حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الصيف الأخير...

كشوفات في شعرية ريتسوس

ياسينيحظى يانسيس ريتسوس بأهمية بالغة وخاصة في اشكالية الحداثة الشعرية في اليونان واشكالية تحرير الانسان ((فهو يمتلك خاصيتين يجمع بينهما على نحو نادر: شاعر كبير وانسان حقيقي،في حين تمتد اشعاره كقوة طبيعية، عصية على الوصف)) ص8، بل انه يرى ان الشعر حدث معرفي جمالي وتأتي دراسة جمال حيدر في (الصيف الاخير) لتشكل تناولا عميقا وشاملا، عالج المنجز الشعري الريتسوسي الغزير والمتنوع دون ان يهمل البعد الانساني في حياة شاعر اليونان الحديث وتكتسب الدراسة اهميتها الخاصة من كونها تجمع عددا من الرؤى التحليلية الدقيقة التي كتبت خلال الثمانينيات، وهي الفترة التي كان فيها المؤلف يقيم في منفاه، قريبا وملازما، في الوقت نفسه لريتسوس الشاعر والانسان، المؤلف في دراسته الصادرة عن المركز الثقافي العربي / الدار البيضاء، حاول ان يكشف عن علاقة خفية ومتينة بين ريتسوس شاعرا وانسانا، وتمركز جهد المؤلف على تحليل الشعرية والانسانية الريتسوسية منطلقا من مكونات فكرية وثقافية منحت الدارس رؤية تنقيبية، تابعت بتأن مرجعيات الشاعر الموروثة والمعاصرة، كاشفا ابعاده الانسانية التي تفرد بها الشاعر، تجاه اكثر الاحداث والهزات والمواقف التي عصفت بالمجتمعات الانسانية خلال القرن المنصرم. بالرغم من تنوع مصادر ومرجعيات الدراسة واهدافها فقد توافرت على وحدة موضوعها برؤية منهجية علمية، ضمت ستة فصول وثبت في الاثار الثامنة لريتسوس والنثرية والروائية والمسرحية واشعار الاطفال فضلا عن اعماله في التربية مع نصوص شعرية مختارة ترجمها حيدر من اليونانية الى العربية مباشرة.

تناول الفصل الاول مكانة وتجربة ريتسوس في الشعر اليوناني المعاصر، واليومي والحياتي بكل متغيراته للشاعر، والتاريخ والميثولوجيا واندماجهما بالحياة، ((اليومي هو العنصر الاساس في القصيدة، لذا فان البناء يعتمد حدا اقصى من صرامة الانتقاء، لا مجال لزوائد مجانية او ثرثرة انشائية... ثمة تقنية قصوى في ايراد الضروري لتبقى القصيدة محافظة على رهافة يومياتها المتحققة شعريا))ص20 ويختتم المؤلف فصله بالمؤثرات المحلية والاجنبية المساهمة في انبثاق صوت شعري يوناني متفرد وخاص تعدى محليته الى ما هو انساني وكوني، وفي ذات المستوى التحليلي يتعرض الفصل الثاني الى اصدارات ريتسوس الشعرية الاولى، بدءا من مجموعته ((جرار)) التي بدأها بقصائد فترة زمنية محدودة بين 1930 ـ 1934 حيث توزعت عبر مستويات ثلاثة: سيرة ذاتية، بورتريهات وجزء سياسي، ومرورا وعلى التوالي بـ ((اهرامات)) وقصيدة المرثية واغنية اختي وروميوسيني ونجمة الصباح وسيدة الكروم واخيرا ((مسيرة المحيط)) وتفسير قصائد ريتسوس اسرار الزمن لتجد اسرارا اخرى منضوية تحت اسرارها الاولية، لكن الى أي مدى تمثل قصيدة مسيرة المحيط سر الزمن او تفسيره، في عرض اولي للقصيدة نكتشف انها تغطي مساحة واسعة من الزمن، ابتداء من حرب طروادة ومغامرات اوديسيوس ولغاية عصرنا الراهن (ص69).

في الفصل الثالث: الطائر المقدس / يسلط المؤلف الضوء على محمولات ريتسوس الشعرية، مؤكدا على نزوعه التجريبي الواعي وادراكه العميق لبنية القصيدة وخاصة ادواتها واشاراتها المؤثرة سايكولوجيا وسياسيا، فضلا عن انشغاله الكبير في ((عالم بؤس الفقراء)) حيث يتحرك شعريا في حيزهم، لكن يتوخى في ذلك حذرا افتراضيا يخدم نصه المحدد في ذلك الحيز ويمنحه قوة تعبيرية، ترفعه في مستوى الانموذج الذي يعيد الشاعر للاشياء والموجودات حياتها ويجعلها تتنفس الجمال والحرية.

اما الفصل الرابع ((حضور ريتسوس العربي)) فانه يتناول شعبية ريتسوس وشهرته مؤكدا ان مبعث ذلك يعود الى نضاله الوطني والانساني، فضلا عن مآثره الشخصية وطبيعة شاعريته الابداعية، مشيرا الى ان قراءات ريتسوس العربية بدأت منذ مطلع السبعينيات، مترجما من الانكليزية والفرنسية وذاعت تجربته الشعرية الطليعية التي اسهمت بشكل كبير في حضورها المغاير للبنى الشكلية القديمة والاسلوبية المباشرة التي هيمنت لقرون طويلة على بنية الخطاب الشعري ((ترجمت اشعار ريتسوس الى اللغة العربية الجانبين الكمي والنوعي، الا ان اغلب الترجمات خانت النص الاصلي وصياغاته الروحية وتعابيره الشفافة ويعتري هذا المأخذ معظم الترجمات، خاصة ان لغة ريتسوس تحتوي على كم غريب من الخداع البصري، اذ تبدو للوهلة الاولى على قدر كبير من البساطة بينما يخفي عمقها الكثير من المعاني الحسية المنتقاة بحكمة ورهافة بالغبن)) ص110 /111. وينتقل المؤلف في الفصل الخامس ((اعتراف الصمت)) مرتكزا على خطاب الشاعر الموجه الى زوجته حيث يستنتج انه رسالة ملغمة بالاعترافات والافكار لكن جل ما تتمحور حوله هو الثورة والشعر. ويأتي الفصل السادس والأخير ((كبرياء الروح الاغريقية)) زاخرا في تتبع مسيرة حياة ريتسوس منذ ولادته في الاول من ايار عام 1909 في مدينة ((مونمغاسيا)) التي قال عنها: تلك الصخرة الكبيرة كأنها قبضة يد تمتد شاقوليا في البحر، مونمغاسيا هي في كل أشعاري، وحتى وفاته نائما في عام 1990 وبوفاته ينسدل الستار على قامة شعرية عالمية، ستظل قصائده تملأ أرجاء الكون شعرا.

 

سهيل ياسين


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri