
الشرق
الخيالي ورؤية الآخر
لا يحدثنا
هذا الكتاب عن الشرق، إنما يحدثنا عن أنفسنا، لأن الشرق
عصي على الإدراك، فهو موجود في كل مكان، وهو غير موجود على
الإطلاق. نحن نراه في الكتب نراه على اللوحات، نراه على
الشاشات، نراه في الشوارع، وهو جدُّ قريب منا، كما إنه غير
موجود إلا هناك، في المكان الآخر. إنه موضوع كل كليشة، مرادف
لكل غريب، ووسيط كل تناقض وكل تجاوز، إنه الأكثر جنوناً،
الأكثر تقشفاً، الأكثر شهوانية، الأكثر قسوة، كما إنه الأكثر
حذقاً.
إنه ذلك
العريق في القدم، إنه الفجر الأول في التاريخ، ليل التاريخ،
إنه الشاسع الذي يضم كل مخيلتنا. إنه الشرق الموجود في رؤوسنا،
أما خارج رؤوسنا (نحن كغربيين) فلا وجود للشرق على الإطلاق،
حتى لا وجود للغرب. إن الغرب هو الفكرة التي تشغلنا بالقدر
الذي تشغلنا فيه الفكرة المعاكسة، بيد أننا لا نشعر بحاجة
إلى تعريفه على الإطلاق، لأنه ببساطة نحن، ولكن من نحن؟
أنكون نحن الوجه الآخر للشرق؟! أنكون نحن الآخر للآخر؟ أنكون
نحن القطب الموجب له؟ وقد نكون ذلك الوجه الآخر من العملة،
أي نكون السالب من الموجب، وحينها تبرز الرموز القديمة.
في لحظة
واحدة يكون الشرق هو الضياء، هو الروح الكونية، هو الجانب
السحري لفضائنا الداخلي، هو البعد الذي نضعه بيننا وبين
حداثتنا اليسارية. بيد أن هذا الضياء يرتجف وينطفئ لدى أبسط
الأحداث العارضة، ينطفئ عند أول رشة دم، ويغوص في وحل خوفنا،
إنه يتراجع نحو النسيان ليعود إلينا في الأحلام، إنه ذلك
الالتماع الضئيل الذي يفاجئنا عند انعطافة الطريق، إنه تلك
الزينة وذلك السراب.
ولأن الشرق
عصي على الإدراك، فإن هذا الكتاب لا يدعي الإحاطة به، بل
ولا حتى أن يقول لنا من نحن، مع أن الأمر برمته يتعلق بنا
نحن بمقدار ما يتعلق بالآخر، نعم؛ إن الأمر يتعلق بالنظر
إلى أنفسنا من خلال الآخر، ولا يعني هذا أننا نرى أنفسنا
بالصورة التي يراها الآخر فينا، إنما أن نراها بمقدار ما
نفضح بها أنفسنا، ونحن ننظر إلى الآخر، إنه التعبير عن الذات
غير الواعية، وهو ما يقصده هذا الكتاب، أي أن يعيد هذا التعبير
ويجعله يطفو على سطح وعينا. أليست هذه هي مهمة التاريخ؟
إن التاريخ الذي نستند إليه يدعونا إلى النزول إلى هضبة
حياتنا اليومية، والتكامل معها، وحفر الطبقات الرسوبية التي
تكونها، وإن كانت الأسطورة تشكل جزءاً من رواسبها فإن هذا
الأمر لن يغير شيئاً من قسوة واقعها.
إن الأساطير
تتراكم مثلما تتراكم الصخور تحت وطأة الزمن، ومن العبث -
كما يقال أحياناً - هدمها، بل ينبغي إعادة قراءتها بانتباه
لنستوعبها بشكل أمثل، لندركَ الوظيفة التي كانت تمتلكها،
أو الوظيفة التي مازالت تمتلكها حتى الآن، وهي عملية تنقيب
جيولوجي، وهي فعل سياسي، ذلك لأن أية محاولة نقوم بها لفهم
أنفسنا من خلال نظرتنا إلى الآخر، يعني أن نعود إلى الأصول
العفوية التي كونتها، وانطلاقاً من هذه الأصول علينا أن
نراجع أنفسنا، وأن نراجع مواقفنا السياسية إزاء الآخر.
ولكن ماذا
نعني بموقفنا؟ لنقل إن الموقف الذي تريده الغالبية العظمى
من وسائل الإعلام الغربية منا أن نقبله كما لو كان موقفنا،
وهو قبول من السهل تحقيقه، لاسيما أنه يستند إلى هذا الأساس
الذي نقف عليه ونظن معرفته وإدراكه.
ولكن أندرك
نحن حقاً هذا الأساس ونفهمه؟ هل تساءلنا يوماً لماذا يبدو
لنا بدهياً نحن الغربيين بأن كل إرهاب هو عربي، وأن كل تعصب
هو إسلامي؟ فلا يكفي أن نثور ضد هذه التبسيطات المرعبة؟
بل علينا أن نفهم أصولها، أينبغي إلينا أن نبحث عن تفسيراتها
لدى المسلمين، أم نبحث عن تفسيراتها لدينا؟ أنبحث عنها في
تاريخهم أم في تاريخنا؟ إن الجواب ليس يسيراً، ولا يدعي
هذا الكتاب الإجابة عليه إجابة جاهزة، بل إنه يحاول بشكل
أساس تناول إحدى هذه المقدمات وهي المقدمات الأصولية، ألا
وهي أننا من العصي علينا بمكان أن ندرس الآخر قبل أن نخضع
أنفسنا للمراقبة بإزائه، وبالتحديد، ألا نقوم بشيء قبل أن
ندرك كيف ولماذا درسنا وتمثلنا هذا الآخر ونتمثله حتى الآن؟
إذن؛ هذا الكتاب يستقصي الشرق المتخيل من دون أن يطمح إلى
بلوغ الشرق بعينه، من دون أن يحسم واقعية الشرق أو عدم واقعيته
ولا ملاءمة هذا المفهوم أو عدم ملاءمته، وأعتقد أن صفحات
هذا الكتاب ستثبت من دون لبس، الضرورة الجلية لهذا التحفظ،
فأن يكون الشرق شرقاً متخيلاً لا يمنع من أن يكون هذا المفهوم
مفهوماً واسعاً أيضاً؛ فهو يلتقط بوساطة مشكاله (Kaléidoscopique)
كثيراً من الصور التي يتغير تشابه أشكالها باستمرار، فالأدوات
هي ذاتها بيد أنها تتشكل بألف وسيلة ووسيلة.
والحقيقة
أن مفهوم الشرق هو تصميم شبيه بالتصميم المشكال، بما له
من نهايات محددة أو من امكانات غير محددة، إن له عناصر محددة
النهايات يتألف منها، وتراكيب لا منتهية تتشكل فيها هذه
العناصر، لكي تعبر بوساطتها عن استيهاماتنا العديدة. وإن
قصدي من دون شك، لا الاستنفادُ الكليُّ لتشكيلات هذا المشكال،
بل إبراز عناصره الأساسية داعماً ذلك بالأمثلة. أقول أساسية
ولا أقول محايثة. فهذه العناصر كانت قد ظهرت وتراكمت واحدة
فوق أخرى على مدى العصور، ولم تكتمل جميع القطع الأساسية
للمشكال إلا في القرن التاسع عشر، ويحاول هذا الكتاب أن
يعرض بشكل محدد المراحل الأكثر تميزاً في بنائه. ولنتعرض
ابتداء لمسألة الفضاء.
فما الحدود
الجغرافية لمخيالنا الشرقي؟ نصادف هنا مفارقة جلية، وهي
أن هذا المفهوم، مفهوم الشرق المتخيل، يشكل النقيض المباشر
للغرب، فهو مفهوم خال من الحدود الدقيقة، مفهوم قادر على
استيعاب كل ما يتبقى من العالم، ماخلا ما يعده الغرب عائداً
له أو لامتداده المباشر.
وقد جاء
الشرق ليدلَّ وبامتياز على مفهوم الغيرية، ذلك لأن مفهوم
الغيرية هذا! إذا استثنينا مفهوم الحياة البرية - قد تم
إسقاطه دائماً على كل آسيا تقريباً، وعلى كل حضاراتها العظمى،
إلا أنه من الناحية العلمية فإن آسيا تقدم لنا ميداناً أوسع
من هذا بكثير، فلها أكثر من شرق، إلا أن هذه الكثرة لم تحظ
جميعها لَدُنْ أوربا بالاهتمام ذاته. ولذا يتوجب علينا أن
نقتصر على الشرق الأكثر قرباً منا، ذلك الشرق الذي لم نكف
يوماً عن أن نكون باحتكاك مباشر معه؛ ومنذ قرون.
والذي يشكل
جزءاً هاماً من تاريخ المتوسط، ولذا فما اسميته الشرق أو
الشرق المتوسط هو تعبير أقل عرقية من الشرق القريب أو الشرق
الأوسط، والذي أعني به العالم العربي فضلاً عن إيران وتركيا،
والمنطقة التي تشتمل كذلك على شمالي افريقيا التي لا يمكننا
أن نفصلها عن تاريخ الامبراطوريات العربية ومن ثم العثمانية.
ليس هنالك
من تقييد أو معايير دقيقة حين نجد أنفسنا وقد اطمأننا (أو
خاب أملنا فهذا الأمر، هو الآخر أمر نسبي) لأننا لن نذهب
مع المخيال العربي نحو الهند أو نحو الصين أو اليابان إلا
بشكل استثنائي، فالحد من جهة الشرق هو حد واضح. نعم، هذا
هو ما نقبله ونرضاه طواعية من دون مراجعة كما لو كان هنالك
اجماع ومنذ الأبد بأن تكون أوربا غربية، ولكن الأمر في حقيقته
ليس بهذه السهولة على الإطلاق، فإلى من تنتمي بلاد البلقان،
ونحن ننظر إليها من باريس أو لندن، أتنتمي إلى الشرق أم
تنتمي إلى الغرب؟ والجواب: إن كل شيء هنا يعتمد على اللحظة
أو على الرهانات، بل حتى على الأشخاص.
فلو أخذنا
بنظر الاعتبار أحد المعايير، وهو حدود الجغرافية السياسية
في سبيل المثال (أي التجاور الحكيم بين الألوان على الخارطة)
فإن هذا الحد لن يكون كافياً، ذلك لأن الأمر في حقيقته يتعلق
بخط متخيل، فأين تضعه يا ترى هذه المخيلة تحديداً؟ أفي بحر
ايجة أم في البحر الأدرياتيكي؟ أم أن هذه الحدود تنتقل من
البحر الأول إلى البحر الثاني تبعاً للعصور؟. هذا هو بالضبط
ما يدفعنا مرة واحدة إلى قلب موضوعنا. فالحدود هذه، تشكل
أيضاً عنصراً أساسياً من عناصر الإشكالية التي تكون موضوعا،
فليست هذه الإشكالية هي ببساطة إشكالية مكان فحسب، بل هي
إشكالية اللحظة.
فمتى يا
ترى ترسم مخيلتنا الجماعية هذا الخط الوهمي بين الشرق والغرب؟.
هذا السؤال هو أول الأسئلة التي سوف نطرحها في هذا الكتاب.
سيشكل هذا السؤال موضوع الفصل الأول من هذا الكتاب، وسنرى
أن هذه المسألة، ومسألة وعي الغرب لذاته، هما مسألتان متلازمتان
لا تنفصلان. وإنه لأمر بدهي أن ينطوي هذا السؤال على مغالطة
تأريخية، أي مغالطة تاريخية توجد في كل تأصيل لهذا الوعي
وفي إعادته إلى نوع من الـ (ماراثون)، وغالباً ما يتمّ التذكير
بهذا الأمر، استناداً إلى البحث عن أول تعبير للوعي الأوربي
(الغربي) لذاته في العالم المسيحي الجرماني اللاتيني في
القرون الوسطى.
أيمكن أن
نعدّ هذا الأمر أمراً صحيحاً؟ ثم أيمكننا أن نعدّ الاحتكاك
مع الإسلام هو الكاشف الحقيقي عن هذا الوعي؟ ثم ما معنى
وما أهمية اللعنة الكاثوليكية على دين محمد؟ وبقول آخر،
إلى أي مدى كان المتوسط في العصر الوسيط مكاناً للتقابل
ومكاناً للتعايش؟ هذه هي جملة الأسئلة التي سيتعرض لها الفصل
الثاني من الكتاب، والتي يشير فحصها إلى أن الانشقاقات الأشد
دلالة هي ليست تلك التي نعتقد بوجودها عادة.
دفعتنا هذه
الملاحظات إلى أن ندرس بتركيز شديد الفترة الفاصلة عند القرن
السادس عشر الطويل (وهو الفترة الممتدة من نهاية القرن الخامس
عشر حتى بداية القرن السابع عشر) والتي أصبح المتوسط في
غضونها - في آن واحد - مسرحاً للمواجهات العسكرية الطاحنة
بين الأتراك والإسبان، وكذلك الموضوع الأكثر أهمية لأضخم
مشروع للإحاطة، كان قد أَشَّرَ بداية الاستكشافات العظيمة.
وسنرى في
الفصل الثالث كيف أثرت هذه المرحلة الحاسمة من التاريخ على
الرؤية الأوربية للامبراطورية العثمانية. أيمكننا أن نرى
حينها مفهوم الشرق، وقد بدا مرسوماً بنوع من الصياغة التي
يمكننا أن نطلق عليها الصياغة السياسية لمفهوم الهوية ومفهوم
الغيرية؟ هذا ما نراه في الفصل الرابع.
وبالمقابل
أصبح الشرق انطلاقاً من منتصف القرن السابع عشر، وبشكل أدق
في عصر الأنوار، يؤكد وجوده بشكل لا جدال فيه بوصفه تمثيلاً
شاملاً للغيرية، وفي الوقت ذاته أخذت بعض المفاهيم تتكون
في ذلك العصر، وهي مفاتيح إطلاق النعوت السياسية كما في
عبارة: (الشرق الاستبدادي) بيد أن شرق مخيلتنا الجماعية
لم يكن استجمع بعد كل تناقضاته إلا بفضل روح القرن التاسع
عشر، وهذا هو موضوع الفصل الخامس، ليصبح مذّاك النقيض المباشر
للتحديث بامتياز.
ومنذ ذلك
الحين أضحت الفلسفة تضم كل الحضارات القديمة في غربي آسيا
إلى تاريخها العالمي، من خلال رؤية تمركز - عرقية للعالم
وصيرورته، وهي الرؤية التي مازالت تهيمن على الفكر الغربي
حتى يومنا هذا.
إننا في
الواقع ورثة هذه الرؤية المهيمنة التي جاء كل من انحطاط
أوربا والانحطاط النسبي للغرب بأكمله ليقضم أطرافها، ثم
أزال صفاءها ندم الاقلية المعدل الذي تركه لنا العهد الكولينيالي
وقد لونه بشكل مقلق.
كل هذا
كان قد ولّد في النفس الأكثر تفتحاً، ميلاً قلقاً نحو التصالح
مع الآخر، ورغبة طاغية في إصلاح ذات البين، هذه الرغبة هي
موضوع الفصل السادس الذي يحاول أن يعين حدودها وفخاخها.
فأية فائدة يمكننا استخلاصها من نظرتنا إلى الآخر، وما الشروط
التي علينا أن نفكر بها لإجراء الحوار معه؟ إن الاستعراض
السريع لمسعاي في هذا البحث ولمراحله المتعاقبة يمنح فكرة
أولية عن روحية هذا الكتاب التي تشكل حسب اعتقادي أهمية
الكتاب وجِدَّته، وهو ميدان لم يستكشف إلا قليلاً.
إن الدراسات
التي تستند إلى رؤية الغرب للشرق وفيرة وغزيرة جداً، ولم
يفتني أن أنهل منها، بيد أني أدين على وجه الخصوص لكتابين
اثنين هما (جاذبية الإسلام) لمكسيم رودونسن و(أوربا والإسلام)
لهشام جعيط(1)، فهذان الكتابان هما الكتابان الوحيدان حسب
معرفتي اللذان يقدمان بالإيجاز بانوراما تأريخية لهذه المسألة،
من العصر الوسيط حتى يومنا هذا، ولولاهما لكنت عبثاً أرهقت
نفسي، فقد ساعدتني ملاحظاتهما الببلوغرافية على نحو خاص
باختيار نقاط سيري.
ومع هذا
فإن العرض الذي يقدمه هذان الكتابان لنظرة الغرب إلى الشرق
هو عرض وصفي أكثر منه تحليلي، فهما يؤشران مراحل تكون هذه
النظرة، إلا أنهما لا يضعان هذه المراحل داخل إشكالية جامعة
تهدف إلى استخراج دلالتها. ولذا فإن فضولي بقي من دون اشباع
مما دفعني إلى العودة مرة أخرى إلى الأصول.
ثم هنالك
أيضاً كتب أخرى كانت قد اقتصرت على مراحل معينة بعينها،
أو على أحد المظاهر التي تخص نظرة الآخر، وبالتالي كانت
متسمة بطابع التقصي الدقيق، فكان لهذه الكتب قيمة كبيرة
نسبة لي، ومنها في سبيل المثال الكتاب المخصص للعصر الوسيط
أو المظهر الديني لهذه المسألة الذي أصبح فيما بعد من الدراسات
الكلاسيكية ألا وهو كتاب (الإسلام والغرب) لنورمان دانيل
ومن البديهي أن نتوقف عند الكتاب الذي صدر منذ وقت قريب
لنشير إلى التحليل العنيف الذي قدمه مؤلفه أدوارد سعيد عن
الاستشراق والذي سنعود إليه مرات عديدة. فهذا الكتاب أضحى
الممر الإجباري إلى كل تأمل في الاستشراق.
يمتاز هذا
الكتاب بأرشيفه الفني وتحليلاته الصائبة التي تفضح في أكثر
من موضع العرقية المتغطرسة للمستشرقين الأقل علماً، حتى
إننا يخال إلينا بعد قراءة هذا الكتاب أنه لم يعد هنالك
من شيء يذكر حول هذا الموضوع (والأكثر من ذلك أن كتاب الاستشراق
وبعد قراءته يتركنا في حال من الرثاء الذي يبعث فينا شعوراً
حاداً بالتقزز) ومما لاشك فيه أنْ لا ضرورة لتكرار الرسالة
ذاتها من دون جدوى، أو بشكل أدق أن نركز على الاسفاف المضجر
لكليشات المستشرقين أنفسهم، لأن هذا الأمر بات معروفاً ولا
جدوى من العودة إليه سيما أن مهمة أدوارد سعيد لم تتعرض
إلا لمظهر واحد من إشكالية موضوعنا.
فالاستشراق
الذي غربله سعيد بنقده يظل ثيمة ملاحقة بشكل أساس في العصر
الكولينيالي، هذا العصر الذي يميل (سعيد) بشكل لا يخلو من
المبالغة إلى رد شبحه إلى أوائل القرن التاسع عشر، ولم تكن
النظرة السابقة لهذا العصر نسبة له، والتي صوبتها أوربا
نحو الشرق المتوسط، إلا فترة اعداد للهيمنة الامبريالية،
ويمكن عدها - طبقاً إلى ذلك - تعبيراً عن الجشع والاحتقار
الغربيين.
في حين أن
الاستشراق (هذا إذا وافقنا على رد بدايته إلى ما قبل نهاية
القرن الثامن عشر) لا يمكن اختزاله بالتعبير البارع عن غريزة
النهب، فضلاً عن ذلك فإنه يشير إلى نوع معين من أنواع التنقيب،
ولذا فإننا لا يمكننا إلا أن نعده مظهراً من مظاهر النظرة
الغربية إلى الشرق (كما يشير سعيد إلى ذلك بنفسه) وبالتالي
علينا أن نحذر من المبالغة بآثاره، ويحذرنا رودونسن من أن
(الدراسات المتبحرة تؤثر وبشكل أضعف بكثير مما تتأثر هي
بالأفكار السائدة). إن الملاحظات التي يسجلها أحياناً المختصون
التواقون لتحقيق النتائج العامة، لا تمدهم هذه المعلومات
بالأساس اللازم لأبحاثهم، وهم ليسوا ببساطة سوى متأثرين
بروح العصر.
وهكذا فإن
الكتاب الذي أقدمه هنا لا يطمح - ولا يدعي - أن يكون مجرد
إدانة للاستشراق، وإلى التركيز العرقي الذي يتخلّله، ومن
البديهي أن يبقى نقد نظرتنا إلى الشرق ضرورياً على الدوام،
بل إن هذا الأمر أصبح الشرط اللازم الذي لا مراء منه في
أي بحث، مهما كانت صحوته مكرسة لدراسة الآخر. بيد أن هذا
النوع من النقد سرعان ما يصطدم بالحدود ذاتها للتمركز العرقي
الذي يدينه، إن هو اكتفى بتوجيه اللوم إلى مظاهرها الأكثر
حدة، ومن ثم يستريح لأنه قد وفَّى ما عليه من دين. فليس
هنالك ما هو أسهل من جمع الاستشهادات الجارحة والساخرة -
وما شابه ذلك - والمشتقات من الأدب الغربي حول الشرق، ولكن
ما جدوى هذا الأمر؟ فإننا لم نفعل عندئذ سوى إعادة قول البديهية
من دون أن نتقدم خطوة واحدة في فهمنا للظاهرة، كما لو كان
يكفينا معرفة جوانب الموضوع لكي نقهرها. فالتمركز العرقي
ليس عيباً يمكننا تخفيفه، وليس خطيئة يمكننا أن نقر بها
ونتطهر منها؛ فالتمركز العرقي هو الشرط اللازم لنظرتنا إلى
الآخر، من دون السعي إلى تبرئة أنفسنا منه، وهو الشرط الذي
يجبرنا على بذل الجهد والعودة أبداً إلى نقطة المراقبة،
وبالتالي العودة إلى أصول نظرتنا في محاولة منا لفهم الضرورات
- داخلية كانت أم خارجية - والتي يستجيب لها فضولنا في معرفة
الآخر. هذا هو الباعث العميق لهذا الكتاب، ألا وهو فهم الذات،
وهكذا، لماذا لا يقيم الشرق عند هذا الحد، الا في أحد منعطفاته؟.
ولربما لن
يفوت القارئ بأن يعيب عليَّ هذا الاستخدام الأقصى للآخر،
وسيرى فيه علامة على تمركز عرقي كامن، وربما لا يخطئ من
يعدني هكذا، وان هذا الأمر ليس بخطير على الإطلاق طالما
أني أعي ما فيه من تمركز عرقي مقصود، وطالما أن محور اهتمامي
في هذا الكتاب هو التمركز العرقي، وكنت جعلت منه أمراً ضرورياً،
بسبب هذه الصفة، فنحن الغربيين، نحن المعنيون به أولاً،
برغم أني - وهذا شيء طبيعي - أتمنى بحرارة أن يسترعي اهتمام
الآخرين كذلك، لذا فإن الأمر لا يتعلق بالانطواء على الذات،
ولا استبعاد أي أمر؛ بل على العكس، إنه دعوة إلى التفكير
بالمحددات التي يمكننا من خلالها الإفادة الفكرية من الآخر
ومن تجربته. وإن كنت أفكر بهذه الفائدة من وجهة النظر الغربية،
فهذا ببساطة لأنه يشتمل على أن أضع نفسي في المكان الآخر
من دون أن أكذب بشأن موقعي.
ولن يتقبل
القارئ هذا إلا بفهم مقصدي عند انتهائه من قراءة هذا الكتاب،
وأستطيع الآن؛ وبعد أن وضعت هذه الملاحظات أن ألخص وبشكل
ملموس موضوع دراستي. فالكتاب سيتعرض إلى المراحل الأساسية
للفكر السياسي الأوربي والتي تشكل من خلالها خيالنا الجمعي
حول الشرق المتوسط، وحاولت أن أضع كل مرحلة من هذه المراحل
داخل السياق العام الذي ولدت فيه. إن هذا المخيال الجماعي
إنما هو في الواقع نتاج العصر، ولا يمكن اختزاله بمجموعة
من الأوهام والأمور الزائفة، برغم ما يفصح عنه من الحقائق
المتعلقة بفاعله (الناظر) والتي هي أكبر من تلك المتعلقة
بموضوعه (المنظور).
هذا الخيال
هو نتاج لما يدور في ذهن تاريخنا عن العرب وعن الترك وعن
الإسلام. وإن ما فكرنا به وما زلنا نفكر به عن هذه الشعوب،
وعن ثقافتهم، ومؤسساتهم، وبعبارة موجزة ما نعتقد أنه يشكل
عقليتهم، كل هذا يسهم وبقوة في التأثير على عقيدتنا، مع
ما يستتبع ذلك من نتائج. إن التشوش الذي تتسم به سياسات
القوى الغربية في الشرق الأوسط، وربما أكثر من أي بلد آخر،
يبين لنا جيداً أن هذه السياسات لا تخضع إلى منافع مادية
أو استراتيجية فحسب، بل كذلك إلى اندفاعات عاطفية لا يدركها
أغلب الأحيان حتى الرؤوساء والشعوب الغربية. هذه هي الأصول
التي ينبغي البحث عنها، إن أردنا أن نفهم أنفسنا في إطار
علاقتنا المركبة والمتنازعة مع هذه المنطقة من العالم، هذه
المنطقة التي نشأت أوربا الغربية بجوارها.
وبشكل عام
ان بحثنا يقودنا بالضرورة إلى التفكير بضوابط البحث في الثقافات
الأخرى، وشروط الحوار الذي نود إجراءه معها. ثم هنالك أمر
آخر، هو أمر الأصول. أين نبحث وكيف نختار الدلالات الأكثر
تمثيلاً للحظات التاريخية التي شكلت خيالنا الجمعي حول الشرق
المتوسط؟ إن الأدوات تبقى لا متناهية حتى لو حصرناها في
هذا الجانب المحدد من المجال الشرقي، إنها أدوات لا متناهية
من حيث الحجم، أما من حيث الجوهر فهي تتسم بالتكرارية المخيفة.
فمن قرأ كتابين أو ثلاثة كتب من كتب الرحالة المتعلقة بالقرن
السابع عشر، فكأنه قرأ العشرات منها، حيث تتبلور التمثيلات
فيها كنماذج، فمن يبحث عن الصورة النمطية للاستبداد الشرقي
يجدها عند مونسكيو، ومن أراد فهم المكانة التي يشغلها الشرق
في رؤيتنا إلى التاريخ، فإنه يقرأ هيغل، ومن أراد أن يستشعر
مظاهر تمزق الشرق وترف الشرق فإنه يقرأ ماسينيون، فمع كل
فترة تأريخية ومع كل لحظة مؤسسة تتمفصل إشكالية معينة حول
عدد من الكتاب المهيمنين، ويبقى النبع الذي ننهل منه مع
ذلك واسعاً، وقد يلومني بعضهم بسهولة لأني أسقطت لوتاس،
سيرفانتس، غوته، لين، فيبر، وكثيرين غيرهم. وقد ينتقدني
ربما بعضٌ آخر لمركزيتي، وذلك لأني قد آثرت قراءة ما كتب
بلغتي الفرنسية. فهل كانت اختياراتي معبرة بما يكفي، وهل
استطعت تقديم نقاط الاستدلال التي ستنجز تحليلاتي؟ هذا هو
المهم.
وبالإمكان
عدّ اختياراتي معبرة، بالأخص من وجهة النظر السوسيولوجية
والسياسية، والتي هنا هي وجهة نظري أنا، لأني لا أدعي إلقاء
الضوء على جميع جوانب تمثلنا الجماعي للشرق، بالقدر ذاته
من الوضوح. وبالتالي لا داعي لأن يعجب القارئ ان وجد الغرائبية
والفنية لا تشكل سوى حيز ضئيل من هذا الكتاب، نسبة لما شغلته
في الشعر والروايات والحكايات والفنون التشكيلية الغربية.
لا يعني
توصيف الملامح أن نستبعد الأمور المهمة، فكل لحظة من التاريخ
تحمل داخلها وبشكل لا متناه ما هو أكبر من حجمها، وتجرُّ
معها ما سبقها، وتعلن عما سيأتي. ولم يفتني الإشارة إلى
ذلك في حينها، ولكني أكرّر هذا الأمر للمرة الأخيرة، وهي
أن العصور تتشابك مع بعضها، وأن التغيرات لا تقع فجأة على
الإطلاق (في ميدان العقليات الجماعية على وجه الخصوص) فالقطيعة
والتواصل يصاحب أحدهما الآخر.
ثمة شيء
من روح عصر النهضة في القرون الوسطى، ثم من القرون الوسطى
في روح عصر النهضة، ولم يطفئ القرن التاسع عشر كل الأنوار،
ولا يزال قرننا العشرون يشبه القرن التاسع عشر في بعض جوانبه،
أما معرفتُنا فليس بالإمكان الإعلان عنها سلفاً في جوانبها
المتعددة، فالمنهج يتطور مع الخطاب، ولأن هذا الكتاب يدعو
إلى التفكير بشروط معرفة الآخر، وبالهوية والغيرية، فإن
خطابه من بعض جوانبه هو استنطاق (خفي) للمنهج.
وأتمنى أن
لا ينفر القارئ من ادعائي المستمر بالرصانة، لأني في الواقع
لا أطمح إلا لتحقيق أمرين، الأول: هو أن تثير قراءة هذه
المغامرة لدى القارئ اهتماماً مساوياً للاهتمام الذي دفعني
إلى كتابتها، وثانيها: - وهو الأهم - أن لا يقتصر الاهتمام
بهذه المغامرة على المختصين، فلا يتوجه هذا الكتاب إليهم
على وجه التحديد، برغم أنهم بإمكانهم - إن جاز لي القول
- الاستفادة منه. أما فيما يتعلق بي، فأنا لا أدعي بأني
مختص بالشرق، لكن ميداني هو ميدان العلاقات الدولية، وبصفتي
هذه، فقد درست وكتبت حول وضع الشرق الأوسط في النظام العالمي،
وحول الصراع الإسرائيلي - العربي. إن فكرة التحري عن شرقنا
الخيالي برزت في ذهني عقب نقاش مع أحد الأصدقاء الإيرانيين
وهو مجتبي صدره، هذا النقاش الذي مازال قائماً حتى الآن،
وبذلك يكون هذا الكتاب هو وليد الصداقة أيضاً.
د. مي عبد الكريم
عرض إبراهيم
حاج عبدي