
بابلو
نيرودا في المئوية الأولى لولادته
(1904-1973)
الغنائي
الملحمي الذي أعطى الشعر طعم الخبز ورائحة الفصول
مائة عام
على ولادة بابلو نيرودا. العالم يحتفل او يستعد للاحتفال
في هذه المناسبة من أميركا اللاتينية (قارته الواسعة) الى
باريس. ونظن انه من خلال ما وصلنا من برمجات في هذه البلدان،
ان الاحتفال به سيكون استثنائياً: أكثر من تكريم، واكثر
من تذكير بدوره. واكثر من منابر وأفلام وفيديو وندوات وكتب
وامسيات وآرء. وهذا طبيعي فنيرودا أكثر من شاعر، وأكثر من
مناضل من اجل الحرية وضد الدكتاتوريات التي كانت مدعومة
من الولايات المتحدة ابان الحرب الباردة.
نيرودا اكبر
من حجم مرحلة. وهو كما قيل "شاعر مرحلة" (ولو نرى ان هذه
التسمية انتقاص منه) شأنه في ذلك شأن الشعراء والفنانين
والكتاب يستوون في الجبهة ذاتها، او في الفضاءات السياسية
وحتى الأيديولوجية والإبداعية ذاتها: لوركا، البرتي، ناظم
حكمت، اراغون، ايلويار.. كأنما حلقة واحدة واحياناً لغة
متقاربة الرهافات والهواجس والمستويات. ونظن ان نيرودا مع
بعض هؤلاء اكتسب ما اكتسبه من هالات وأسطورة، ليس فقط بسبب
نهايته "المأسوية" عندما استولى بينوشيه على السلطة ومات
نيرودا حرقة، وألماً، بعد نحو أسبوعين بعدما أحرق منزله،
ومتاعه ومكتبته... وانما لأنه ايضاً استطاع بشعره أولاً
وأخيراً، وخارج الضجيج الاعلامي، ان ينجو، او ان يبقى بعدما
سقطت الأيديولوجيات وقبله الأنظمة) التي تبناها كيساري وشيوعي
ملتزم.
بمعنى آخر،
ولأن شعر نيرودا، (وحتى نيرودا كرمز) ما زال يحتفظ بقوته
ونضارته بعد زوال مختلف الظروف التي ساهمت في تغذيته وشحنه،
فانه يبدو الآن اكثر حضوراً مما كان في تلك المرحلة، ذلك
ان الهالات السياسية التي كانت تغلف هذا الشعر وتحجب طاقته
الهائلة، وتقننه وتوجهه توجهاً "احادياً" (اي توجهاً أيديولوجيا
بالدرجة الأولى)، عبر الأدوار التي لعبتها الاحزاب والتنظيمات
السياسية (لاهداف احياناً دعائية) قد تبددت، لتترك الشعر
وحيداً بحياته الخاصة، بقيمته النسبية، وهذا تحديداً ما
شعرت به وانا أراجع دواوينه: من كتاباته الأولى في العشرينات،
وحتى كتاباته الأخيرة في السبعينات اي قبل وفاته وما صدر
بعد رحيله.
شعرت أولاً
بأنني اكشتف حجم نيرودا الشعري.
وهذا ما
كان ليتم عبر قراءات متباعدة ومتفرقة لأعماله. ثانيًاً،
شعرت بأن الاحزاب اليسارية العربية اساءت الى هذا الرجل،
عندما قدمته في صورته الطاغية "كمناضل سياسي" وأغفلت ما
تناءى من شعره عن سياستها، ثالثاً، شعرت بأن قراءاتي لهذا
الشاعر الكبير قد تحررت مما يجعلها تقع في احكام مسبقة،
والتي ورثناها من "الطليعيات" الشعرية والنخبوية واعتبار
ان نيرودا "دون" هذه الملامح التجريبية والالتباسات اللغوية،
والتشريحات في بنية اللغة وصولاَ الى القصيدة، التي عرفتها
الحداثة الشعريةمنذ بودلير حتى اليوم.
