليئة بالقهر والتعسف والظلم, فقد أصبح بالنسبة لنا الشيء العادي. أما هو فقد ثار وتمرد وفي ثورته وتمرده أشعر بأنه كان يوقظ فينا روح التمرد التي اندملت جراحها منذ زمن, أما أنا فقد ن أكشف لكم جانبا من حياة هذا الشخص بعيدا عن المرحلة التي اشتعلت فيها نار ثورته وهي التي بدأت معه منذ أن كان طفلا.أريدكم أن تروه بعيدا عن ضجيج القاهرة وزحامها في القرية الصعيدية الصغيرة, بعين أقرب المقربين إليه, تلك العين التي ظلت ترقبه سعيدة به حتي عجل الزمان بإنهاء هذه السعادة, ووأدها فور ولادتها, أريدكم أن تروا أمل دنقل في عيون والدته, إنها نجفة صويني, والتي فتحت لي خزائن الماضي وأسراره, تحدثني عن مشوارها الطويل الشاق والذي علي الرغم من تقدم العمر بها إلا أن تفاصيله لاتزال محفورة في ذاكرتها, كنقش في معبد فرطرقت علي كل أبواب الماضي فوجدتها تحكي وتستفيض بداية من حكايتها مع حماتها, ثم مع زوجها والذي تركها وهي زهرة ناضجة علي غصن يهتز ثم بكفاحها مع صغارها ضد تلك القيود التي كانت تحكم الصعيد آنذاك ولدت في قرية العويضات مركز قوص, وكانت أسرتي وقتها تقوم بالمصالحات بين القري المتعاركة, وكان عمي الأكبر حافظا للقرآن علي الرغم من أنه لم يكمل تعليمه, وكان يهوي السفر إلي المدن التي لم نكن نعرفها, لهذا فلم يكن غريبا أن يجذب إلي مجلسه الفتي الذي يدرس في الأزهر الشريف بالقاهرة أم الدنيا, وآخر البلاد ابن عائلة دنقل فهيم محارب دنقل اسم شهرته, وقد كنت طفلة صغيرة عندما كنت أراه في أيام الصيف الملتهبة يأتي وملابسه شديدة البياض, وعمامته جميلة, وحذاؤه ليس كأحذية أبناء القري, بل شن, وعندما يأتي إلي ديوان العائلة تجتمع كل القرية حوله ليحدثهم عن الإسلام والسلام والمحبة بين الناس, كلمات كثيرة لم أكن أعرف معناها أيامها, لهذا عندما جاء أبي وأخبرني أني سأتزوج الشيخ فهيم وعلي الرغم من صغر سني, إلا أنني فرحت جدا, وبالغت به, ولم يكن وقتها قد أتم تعليمه. ثم انتقلت للعيش مع زوجي في قرية القلعة المجاورة وسط عائلته, لكن لم تكن أشهر الصيف قد مضت عندما غادرنا زوجي ليكمل تعليمه العالي بالقبشئ من الألم تتذكر نجفة ما حل بها وتقول: أجبرت للانتقال والإقامة مع حماتي في منزل العائلة المقابل, وكانت حماتي امرأة متسلطة علي كل السيدات في المنزل, خاصة زوجات أبنائها الضعيفات, ولم أكن مثلهن, فقد كنت شديدة العناد, لا أقبل أي أمرع به, وأسبب لها مشاكل دائمة- حتي إنها من كثرة عدائها لي رفضت ما طلبه منها بعض الأقارب بالتنازل عن ميراثها في ابنها لأبناء ولدها- لهذا فقد فرحت جدا, وأنا كذلك عندما عاد زوجي من القاهرة وأخبرهم بأنه سيأخذني معه للإقام عند هذه النقطة اختارت أم أمل أن تعود إلي محطة أبعد وتضيف: عندما كنت طفلة كنت أذهب لكتاب القرية فحفظت بعض أجزاء القرآن, وبعض مبادئ القراءة والكتابة, وعندما تزوجت جعلني زوجي أتم حفظ القرآن الكريم, وعلمني قراءة الجرائد, والمجلات, ثم جعش عار التي كان ينظمها.كل هذا جعله بالنسبة لي كل عائلتي, زوجي ووالد أبنائي وأستاذي الذي علمني في منزله معاني جديدة للحياة, لم أكن أدرك معناها من قوقد اكتملت سعادتنا عندما رزقنا الله بأول أبنائنا أمل, والذي ولد في نفس العام الذي حصل فيه والده علي شهادة العالمية, وقد أسماه محمد أمل, وذلك لأنه كان يرغب في أن يسمي أول أبنائه علي اسم من أسماء الرسول صلي الله عليه وسلم, إنه أسماه أمل تيمناعلي شهادته, وقد سكنا في حي كوبري القبة, وكانت الحياة سهلة وبسيطة وميسرة في القاهرة أيامها, والسكن متوافر, وقد عمل زوجي مدرسا بمدرسة السلطان حسين كامل الأميرية, ثم رزقنا الله بابنتي الثانية رجاء, وبعدها بثلاثة أعوام رزقنا بابنتي أحالعام الذي توفيت فيه ابنتي رجاء, والتي كانت مقربة من أمل, حيث كانت تشاركه فرحة اللهو شقيقتي رجاء ماتت وهي دون الثالثة, ماتت ومازال في دولاب أمي السري صندلها صدارها المشغول, قرطها, غطاء رأسها الصأرنبها القطني

وعندما أدخل بهو بيتنا الصامت

فلا أراها تمسك الحائط.. علها تقأسي بأنها ماتت

أقول ربما نامت

أدور في الغرف

وعندما تسألني أمي بصوتها الخافت

أري الأسى في وجهها الممتقع الباهت

وأستبين الكارثة

أمل دنقل الموت في لوحات

بعد ذلك حدثت حادثة سيارة لزوجي وتدهورت صحته بسبب شدة الرطوبة في حي كوبري القبة, فانتقلنا للسكن في مصر الجديدة, وانتقل هو للعمل فيها, إلا أن صحته استمرت في التدهور, فنصحه الأطباء بأن ينتقل للسكن في مكان جاف, فطلب نقله للعمل بقنا, وبعزقنا الله بآخر أبنائنا أنس, وبعدها بعام ذهب زوجي لحج بيت الله, وبعد عودته بأربعين يوما توفاه التتذكر نجفة علامات مضيئة في مسيرة زوجها وتصفه بأنه أزهري, واع ومثقف, وفور أن قرر إحضاري إلي القاهرة, أخذ مقاسات ملابسي وذهب إلي خياطة يونانية في مصر الجديدة وفصلت لي ملابس محتشمة تتلاءم مع المجتمع الجديد, وأحضر لي معه أحذية وشنطا جلدية, القاهرة كأي امرأة متعلمة من زوجات أصدقائه, بل أكثر منهم هنداما, كما أني لم أشعر يوما بأنه متسلط, أو متزمت, فكان يأخذني كل خميس إلي السينما, ونشاهد أفلام ليلي مراد وعبدالوهاب, وكانت أيامها أماكن محترمة ليست مثل أيامكم الهباب, لذلي الصعيد, كان تفكيري متقدما عن أهل قريتي, وقد كانت هذه الأيام أسعد أيام حياتي, ولم أعتقد يوما أنها سوف تعود مرة آخر مساء لزوجي كان عائدا إلي المنزل منهكا, وعندما دخلت إلي غرفته وجدته ينزف, فأيقظت أمل من نومه فأسرع إلي غرفة والده, فعندما وجده علي هذه الحالة ذهب إلي أحد أقاربنا ليستدعي الطبيب, ثم قام أصحاب المنزل الذي نسكنه بإخبار أهلنا في القرية, عاد أمل وجد المنزل مليئا بالأقارب وأكثر من خمسة أطباء إلا أن القدر كان قد سبق كل هؤلاء.وكانت هذه هي أول الأحزان وبداية المشوار

هل كنت أنا طفلا

أم أن الذي كان طفلا سواي/ هذه الصور العائلي كان أبي جالسا وأنا واقف.. تتدلي يدايرفسة من فرس

تركت في جبيني شجا وعلمت القلب أن يحترس

أتذكر..سال دمي

أتذكر..مات أبي نازفا

أتذكر..هذا الطريق إلي قبره

أتذكر

أختي الصغيرة ذات الربيعين

لا أتذكر حتي الطريق إلي قبرها المنطمس

أو كان الصبي الصغير أنا؟

فى 1956 أمل دنقل مع محافظ القناة اللواء محمود طلعت بعد أن ألقى قصيدة عنوانها القنال العائد

أم تري كان غيري؟

وهنا توقفت لحظة وكأنها تلتقط أنفاسها من مرور هذا الشريط المؤلم أمام عينها مرة أخري ثم استدركت قائلة:بعد وفاة زوجي كان أمل في العاشرة وأحلام في الرابعة وأنس في عامه الأول, لم تكن الحياة سهلة, ولم يعينني عليها إلا أملي في أن أري صغاري رجالا أكملوا تعليمهم وتفوقوا علي أقرانهم في القرية, وبعد أن انتهت جنازة زوجي, اجتمع أهله وأهلي وقرروا إحضارتي من قنا وعودتي للإقامة بينهم, فكيف تقيم امرأة صغيرة وأطفال بعيدا عن عيونهم في المدينة, لم تكن هناك مدارس في القرية, فتحديتهم جميعا وقلت لهم ادفنوني حية قبل أن أري أبنائي جهلة وأخذت صغاري, وعدت إلي قنا وسط احتجاج الجميع وتهديداتهم ولم يعوضاب الزوج والحبيب إلا ابني أمل, فعلي الرغم من صغره, فكان يقف إلي جواري ويساندني ويهون علي حزني, وهمومي, فقد استولي أعمامه علي أرض زوجي, وأستأجروها بإيجارات زهيدة جدا, وحتي هذه الإيجارات لم يكونوا يعطونها لنا بسهولة, بل كانوا يمل يذهب إليهم مرات متتالية ولم يكن يعود إلا والإيجار معه, ولم ييأس في أي مرةكانت أيام شديدة القسوة, لكننا تحملناها بصبر وتفاؤل وأملهل عرف الموت فقد أبيه؟

هل اغترف الماء من جدول الدمع؟

هل لبس الموت ثوب الحداد الذي حاكه.. ورماه خصومة قلبي مع الله

أين وريث أبي

ذهب الملك

لكن لاسم أبي حق أن يتناقله ابنه عنه

فكيف يموت أبي مرتين؟

أيتها الأنجم المتلونة الوجه

قولي لي:قد سلبت حياتين

ابق حياة

ورد حياة

كان أمل دائم القراءة, فكلما ذهبنا إلي منزلنا في القرية, كان يخرج كتب والده من دواليبها ويعكف عليها طوال الليل والنهار, وكان شديد التدين, فكان في سن الثانية عشرة يلقي خطبة الجمعة في مسجد القرية, مقلدا أباه في طريقته, كما كان يحب سمو عندما كنت أطلب منه أن يلتفت إلي مذاكرته خشية رسوبه كان يرد علي بأنه يستطيع أن ينهي مذاكرته في يوم واحد, فلم أكن أحب أن أضغط عليه وأتركه كما يشتهي, فلم أرغب يوما في أن أجعل أي واحد من أبنائي, يشعر بأنه يتلقي أوامر مني أو من أي شخص, بل كنت أه وأنصحه بلطف, كما أنه لم يخيب ظني ويرسب في أي سنة, ثم نجح في امتحانات الثانوية العامة والتحق بكلية الآداب في القاهرة, وسافر إليها, وكان يتردد علي البلدة بين حيظل أمل عازفا عن الزواج فترة طويلة, ثم صارحني بأنه يريد أن يتزوج مصراوية, فلم أرحب في البداية, لكني أعلم أن ابني عنيد, ومتمسك برأيه فوافقت, كما أنني كنت راغبة في أن أفرح به, فهو وبعد أن تزوج أمل كنت أظن أن الدنيا قد فرحت لي, وخلعت يومها ملابسي السوداء لأول مرة بعد وفاة زوجي, إلا أن ابني لم يكمل عاما بعد زواجه وأصابه المرض اللعين, وكانت هذه الأيام تمر علي كقرون, وعلي الرغم من ذلك فلم أيأس لحظة من شفائه, وبأنه سو مبتسما, يطلب مني أن أحضر له الطعام في مكتبه القديم, وأن أجلس بجواره حتي يقرأ لي ما يقرأه, ويسمعني ما كتب من أشعار, لكنه لم يعد, ومن يومها لم أعد, فقد أخذ روحي معه وقتآخر مرة رأيت فيها زوجة أمل كانت أول يوم الجنازة, فقد سافرت في نفس اليوم حاملة كل ما يخصه.

 

صافيناز أنس دنقل - (الأهرام العربي)


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri