
جوزيف
برودسكي..
لمن كان كل هذا التصفيق
بقلم: سيموس
هيني
هنا انطلقت
الأيدي بالتصفيق حين سمي «جوزيف برودسكي» فائزا بجائزة نوبل
لعام 1987. قد يحدث هذا دائما في المناسبات لان التصفيق
هو المهم فيها كلها، لكن هذا الانطلاق بالتصفيق بالذات ثبت
كونه اكثر حيوية ومناصرة من المعتاد. ليس مناصرة بالمعنى
السياسي للصراع بين القوى العظمى والشرق والغرب، لكن بالطريقة
الحدسية المتحولة على نحو فريد التي تلهم بعض الشعراء لأنه
مع الشعراء يكون القاريء مدعوا باستمرار ليجتاز خطا يطمح
عادة بوجود نوع من التمييز بين ان يكون قارئا وان يكون مناصرا.
منشق؟ سوف
يمتعض من فجاجة هذه الكلمة بالطريقة التي تسبب تآكلا لمصير
الفرد وتستحلب الخيارات الفريدة والمحن داخل وحدة من البيان
اللطيف. صرح «جوزيف» حين اجرينا معه مقابلة في دبلن قبل
سنتين: «الشيئان الوحيدان المشتركان في الشعر والسياسة هما
الحرفان (P) و (O). ان الواقعية ونفاد صبره هما صفتان مميزتان،
ومع ذلك بالامكان توقعهما من منفى عاش مقتصدا مجتهدا في
نوع من العزلة حين زرته زيارة قصيرة في شقته في نيويورك
قبل بضع سنوات شعرت اني دخلت في مطبخ للعقل حيث توقفت العمليات
مؤقتا: موسوعات المعارف الروسية، اكوام الكتب، الورق المكدس،
كلها مرتبة دون اية حسابات تصميمية قد تتناقض قليلا مع سبب
وجود حيز العمل. وفي الحقيقة شعرت بأني قد اجتزت اختبارا
حين حدق اخيرا في فوضى العلية الخاصة بي في دبلن واعلن قائلا
وقد مد الكلمة الثالثة بالطريقة السلافية الممتعة: «كل شيء
على ما يرام».
اذا وجد
دائما احد يستحق ما كان يدعوه «جيمس جويس» بمدى البصر الحديد
المشرف فهو جوزيف برودسكي انه كاتب بمعنى الكلمة. ومع ذلك
اذا قرأنا المعاني المضمنة الكاملة لمقالته المذهلة «عنوان
البداية» في مجموعته النثرية «اقل من واحد» لرأينا ان جماليته
تتأصل اخيرا في براعة استخدام الفأس: لقد كرس نفسه كما هو
الآن الى مهارة الفن، وهو آخر رجل ستتوقع ان تجده يتنزه
حاملا الزنبق ومع ذلك يوجد ثمة شيء من اوسكار وايلد في الازدهار
النموذجي لـ «برودسكي» رعاية المجهول لأجل الكشف عن الاشياء
التي لا خلاف فيها اتخاذ المواقف التي ستمتلك حياة وتلبي
متطلبات الفن وليس العكس. لقد حدد سبب لماذا يكتب الكاتب
لكي يعطي او يحصل على تنشيط من اللغة وبذلك يذكرنا بالبديهة
الصحيحة ايضا القاريء يقرأ من اجل تنشيط مشابه. ان الفروق
بين كاتب وآخر تكمن في الطبيعة الدقيقة للتنشيط الذي تمنحه،
لكن يبدو لي ان الكاتب المسرحي الانجلو ايرلندي والشاعر
اليهودي الروسي يتقاسمان بعضا من المميزات الاساسية في الكتابة.
وفي جمعهما
الزهو الاسلوبي بالميل للنزاع الفكري، حساسيتهما من السأم
وتدميرهما للابتذال وخلقهما لـ «مستوى الاعتبار» كما يسميه
السيد برودسكي بوساطة بلوغ درجة من التعبير. وتتماثل التفاصيل
الحرجة لسيرتهما كلاهما ادى دور المنبوذ الى الحد الذي ادى
بهما الى السجن ولهذا السبب سيقا كلاهما الى المنفى التالي.