المغامرة
إذاً هنا
تبدأ المغامرة ان تقرأ عاري الذهن نصاً تريد ان تتوغل فيه،
لا بحثاً عن افكار ومواقف ايديولوجية وثورية وملتزمة، وانما
بحثاً عن طاقات هذه الشعرية وتعابيرها، واسرارها ومتونها
وفضاءاتها وتراكيبها وفتوحاتها وكانت قراءات على مدى اكثر
من شهر قمة المتعة والسعادة والحرية ايضاً. فأخيراً وجدت
الشاعر بعدما كان ضائعاً في متاهات ما "اغدق" عليه من شعارات
وخانات.. لكن كل هذا لا يعني وضع حدود بين الشاعر وقصيدته
ومضامينها وأطرها الفكرية والسياسية.
عل مدى قراءاتي
لأعمال هذا الشاعر التشيلي الكبير وجدت انه لم "يتخل" لحظة
عن الغنائية.
شاعر غنائي
بامتياز، نقول هذا لأن هناك اتجاهات راهنة (كانت موجودة
من قبل) تُنكر على الشعر اي غنائية أو عاطفية او حتى رومانسية،
ويمثل هذه الاتجاهات شعراء كبار في فرنسا مثلاً كبرنار نويل
او دنيس روش او غيفيك او غرومون او شارل دوبزنسكي من دون
ان ننسى ان جزءاً من ارث السوريالية القائم على التداعيات
واقتباس الصورة المجانية، والهذر المجاني (التلقائي الآلي)
واللاوعي السحيق ينفي طغيان الغنائية او يختزلها او يحولها
في اتجاهات اخرى، من دون ان نغفل المنحى الصوفي الشرقي فيها.
شاعر غنائي
نيرودا. وينتمي في غنائيته هذه الى سلالة ضاربة الجذور في
اميركا اللاتينية وفي اوروبا مند رونسار ودوبيليه وحتى الرمزية
في بعض جوانبها) مروراً بالينبوع المتدفق: الرمانطيقية من
لامارتين الى هولودرلن الى كينتس وبايرون وويتمان وغوته
ونوفاليس (شاعر الليل). موروث غني ومتنوع يختزن العاطفية
المبسطة اختزانه الميتافيزيقا والفلسفة والتأملية، الى حدود
الادراكات الحدسية في اكتشاف العالم، وكذلك الادراكات الذهنية
والعقلانية.
لكن اين
نيرودا من كل ذلك؟ اي غنائية؟ لا نبالغ اذا قلنا انه تأثر
او استوعب او اغترف من كل هذه الغنائيات. فمن حالات "رومانسية"
مبسطة وحميمة وخصوصية رافقته منذ بداياته وهو في العشرينات
حتى آخر أيامه، الى غنائية اختلطت فيها الاحاسيس والمناخات
التي توجهها نحو الخارج، نحو الآخر. وهنا لا بد من ان نشير
الى ان نيرودا، كماركسي، (اي كعقلاني) واجه العالم بعاطفية
واعية، مجمل التناقضات والاوضاع الانسانية من ظروف الاستبداد،
الى واقع العمال والفلاحين، والشعوب المسحوقة والظلم الاجتماعي
والتاريخ المرتبط بالحاضر، والحاضر المفتوح على التواريخ،
بفروعها الاسطورية الخرافية والحكائية والقصصية، (تراث اميركا
اللاتينية ثري جداً بها).
هذا يعني
ان نيرودا الغنائي هو شاعر الداخل. الداخل الذي يتدفق على
الخارج. شارع الخارج الذي يمتزج في الداخل. العقلاني الذي
يرى الى عقلانية حسية وعاطفية، ورومانسي يوظف شغفه في فضاء
اوسع من الذاتية وحدودها الضيقة (كما نرى لامارتين ودو موسيه
ودو نيني) من منطلق المغادرة الدائمة للذات الى الآخر. فهو
(في غنائيته) شاعر الذات بقدر ما هو شاعر الآخر. اي ان غنائيته
هذه، وان راوحت في مجانية خصوصية (وان مفتوحة) تخرج الى
ما هو ارحب: الى الشارع الى المصانع الى السجون، الى المنافي
وإلى الفقراء...الى التفاوت الاجتماعي، والدكتاتورية، غنائية
نقدية اذاً في بعض وجوهها.
الحب
فهو أكثر
شعراء اميركا اللاتينية كتابة عن الحب.
فمن بداياته:
"عشرون قصيدة حب" الى مراحله المتقدمة (مئة قصيدة حب). وبين
ربط هذا الحب الشقي" الجارف المجنون بالارض والطبيعة والناس،
وبالزمن ايضاً، وألاحظ هنا ان نيرودا في أبرز كتابيه عن
الحب "عشرون قصيد ة حب" و"مئة قصيدة حب" يصل في نهاية العملين
الى نوع من الميلودراما او الأحرى الدرامية: خط بياني يبدأ
باللحظات الباهرة، والعشق المتفتح، لينتهي الى الفراق. تطور
درامي عند نيرودا وكأنه، في عبره غير المباشرة، يجعل الزمن
ينتصر.
لكن علينا
أن نتبع هذه الغنائية الرقيقة والعنيفة والفاجعة في عشقه
الى ما هو أضخم وأوسع عندما تعانق، وبأجواء خيالية وأسطورية
عالية، الملحمية لا سيما في "النشيد العمومي" (تحفته الكبرى)
أو "سيف اللهب"، حيث يمتزج الحس الخاص بالحس التاريخي والأسطوري،
لتتداخل فيها الخوارق والحكايات والأساطير والتواريخ في
بنية متماسكة ومفتوحة. فهو في هذين الكتابين عرف كيف يصل
الغنائية المتفجرة بالملحمية العالية وصولاً الى صفاء النشيد.
فغنائيته
هنا تخترق المخيلة التاريخية والذاكرة الجماعية، في لغة
متماسكة، وموصولة يبني عمارتها حجراً حجراً، ونشيداً نشيداً،
ومشهداً مشهداً، ولحظة لحظة. انه الوعي الحاد التاريخي اكتسبه
من انتمائه الإيديولوجي، وهو الوعي الحاد بالأسطورة اكتسبه
من تراثه اللاتيني، وهو يمر بكيمياء العناصر اللغوية والصورية
والإيقاعية اكتسب بعضها من ثقافته الأوروبية لاسيما الفرنسية
(هذا ما فعله ماركيز وبورخيس).
هذه المناخات
"الغرائبية" التي نقرأها في "النشيد العمومي" و"سيف اللهب"
(متأثراً بهذا الأخير بحكاية التكوين البارودي للواقع)،
هل تلتقي السوريالية التي تعمقها نيرودا. هل عناصر الصورة:
جمع المتباعد، أو لمّ المتنافر، من إرث الدادائية أو السوريالية؟
علينا أن
نعرف أن نيرودا التقى السوريالية وافترق عنها (كرينه شار،
وبريفير وارطو وايلويار وحتى لوركا). أقصد انه اختزن هذه
اللعبة السوويالية القائمة على "المدهش"، والغرائبي، والصدمة
في الصورة والتراكيب. هذا موجود في شعره: المزيج من الإبهار
الغريب في تركيب الصورة نجده حتى في قصائده الأولى (صدرت
في ثلاثة أجزاء)، وفي مجمل أعماله حتى في قصائده الغنائية
"الصافية"، لكن علينا أيضاً أن نعرف أن نيرودا يبتعد بحكم
تكوينه الإيديولوجي والنفسي عن المجانية. فالصورة المتداعية
عن السورياليين مجانية. يسمها الغياب. أو الغيبوبة. ولا
تذهب أبعد من ذاتها. أي انها لا توظف في خدمة رؤيا أبعد
منها. وتحديداً رؤيا يتخللها وعي "صارم" بالعالم. الصورة
السوريالية تلتقي مناخات الصوفية، والصوفية حواس متلاشية،
أو ذائبة، أو نائمة، أو حالمة... عند نيرودا الصورة جزء
من الصحو: الصوفيون "ذوو عيون مغلقة" يستبطنون بها العالم.
عند نيرودا الصورة طالعة من "عين مفتوحة" على العالم، أي
ذاهبة الى وظيفة ومعنى وإيماء وفكرة (أي حقيقة ما)، أي مغادرة
لقيمتها "الإدهاشية" ومجانيتها. يعني أن نيرودا استفاد والى
حد كبير من "تقنيات" السوريالية، ليدرجها في رؤيا "نقدية"
للعالم، أو في نسيج متماسك للقصيدة (السورياليون رفضوا مبدأ
القصيدة كبناء واع في اتجاه أن الجمالية المشغولة بعيدة
عنهم).
لكن إذا
كان نيرودا ترك ما ترك من السوريالية، وأخذ ما أخذ، فلأنه
تأثر أيضاً بالرمزية (البر سامان، جان بول رو، هنري جايمس،
بول فور وصولاً الى مالرمه فاليري وصعوداً الى بودلير ورلين
وحتى اليوم). أقصد أن نيرودا لعب لعبة الظاهر والباطن (وهي
أيضاً عند الصوفيين)، الرمز والمرموز إليه. أي المجاز الذي
يحبك عناصره حبكاً مشدوداً، أو حبكاً يستغل فيها مبدأ "الإيحاء"
بدلاً من التفسير المباشر، سواء عبر الصورة (رامبو)، أو
الموسيقى (رلين) أو الإثنين معاً (اليري).
لكن علينا
أن نلاحظ أن علاقة نيرودا بالرمزية (كمدرسة) كعلاقتة بالسوريالية
(كمدرسة أيضاً) وبالرومانطيقية، علاقة تقاطع ومغادرة. فهو
ابتعد عن الوقوع في التصنيفات. وفي الكاتدرائيات النظرية
الصارمة. أي ابتعد عن تبني احدى هذه المدارس كأبجدية مكتملة،
ليستغلها كمفردات. ويكون بذلك قد تحرر من كل ربق أو جماعة
أو لغة جاهزة. (كل المدارس تخضع لنظريات جاهزة وهذا مقتلها).
نقول هذا
من دون أن نغفل أن نيرودا الذي نأى بنفسه عن الارتباطات
الجمالية المحددة، قد التزم الفكر الماركسي، أو الشيوعي
كمناضل وكحزبي حتى آخر أيامه. هل هو تناقض؟ ربما! لكن علينا
أن نعرف أن نيرودا بقي في مجمل نتاجه ذا التزام مفتوح. شيوعي
منفتح. بلا علامات مفروضة. ولا ارتباط مقنن. أي انتصر الشاعر
على الإيديولوجيا. وعلينا أن نعرف انه، وعدا بعض شعره السياسي
المباشر، كتب معظم شعره خارج هذه الإلتزامات الإيديولوجية
الضيقة، سواء في "حجارة التشيلي" أو في "قصائد الحب"، أو
في "سيف اللهب"... وهي أعمال مشرعة على الشرط الإنساني العمومي
لكن عبر تواريخ وطنه تشيلي وأميركا اللاتينية. (هكذا كان
لوركا والبرتي بالنسبة الى إسبانيا، وناظم حكمت بالنسبة
الى تركيا)، بل وعلينا أن نلاحظ أن نيرودا وظف كل العناصر
والمدارس الجمالية في زمانه، في خدمة قصيدته الخاصة. أي
قصيدته التي بقيت خارج التصنيف. ولكن يجدر بنا أن نلاحظ
أنه إذا كان نيرودا من أصحاب الضربات الجمالية العالية،
وتلك الكيميائية الخصبة في صهر العناصر لصوغ قصيدة متماسكة،
فإنه في المقابل بقي شاعر الضوء بامتياز. أي شاعراً لم يلجأ
وعلى امتداد مراحله (عدا مرحلة شبابه عندما انفعل بكثير
من السوريالية أو الرمزية)، لا الى الغموض، ولا الى الالتباس
(علماً بأن صورته بعناصره تؤدي الى التباس مضيء، أو التباس
بلا تعمية)، ولا الى الصيغ الوعرة، ولا الى عتمة الداخل،
ولا الى التمارين اللغوية (كريمون كلينو وفيليب سوبو)، ولا
الى اجتراحات شكلانية. انه كالويار شاعر البساطة (لا التبسيط)
ولوركا (وإن بدت السوريالية أكثر تأثيراً فيه)، وناظم حكمت
ذو سلاسة صعبة. أي ذو سهولة مركبة. وهو بذلك ابتعد عن "ظلمة"
الداخل عن اليري، واغلاقية مالرمه، وصوفية رمبو... ذلك أن
الغموض، إذا كان موجوداً عند نيرودا، بالمواصفات (الرمزية
أو السوريالية بناء على الإيحاء وتراكم العناصر)، فإنه غموض
شفاف، غموض يضيء الداخل، والفكرة، والموضوع. لا غموض طالع
من تجريبية لغوية، أو تكسير فنون، أو تحطيم معان، أو طمس
علامات، أي لا غموض تجريبياً متصلاً بفكرة مسبقة أو بقلق
شكلي يريد تطبيقهما. فهو بعيد عن المختبرات، بُعدَه عن إرادة
تسجيل أهداف "طليعية" مجردة على صعيد التجربة الشعرية، أو
تحقيق "بيانات" إيديولوجية ترتبط بجماعة أو بفرقة. فلنقل
أن غموضه "ضوئي" لا معتم (وأنا لا أفاضل هنا). غموض العناصر
الطبيعية والإنسانية في تبادليتها ضمن إطار جمالية ما. ونظن
أن استغلال الأساطير والحكايات والتاريخ عند شاعرنا، ما
هو إلا سير أو تحليق في ظواهر غرائبية أو تخييلية تصب في
نوع من الإدهاش، قد يلتقي السوريالية لكن يفترق عنها. أقصد
أن كل أسطورة هي "فعل" مركب وإدهاشي في ذاته، ينفتح على
مجمل الظواهر "العجيبة" و"الغريبة" لأنه يتجاوز الحسابات
"العقلانية" الى ما هو مقدس، أي الى ما هو فوق عقلاني. هذه
هي طبيعة الحكاية. أو الأسطورة. هذه الجماليات الغامضة بمثابة
جسور الى الآخرة، لا فجوات ولا جدران. ذلك أن نيرودا هو
شاعر الذات وشاعر الآخر بامتياز.
ولكن هل
هذا يعني اننا يمكن إدراج نيرودا ضمن لائحة الشعراء الشعبيين؟
(أو الشعبويين كما هي حال كثير من شعراء الإيديولوجيا والأحزاب؟).
هذه النقطة حساسة جداً. وملتبسة. ذلك أن نيرودا، هو، أصلاً
ذو انعطافات شعبية بطبيعة تركيبه وتوجهاته ومفهومه لدور
الشاعر والمثقف. لكن هذه الانعطافات "الفكرية" قد لا تتحقق
في ميدان القصيدة النيرودية بالشكل الكامل. صحيح أن لديه
كثيراً من القصائد "المناسبة" صاغها لأهداف آنية كان يوزعها
أو يلقيها في تجمعات عمالية أو ثقافية أو حتى جماهيرية،
ثم تطوى بانطواء المناسبة، لكن الأصح أن نيرودا ليس شاعراً
شعبياً بالمفهوم الاستهلاكي أو السياسي أو الآني. فشعره
يحتاج الى تأمل، والى درجة ما من الثقافة، والوعي الجمالي،
والتلقي الإيجابي (النقدي)، أي انه شاعر مُهيأ ليُقرأ في
كتاب. لا يسمع في مهرجان. حتى قراءاته تحتاج الى جهد قد
لا يقوم به سوى "النخب" (مع انه يعارض مفهوم النخبة). فقصائد
مثل "النشيد العمومي" أو "السيف الملتهب"، أو "يوميات الإقامة"...
أو حتى "حجارة التشيلي"، هي قصائد ذات بُنى مركبة. أي قصائد
كتبت ضمن مشاريع كتب. وهنا نصل الى نقطة هامة: قلّما كتب
نيرودا قصائد متفرقة. كانت كل قصيدة عنده (أو معظمها) مشروع
كتاب مؤلف بدأب وصبر وبهواجس فنية عالية. معظم قصائده طويلة.
تمشي في الزمن (على عكس رينه شار مثلاً الذي لم يكتب سوى
قصائد قصيرة باستثناء (أوراق هيبنوز"). ويعني ذلك أن هاجس
"الكتاب" كتجربة متكاملة كان يسكن بال نيرودا. هذه الناحية،
وارتباطاً بقصيدته المركبة لا المبسطة، تعني القارئ "المبدع"
الجلود والمكتشف والمتفاعل (لا المنفعل فقط). أكثر مما تعني
القارئ الجوال، أو الهتّاف، أو العابر.
انه عام
نيرودا في وطنه تشيلي وفي العالم كله. عام شاعر كبير. وعالم
كبير. وتراجيدي كبير، استخلص في شعره عصارة قارة كاملة،
بكل تواريخها، وأساطيرها، وأحلامها، وأفكارها، ونضالاتها،
ودكتاتورييها، وسجونها، ومنافيها. شاعر القارة هو الشاعر
القارة.
سيرة واعمال
1904 ـ ولد
بابلو نيرودا في 12 تموز في بارال في تشيللي واسمه الحقيقي
نيفتالي ريكاردو راييس بازوالتو. توفيت والدته روزا بازوالتو
بعد شهر من ولادته، فانتقل والده جوزيه راييس إلى منطقة
تيموكو مع الطفل وتزوج بعد فترة وجيزة من ترينيداد ماريدي
التي ستصبح والدة الشاعر الثانية.
***
1910 ـ دخل
نيرودا إلى مدرسة تيموكو حيث أكمل دراسته حتى العام 1920
فيها.
***
1917 ـ نشر
مقالة أولى في صحيفة محلية في تيموكو بعنوان "حماسة ومتابعة"
موقعة باسم نيفتالي راييس.
***
1918 ـ نشر
أولى قصائده في مجلة "كوري فويلا دو سنتياغو" في 30 تشرين
الثاني وكان عنوان القصيدة "عيناي"، ثم توالت القصائد المنشورة
في مجلات محلية أخرى، فحاز عن قصيدة "ليلة قمرية مثالية"
جائزة شعرية سنوية.
***
1920 ـ اختار
اسمه الجديد "بابلو نيرودا". وفي 28 تشرين الثاني حاز جائزة
"عيد الربيع" للشعر في تيموكو وعين رئيساً لـ"الأتينيه الأدبية"
في المنطقة وبدأ في كتابة "الجزر الغريبة" و"التعب غير المفيد"
من دون أن ينشرهما، ثم اختار قصائد من الكتابين ونشرها في
كتاب أول له بعنوان "مغربي".
***
1921 ـ انتقل
إلى سانتياغو حيث تابع دراسة الأدب.
***
1922 ـ بدأ
العمل في مجلة "كلاريداد" واستمر في كتابة الشعر.
***
1923 ـ كتب
نحو الأربعين مقالة نقدية في مجلة "كلاريداد" باسم مستعار:
"ساشكا".
***
1924 ـ أصدر
أول ديوان له بعنوان "عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة".
***
1925 ـ يرأس
تحرير مجلة "كابالو دو باستوس" الأدبية، ويصدر له "محاولة
الرجل اللانهائي".
***
1927 ـ يبدأ
حياته السياسية بدخوله في السلك الديبلوماسي ويعين قنصل
شرف في بيرمانيا. في 14 تموز، يغادر سنتياغو إلى بيونس آيرس
ومنها إلى ليشبونة. وفي مدريد يبدأ بنشر قصائد جديدة.
***
1928 ـ عيّن
قنصل شرف أيضاً في كولومبو، في سيلان. وعام 1929، حضر "المؤتمر
المحلي" في كالكوتا في الهند، ومنها قنصلاً أيضاً في باتايا
في جاما. وفي كانون الأول، تزوج ماري ـ أنطوانيت اجينار.
1931 ـ انتقل
إلى سنغافورة حيث عين قنصلاً فيها.
***
1932 ـ عاد
إلى تشيلي بعد جولة طويلة.
***
1933 ـ نشر
"إقامة على الأرض" كتب القصائد بين 1925 و1931. في 13 تشرين
الأول، التقى للمرة الأولى بالشاعر فريديريكو غارسيا لوركا
عند بابلو روجاس باز.
***
1934 ـ عيّن
قنصلاً في برشلونة. وفي مدريد، ولدت ابنته مالفا مارينا.
***
1935 ـ في
3 شباط عيّن قنصلاً في مدريد. والشعراء الاسبان كرّموه وأوكلت
إليه مهمة إدارة تحرير أفضل مجلة أدبية في اسبانيا آنذاك:
"كابالو يردي بارلا بويزيه".
***
1936 ـ اندلعت
الحرب الأهلية في اسبانيا. في آب، أعدم لوركا في يزنار بالقرب
من غرناطة. نيرودا كتب من وحي ذلك "اسبانيا في القلب".لم
يعد قنصلاً هناك فغادر إلى باريس حيث أسس مجلة "شعراء العالم"
ودافع فيها عن الشعب الاسباني. انفصل عن زوجته في هذه المرحلة،
ثم عاد إلى تشيلي.
***
1938 ـ صدر
في باريس "اسبانيا في القلب" ترجمة لويس باروت، وقدم له
الشاعر أراغون. أسس في بلده مجلة "فجر تشيلي".
***
1940 ـ كتب
"نشيد تشيلي العام" الذي أصبح فيما بعد "النشيد العمومي"
عين قنصلاً في مكسيكو، وكتب هناك "نشيد من أجل بوليار".
***
1942 ـ سافر
إلى كوبا وكتب "أغنية حب في ستالينغراد". هذه القصيدة علقت
على لافتات كبيرة فوق جدران مكسيكو. بعد أشهر، أصيب بصدمة
اثر وفاة ابنته في أوروبا.
***
1945 ـ أصبح
سيناتور المناطق الريفية في شمال التشيلي وفي نفس العام،
حاز جائزة الأدب الوطنية في تشيلي. في 8 تموز، حصل على عضويته
في الحزب الشيوعي في بلده. سافر إلى البرازيل حيث كرم هناك
وكتب "مرتفعات ماشو ـ بيشو".
***
1948 ـ كتب
مقالة بعنوان "اتهم" انتقد فيها السلطات التشيلية وبعد أن
تعرض لاتهامات عديدة غادر البلاد إلى باريس.
***
1949 ـ سافر
إلى روسيا حيث كرمته جمعية "الأدباء السوفيات"، ثم سافر
إلى بولونيا، هنغاريا، وأخيراً المكسيك حيث رافقه إلى هناك
صديقه الشاعر بول اليوار.
***
1950 ـ سافر
إلى نيودلهي حيث التقى نهرو وقصائده ترجمت إلى الهندية هناك.
وفي باريس، حاز "جائزة السلام الكبرى" مناصفة مع بيكاسو
عن قصيدته "فليستفق الحطاب".
***
1954 ـ نشر
"كل الحب" و"شعر سياسي": أنطولوجيا في الشعر العالمي في
جزءين.
وصدر له
أيضاً "الأناشيد التمهيدية" و"الكرمة والريح".
***
1955 ـ ينتقل
ليعيش مع ماتيلد أوروتيا بعد انفصاله عن ديليا ديل كاريل
التي استمرت علاقته بها بضع سنوات.
***
1958 ـ صدر
كتابه "مئة قصيدة حب".
***
1961 ـ عودة
إلى تشيلي بعد أسفار عديدة.
***
1964 ـاحتفلت
"المكتبة الوطنية" في تشيلي بعيد ميلاده الستين وفي 12 تموز،
في ذكرى مولده صدرت مجموعة "مذكرات الجزيرة السوداء" في
خمسة أجزاء. ونيرودا في هذه المرحلة، عمل بقوة في الحملات
الانتخابية لرئاسة الجمهورية.
***
1965 ـ قدمت
له جامعة "أوكسفورد" دكتوراه شرف وكان هذا اللقب الأول الذي
يأخذه كاتب أميركي ـ لاتيني من جامعة أوكسفورد.
***
1966 ـ يتزوج
في تشيلي ماتيلد أوروتيا.
***
1968 ـ صدرت
النسخة الثالثة من مجموعة أعماله الكاملة.
***
1969 ـ نشر
"نهاية عالم" و"أيضاً" في 30 أيلول، رشحه الحزب الشيوعي
في تشيلي إلى رئاسة الجمهورية، لكنه بعد مفاوضات، ينسحب
من المعركة الانتخابية.
***
1970 ـ يشارك
في حملة انتخابية مناصرة لسالفادور اللندي. وبعد فوز هذا
الأخير، عين نيرودا سفيراً في باريس.
***
1971 ـ في
21 تشرين الأول، حاز نيرودا "جائزة نوبل للآداب".
***
1972 ـ بدأ
كتابة "مذكرات"، وهي مذكراته الكاملة، ومن أجل كتابتها تنحى
عن منصبه في باريس. في تشرين الثاني عاد إلى تشيلي حيث استقبله
الشعب استقبالاً لا مثيل له.
***
1973 ـ صدر
كتابه الشعري السياسي التحريضي "مدح الثورة التشيلية"، وعمل
على تحذير مجتمعه في ندوات وخطابات عديدة على التنبّه من
قيام حرب أهلية في تشيلي. في 11 أيلول، أطاحت حكومة عسكرية
بالسلطة وأعدم الرئيس سلفادور اليندي. في 23 أيلول، وعلى
أثر حزنه العميق لما جرى في البلاد، توفي الشاعر بابلو نيرودا
في مستشفى سنتياغو في تشيلي.
وعلم بعد
فترة وجيزة على وفاته أن مجموعة عسكرية أقدمت على حرق وهدم
منزله في سنتياغو وأيضاً منزله في الباريزو الذي يحتوي على
كل أغراضه وأوراقه الشخصية. وفي 28 تشرين الثاني، وبعد وفاته
صدرت كتبه الأخيرة: "الوردة المفصولة" و"البحر والأجراس".
بول شاوول -
المستقبل