حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

ذكرى رحيله المأساوي

احتجب البريكان... فهل يظل شعره محتجباً بعده؟

ليس ثمة ما هو أصعب وأكثر مدعاة للألم من ان يفكر المرء في ان القدر تضامن مع محمود البريكان ليظلَّ شعره، وكما شاء هو في حياته، محتجباً عن الظهور وعن التفاعل مع العالم الذي ظل البريكان نفسه يحتجب عنه من خلال الشعر، والشعر وحده.

نتحدث هنا عن الشعر والشاعر والاحتجاب. فيتداخل الثلاثة في كينونة غريبة ونادرة الحدوث في التاريخ، تاريخ الإنسان وتاريخ الشعر على حد سواء.. الشاعر يحتجب في الشعر عن العالم، والشعر يحتجب بإرادة الشاعر في حياته وبإرادة قاتله بعد موته، حتى اننا لم نعد ندرك من الذي استلب ومن الذي أعطى؟ هل استلب القاتل إرادة الشاعر في الحياة؟ ام ان الشاعر أودع في قبضة قاتله إرادته الحقيقية باحتجاب شعره عن العالم.

انها تجربة فريدة في التاريخ الوجودي، وهي فريدة ايضاً في التاريخ الشعري. لقد توفر لمحمود البريكان ان يصنع تاريخه الخاص في التاريخين: التاريخ الوجودي والتاريخ الشعري. ولم يكن للبريكان ان يتعمد مثل هذه الصناعة، قدر ما كان ينسجم باطمئنان وتلقائية مع مفهوم شخصي للشعر وهدفه منه، ويتواصل في نمط من الحياة ليس بعيداً عن ذلك الفهم الشخصي. لقد منع حياته من الاحتكاك بحياة الآخرين، غير انه لم يمنع حياة الآخرين، حين تختار هي ذلك، من ان تحتك بحياته. لم يتحدث احد عن ان البريكان اقتحم حياته، لكننا كنا نقتحم حياته فيستقبل اقتحاماتنا بأريحية وكرم يشعراننا، من فرطهما، أنه محتاج الينا. والنباهة وحدها تشعرك ان ليس للبريكان حاجة في العالم.

هنا نكون امام مدخل ثانٍ لتجربة احتجاب شعر البريكان لم يظهر هذا الشعر في المرات الثلاث الكبرى التي ظهر فيها (مرة في مجلة شعر 69 ومرتان في مجلة الاقلام) الا بعد ان طلب منه هذا الظهور. أي انه لم يشأ اقتحام العالم الا بعد ان احتك به العالم نفسه.

المرة الوحيدة التي طلب فيها البريكان الظهور كانت برسالة قصيرة حملها لي منه الشاعر علي الإمارة.. كان علي قد عرض عليه النشر في بعض المجلات العربية (ذكرها لي في الرسالة) وكانت الرسالة تستفسر مني عن مدى ضرورة النشر في هذه المجلات. غير ان الأهم في الرسالة هو تصريحه عن رغبته في نشر اعماله عراقياً وفي كتاب يصدر في بغداد وعن مدى امكانية خروج الكتاب بما يطمئنه ويريحه. كان للرسالة وقع خاص في نفسي، فليس من السهل ان تحظى بثقة رجل وشاعر مثل البريكان، من جانب، وليس من السهل ان اقنع نفسي من جانب ثان بمدى جدية البريكان الذي اعرفه في الإقدام، وبهذا اليسر، على امر كهذا.

اصطحبت الصديق علي الامارة مباشرةً، وزرنا الشاعر سامي مهدي في مكتبه في جريدة الثورة. وحتى إذا ما عرضت عليه امر الرسالة رحب الرجل كثيراً بالفكرة (وشكك ايضاً بمدى جديتها)وقال ما معناه ان الكتاب يظهر خلال اسبوع وبأفضل ما يتمناه محمود. فطلبت منه كتابه ذلك في رسالة الى البريكان، ففعل الشاعر سامي مهدي بكرم اخلاق، برغم ان رسالة البريكان لم تكن موجهة اليه.

هذه هي المرة الوحيدة التي طلب فيها البريكان الظهور. وهي مرة لم يكن جاداً فيها كما احسب، قدر ما كانت محاولة للابتعاد عن موضوع نشر الشعر في المجلات العربية وذلك باختلاق موضوع الكتاب.

طبعاً لم تكن المرات الثلاث الكبرى التي ظهر بها شعر البريكان هي وحدها التي يطلب فيها شعر الشاعر. لم يطلب من شاعر، كما أتوقع، شعره للنشر كما طلب ذلك من البريكان. مرات اعترافاً بأهمية هذا الشعر وتعبيراً عن حاجة حقيقية إليه، ومرات أكثر منها بدافع الفضول الصحفي واستجابة لإغراءات أسطورة البريكان. عروض كثيرة تلك التي تلقاها الشاعر، غير ان آخر هذه العروض، لم تقدم له شخصياً، وانما لورثته بعد موته. لم نعرف بعد النتائج العملية لهذا العرض، وبما يعني ان روح الاحتجاب البريكانية مازالت تلقي بظلالها على شعر بات مصيره مجهولاً مع مجهولية حادث المصير الذي آل اليه محمود البريكان.

كان شعر البريكان، في ما ظهر منه، شديد الاعتناء بالمصائر, انها الثيمة الأكثر دوياً في هذا الشعر. لقد كتب مصير أحياء كثيرة ظل يراقبها، ولم يكن مصيره بعيداً عن مراقبته، فكان ان كتبه في واحدة من اغرب القصائد في التسعينيات وأشدها تنبؤاً.. وحدث ان نشرها خلال مجلة الاقلام.

في أعمال السحر تبطل الكتابة والرسم (في التعاويذ والرقى) فعل حدوث المكتوب، ولكن باشتراط ان يظل المكتوب سراً لا يُكشف ولا يُقرأ. فهل فضح البريكان السرَّ في نشر القصيدة التي اراد بها تفادي المصير الذي ختم حياته؟ لم تكن لقاتل البريكان من حاجة لتنفيذ الجريمة سوى تتبع السيناريو الذي وضعته القصيدة للجريمة، لتكتمل الجريمة، ومعها يحتجب البريكان ويحتجب معه شعره.

لقد كان اهتمام البريكان بالمصائر وعبثها بما تؤول اليه الكائنات شكلاً من أشكال الاحتجاجات الوجودية، ولكنها، وبطريقة مواربة، كانت تعبيراً عن الاحتفاء بالحياة بصورتها الشخصية، التي لا تعني بالضرورة تعارضها مع الحيوات الأخرى، وانما تمتلك حق خصوصيتها، وحق هذه الخصوصية في ان تقرر مصيرها، استمتع البريكان بصنع حياته الشخصية، وكان لاقتحام الآخرين هذه الحياة فعله التدميري في بعض الاحيان (دخول القاتل في حياة البريكان مثلاُ). لم يكن يستطيع ان يمنع الاخرين من ان يقتحموا هذه الحياة ويشبعوا فضولهم او نهمهم منها. غير انه كان قادراً على التحكم بالحياة الشخصية لشعره. ولهذا لم يستجب لعشرات الطلبات والعروض التي كان يستقبلها ويعتذر عنها بدبلوماسية يجيد التفنن بها.

من الذي خلق اسطورة عزلة البريكان؟ هو ام أولئك الذين لم يستطيعوا ان يتخيلوا قدرة الذات على استحضار العالم والعيش فيه في اشد حالاتها ابتعاداً عنه. كان يحلو للبريكان ان يؤكد لزائريه انه ليس منعزلاً وإنما يحيا في قلب العالم. فهمت (عزلة) البريكان في حدود سايكولوجية حيناً وحيناً فهمت بخبث على انها اسلوب استمرأه الشاعر في صنع البروباغاندا، فيما فهمت مرات بوصفها تعبيراً عن احتجاج اجتماعي وسياسي.. وفي كل الاحوال بقي الانشغال منصباً على عزلة البريكان نفسه، وانصرف الاهتمام بها عما اسميه (العزلة النصية) التي احسب ان محمود البريكان كافح طويلاً من اجلها وان جللها بعزلته الشخصية فلم تكن هذه العزلة الاخيرة، عزلته الشخصية، الإ غلالة أحاطت بعزلة نصوصه وحجبتها عن إثارة اهتمام الاخرين وعن انتهاكاتهم لها واشاعتها، ومن ثم ابتذالها وهذا شكل من اشكال السرانية التي استمر البريكان حاذقاً فيها وفي شعره، مواراة شعره وأساليب هذا الشعر عن الاخرين. ندرة في الشعر..
وشيء من السرانية.. وكثير من الاحتجاب، كان لابد من هذا ليتوفر تاريخ الشعر على ظاهرة ربما لن تتكرر، ظاهرة محمود البريكان.

 

عبد الزهرة زكي


التجريد بين كاندنسكي

ومحمود البريكان

العلاقة بين الفن الادبي، والفن البصري تمتد عبر وشائج روحية وقواسم تبدأ من طوبولوجية العمل حيث تتكافأ الخطوط الخارجية كمعادل فني مع المستوى البلاغي في النص الشعري.. هذا التقابل لم يكن كيفياً.. ولا افتراضاً فائضاً لأن الصلة بين الرسام والشاعر صلة حيوية وتملي علينا هذه القرابة ان نستنبط المستويات الدلالية بينهما وخاصة ان كاندنسكي”1866- 1944“ استهل عالمه التجريدي بالماء في محاولة لتحطيم الفضاء المعماري للوحة وبكل ما يكتنف هذه الحركة من تغاير رؤيوي وتنوع اسلوبي، وقد استند- كاندنسكي- في تعبيريته التجريدية على البقع اللونية، والتجاور اللوني، وعلى الاشكال التي لا تمثل شيئاً معيناً الا انها تفتن العين بجمالها والوانها.

وقد انطلق كاندنسكي في تلك الفترة في نشوة صوفية، يرسم، ويدعو في الوقت نفسه لماهية جديدة عبر هذه الاشكال والبقع، واشترك مع الرسام الالماني المبدع- فرانز مارك في انشاء جمعية للفنانين في ميونيخ تدعى ”الفرسان الزرق“ هذه الدوافع شكلت استيلاء في معاينة محمود البريكان، واستشرافاً منفرداً منذ الستينيات مرتكزاً على تجريدية الدلالة الشعرية من مستوياتها البلاغية في محاولة لتأسيس فضاء شعري وبلاغة يكون فيها التلازم الدلالي بين الخطاب الملفوظ والخطاب البصري ولكن بتجريدية قادرة على تحريك المعاني، حيث اكتسب البريكان تفرده الشعري وأثبت له خصائص يتفرد بها، واعتقد ان معظم الدارسين لشعره أدركوا ان الشاعر بدأ يكتب منذ ذلك الحين بايقاع آخر ومنطلقات واسنادات اخرى، وقد سعى بهمة واضحة ليجد سبيله لانتخاب التركيبة الشعرية، ومن الممكن ان يحس القارئ بضمور الكيفية عن واقعية البناء التعبيري وفك الانضواء في زمنية المفاهيم الموروثة، وخاصة في قصائد”انتماءات“ يقول البريكان”على المشهد أسمر نظرتي لكن لي حلمي/ ولائي هو للاجمل والابعد“، فالمتتالية الاولى من النص من حيث بنيتها الدلالية تتساوق بعلاقة وثوقية بين المدلولات المتولدة عن علاقة الادلة فيما بينها. لذا لا بد لي ان اقوم بتجزيء النص الشعري الى وحدات جزيئية لكي نكتشف المستوى الدلالي ثم المستوى النحوي ثم الترابطات الكلية”الاسمية والفعلية“ وبمقدوري ان اقول ان متتاليات النص في قصائد التجريد تخضع لتقنية صارمة ”المتتالية الاولى: بنية الضمير= الحضور”المفرد+المتكلم“ لكن هذا لا ينفي توظيف الضمائر الاخرى، وفي الوقت نفسه لا يعطيها مرتبة الصدارة حتى تتحول على قلتها الى قانون اساس للبنية الاساسية.