سيكون الامر تشويها لوصف طبيعة اقامة السيد برودسكي في الولايات
المتحدة اذا اوحيت بأنه منذ طرده من الاتحاد السوفييتي عام
1972 قد عانى من الاذلال كما عانى اوسكار وايلد من ذلك في
باريس.
لقد عومل
في الحقيقة هنا كنبي وليس كمنبوذ على الرغم من انه قد تدبر
الامر ليبقى نفسه في الخلفية كثيرا بصورة شخصية. انه يسارع
بالتغطية الكلامية في اللحظة التي يذكره فيها احد بمحنه
القديمة في معسكرات الاشغال الشاقة، وبصورة عامة انه يقاوم
سحر ماضيه حين كان منشقا. كان يكافح في مطبوعاته ويحذر من
التمييز ما بين الاقل من الكل للسمة الاعتيادية للانسان
وتغطرس الشخصية التي يحققها «احده» في احدى جمله. اذ ان
المرء ليقهر بالقوة الى حد ما بمجرد استخدام الضمير «احد»
في اي عبارة. ان «احد» ولد من الكتابة وليس من ظروف بيئية
او بيولوجية معينة ان احد يرفض الظرف التاريخي لكي تزدهي
امكانية الحرية والفردية وطريقة السيد برودسكي الاصلية في
اعادة تأكيد هذا المذهب الرومانتيكي هي للاصرار على «آخرية»
الابتكار الشعري والانغماس في وقاحته المتسامية باثبات ان
سير الشعراء متطابقة تقريبا، معلوماتهم الحقيقية هي بالطريقة
التي يرد صوتها بها وحروف العلة وحروف الصفير لهم اوزانهم
وقوافيهم ومجازاتهم.
ان بحور
شعر السيد برودسكي الخاصة وحروف العلة نبهتني الى صوت جديد
في اوائل السبعينيات التقيت به في البداية وهو في طريقه
من موسكو الى ميشيجان حين توقف بضعة ايام في لندن خلال مهرجان
الشعر العالمي في عام 1972. كان ثمة شيء ما غامض ومفعم بالحيوية
عند هذا الانسان الانيق ذي الوجه الوسيم والبنية المتينة
وهو يرتدي القميص الاحمر والذي ولد بعدي بسنة لكنه سبقني
في السير داخل التاريخ وأصبح معلما فيه. بعد ذلك ببضعة اشهر
وحين سمعته يقرأ قصائده بالروسية في تجمع آخر للشعراء في
امرست بولاية ماساشوستس تكشفت طاقته وغموضه. ألصق احدى يديه
داخل جيب رجع على عقبيه، رفع وجهه قليلا الى الجانب كما
لو كان يسدد على شيء ما ثم صدح بصوته. كان صوته يشبه صوت
آلة نغمتها عميقة سميكة الاوتار صلبة النسيج وقد أطلق رنينها.
كان ثمة
عويل وتوتر واضطراب والتحام لم اكن ابدا في حضرة قاريء كل
مظهره شعر في شعر في لحظة القراءة. وكان علي ان اتعلم ان
سر هذا التلفظ يكمن في هبة نفسه بلا تقتير الى مهنته يوميا
من خلال الدقائق العادية للحياة. يشكل الشعر دورا وعادة
وفرع معرفة لكل صاحب مهنة، لكن هناك درجات من التركيز في
كل مراقبة للدور على انه في حالة جوزيف برودسكي من الممكن
القول كما قال اوسيب ماندلستام عن مدير مدرسته القديم الرمزي
ف.ف جيبيوس بأنه قد اسس علاقات شخصية ليس فقط مع الشعر الروسي
بل الهيكل الكامل للآداب القومية والكلاسيكية لأوروبا وامريكا.
«علاقات
غرامية هائجة مليئة بالحسد النبيل، ازدراء هزلي، جور محزن،
كما هو شائع بين اعضاء العائلة الواحدة، ومن الطبيعي ان
هذه العلاقة الحميمة وجها لوجه مع الاساتذة تبقي مستوى الاعتبار
عاليا جدا ليس الامر فقط ان جوزيف استقبل الايدي الممدودة
لآنا اخماتوفا ونازدا ماندلستام و«د.هـ.أودن» وكان بتلك
الوسيلة يضع تعاقب الابناء ضمن تقاليد شاعرين عظيمين انه
كاتب ايضا وعن طريق تذكر ماذا يجب في ادب الماضي قد دمج
حاجات ذلك الادب داخل عقليته. ان النتائج الاسلوبية للشعر
العظيم محسوس بها في الحذر المركز الشاق التي بها لا تقرأ
الكتب وحدها بل يقرأ العالم ايضا. انها محسوسة كذلك في الايماءات
العازمة المفاجئة مثل استقالته في مايس من الاكاديمية الامريكية
ومعهد الفنون والآداب بعد ان قلدتا يفجيني يفيتشنكو عضوا
للشرف فيها وهو الشاعر السوفييتي والسفير الثقافي غير الرسمي.
وقال برودسكي مستنكرا: «ان اختياره عضوا للشرف في الاكاديمية
الامريكية وكأنه يمثل الشعراء الروس كلهم يبدو لي غير لائق
وينم عن الفضيحة».
لقد اعدت
الى حد ما صياغة الاشياء التي كتبها هذا الشاعر عن نازدا
ماندلستام لانه في هذه المقالات الدقيقة المبتهجة يطري ابطاله
وبطلاته بحيث نعثر على مصطلح يمكن تطبيقه على نفسه. ومن
الواضح انه كان مدعوما في مواجهاته مع الناجين من الجيل
الروسي العظيم، وأنه لقدر سعيد لأولئك الذين انغمروا في
مناقشاته ودردشاته الحادة عن الشعر لكي يمارسوا الانعاش
المشابه. ان الفعل مفاجيء ومعتدل القسوة مثل لعبة غزاة الفضاء
التي يلعبونها باستمرار لكن بالامكان ايضا ان يكون حماسيا
حالما ينطلق في نوع من النشاط الصوتي وكأنه ذو تأثير مغناطيسي
وينظم رباعيات لـ «هاردي» او اودن او اخماتوفا ويبحر على
متن الهواء والمسامع. افترض ان الطلاب يتعلمون بهذه الوسيلة
كيف ان تمرين الاستظهار من غير فهم قد يصبح غير الي في النهاية
وبالتأكيد ان اصدقاء الشاعر يتعلمون ثانية لكي يحبوا استحواذات
اللغة وفيما عدا ذلك يعتبرونها عادية ويتذكرون جيدا بأنهم
يقفون على فضاء الحقيقة المؤشر عليه باسم الشعر حيث ابعاد
الفن وبقاؤه واستحقاقه المستمر قد دخل نطاق حمايتهم.
لكن منح
تلك السمات السامية فقط هو بمثابة اعطاء الانطباع المقدس
غير الدنيوي للانسان والشاعر لان جوزيف برودسكي يمثل بالضبط
معنى مصطلح هذه الدنيوية التي صاغها جماعة الذروة الروسية
ليفندوا الطموحات المبهمة للرمزيين وقد تميل مجازاته للرحيل
ابعد واسرع وأقواله المأثورة في اصرارها على الامتاع والابهار
تبقى تقفز امام نفسها، لكن عنصر العرض في الكتابة يحكمه
دائما شعور مقتضب يائس بالاشياء كما تكون هي. يجب رعاية
العديد من هذه الاشياء لانها سوف تسلب منا حين نموت، ان
الشعر على العموم هو انسب اداة يحتفى بها والنثر انسب اداة
للهجوم، على الرغم من ان الفكرة ذاتها لمثل هذا الاصلاح
هي هراء حين يتعامل المرء مع احساس متوهج وطائش كما في احساس
السيد «برودسكي» من سواه يطرق على فكرة ان النثر عادة ما
يهدده «القصور الذاتي الجمالي»؟ ومن سواه استطاع ربط القوة
العمومية مع المآسي المؤلمة للسيرة الذاتية كما يفعل بلا
هوادة في اللحن الجنائزي النثري المخصص لوالديه تحت عنوان
«في غرفة ونصف».
كانت هذه
مكتوبة باللغة الانجليزية، ان روحي هذين الانسانين الحبيبين
محصورتان ليست في الحياة فقط بل في احيائها السكنية: «ان
وجد جانب غير محدود للفضاء فهو ليس امتداده بل تقلصه». كذلك
كانا محجوزين في اللغة الروسية التي كانت هي نفسها مسجونة
داخل البيروقراطية، لكن الآن وبعد احيائهما بالانجليزية
من قبل ابنهما فإنهما انطلقا الآن داخل حياة لغوية أخرى
جديدة وترجما بأنفسهما، والعملية في مثل هذه الحالة كاملة،
فاللغة تمر عبرنا ونحن نمر عبرها، كما لو كانت هواء أو معرفة
أو حدساً ملموسا، لكن في حالة شعر السيد «برودسكى» المكتوب
بالروسية والذي أظهره للقراء العظام الروس كونه شاعرهم العظيم
المعاصر فإن عملية الترجمة تنطوي على ممانعة ومشاكل أكثر،
وهنا يجب إعادة ابتكار الحدث في القصيدة الروسية، وإلا أصبحت
سجلاً لحدث (إذا مااستخدمنا عبارة روبرت لويل).
لقد تكللت
إعادة الابتكار بالنجاح المرموق لدى الشعراء الناطقين بالانجليزية
الذين عملوا بالتواطؤ مع المؤلف على الرغم من انه يذكرنا
في تعليق على مجموعته : «جزء من الكلام ـ 1980» انه أحياناً
يأخذ حريته في صياغة العبارات «على حساب سلاستها» بعارة
أخرى وضع السيد «برودسكي» مثل الشعراء الأقوياء الآخرين
راحة القراء أسفل ضرورات القصيدة، ولكي يفرض على اللغة الانجليزية
القوة والكثافة من خياله فإنه الآن المترجم الرسمي لأبيات
شعره، وعلى الرغم من حبه المعلن للشعر الانجليزي الذي يبلغ
حد التملك فإن محرك اللغة الروسية يوفر الطاقة، ولن تتناقض
الأوزان للمادة الأصلية، وتجابه الاذن الانجليزية عنصراً
نطقياً حياً منحرفاً، وأحياناً تتمرد غريزياً عند فشل توقعاتها
في نواحي القواعد ومقاطع التشديد أو يصيبها الفزع والعجب
عندما تحس بالخداع وكانت تتوقع تناسقاً نغمياً، لكن في أحيان
أخرى تخضع بقبول لا حد له يمارس ويسمح به في حالة الفن الأسمى:
الحرية
هي حين تنسى تهجي اسم المستبد
ويكون لعابك أحلى من الحلوى الفارسية
وعلى الرغم من ان دماغك يعصر بشدة كقرن الكبش
لاقطرات تسقط من عينك الزرقاء الشاحبة.
جوزيف برودسكي: (1940 ـ 1996):
شاعر أمريكي
روسي المولد، ولد في لينينجراد (سانت بطرسبورج الآن) وبعد
فشله في الدراسة الثانوية قضى ثمانية عشر شهراً في معسكرات
الاشغال الشاقة السوفييتية بتهمة «الطفيلية الاجتماعية»
وكان عمره أربعاً وعشرين سنة، في عام 1972 وبعد سبع سنوات
من اطلاق سراحه طرد «برودسكي» من بلده وأصبح مواطناً أمريكياً
في عام 1977. نشرت المجموعة الرئيسية من شعره «قصائد مختارة»
مترجمة إلى الانجليزية عام 1973، ثم أعقبها بمجموعة «جزء
من الكلام ـ 1980» وحازت مجموعة مقالاته «أقل من واحد» على
جائزة دائرة النقاد للكتاب الوطني في النقد عام 1986، ونشر
في نفس السنة كتابا من القصائد بعنوان: «تاريخ القرن العشرين»
حاز على جائزة نوبل للآداب عام 1987، من الأعمال المهمة
المؤثرة في عمله هي الكلاسيكيات الروسية والميتافيزيقيا
الانجليزية والشعر البولندي الحديث اضافة إلى كتاب آخرين
مثل مارسيل بروست و و.هـ. أودن وهيرمان ميلفيل.
سيموس هيني:
(1939 - ....) شاعر وناقد ايرلندي ومترجم ملحمة «بيولف»
حائز على جائزة نوبل للآداب عام 1995.
ترجمة: نجاح
الجبيلي - (البيان)