يقول البريكان”لو كان لي ان اطلق استغاثة واحدة/ عبر سماء الجليد/ لصحت من رعبي الخفي الوحيد/ القوة الطاردة“ فالدلالة في المتتالية تقوم على اساس الانزياح في مفهوميه اللغوي والمنطقي، وعبر هذا الوعي نستشف حميمية الصلة بين تجريدية كاندنسكي في الرسم وتجريدية محمود البريكان في الشعر فكلاهما يشترك في استخدام، كلمات ومشاهد. وكاندنسكي الذي خلف”57“ لوحة فنية وجيلاً تجريديا كان ابرزهم”موندريان- وفرانك كويكا“، احتفظ بشرقيته على الرغم من انه أمضى معظم حياته في الغرب، وعندما اقول ان التجريد كمفهوم فني سواء كان تعبيرياً او هندسياً فلا يعني هذا ان مكونات اللوحة او العمل القائم على هذا المفهوم يخلو من القيم الجمالية، فالتفتيت او التشتيت الذي استفاد منه الفنانون في التكعيبية او التجريدية عند كاندنسكي او عند موندريان يعبر عن مقتربات فنية وعن وجهات نظر وعن استبصارات متقدمة وتستند هذه المقولات في صياغة الخطاب الابداعي وفي جدليات اللوحة على قوانين الاسقاط والمنظور، اما في الشعر فان التجريد وان كان غير مطروق على مستوى التنظير النظري في نصية الخطاب الشعري، لكنه يعتمد على منهجية الناقد، ورؤية الشاعر واحالاته ولا يعني ايضاً تفريغ الجملة الشعرية من جماليات الاداء، لذلك فان الفعل الشعري في قصائد التجريد عند البريكان يتخذ وظيفة بنائية في متتاليات النص ويختلط الحب بالرغبة في التطهير والحس الروحي حيث يبدو الشاعر يقاتل جبروت الزمن وتشويهاته وتسلطه بقوة بتأويل يستند على تفريغ”العبارة“ من تعالقها الجمالي المنظور ليدفعها لاكتشاف الطابع الجوهري في كل”ذاتية“.

يقول البريكان”تماثيل من الشمع تغطيها المظلات/ نباتات/ من الاسفنج/ في المتنزه العام/ قوانين مثبتة بأطراف المسامير/ على الجماجم الصم/ تواريخ معاد صنعها/ بأحدث الآلات/ اخبار/ تقارير“، فحيثيات النص تقرب القارئ الى نواة النص والى مستويات اعلى بحيث يستطيع النص ان يلتحم مع قارئه، وهكذا فان الشاعر يمنح”القوانين“ بعداً هندسياً بحيث تشترك مع”طرف المعادلة الهندسي”المسامير“ ويكون بناء على هذه الحصيلة الافتراضية”القوة والتسلط“ كقاسم مشترك، وافراز سلبي، عبر عنه الشاعر بهذه”الشيئية- وهي عبارة عن تعبيرية تجريدية“ وكذلك التواريخ المعاد صنعها حيث تشترك مع الآلات بأبعاد هندسية اختارها الشاعر ليجرد هذه التواريخ من المعاني الانسانية والفيوض بعد ان اعيد تصنيعها، وعندما نفكك النص الى جزئياته اللغوية المبنية نكتشف ان هذه البنى تنسجم مع هاجس البريكان الذي ارتفع عالياً، ولكن ليس بعيداً عنا واستكمالاً لهذا التحديد وبالعودة الى فترة الستينيات التي حقق البريكان تفرده فيها، وفي قصائد التجريد هذه اقول ان الشـــاعر الراحل قد حقق تأملاته الفلســـــفية ونظرته الشمولية الى الحياة في رحلة تأمل شاسعة للاشياء كان يسعى من خلالها الى وصول الصورة المتكاملة للإنسان الذي نجح في رسم ملامحها لنا فكانت قصائده مضمخة بروائح الشعر الازلية، حافلة بأصدائها.

 

عبد الرضا جبارة


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri