حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الجواري في ألف ليلة وليلة

سقوط سلطة الوهم وإشكالية العقل الذكوري

تنوعت الحكايات حول الجواري عموما، وحولهن في بلاط هارون الرشيد بشكل خاص. وبصرف النظر عن صحة وقائع هذه الحكايات أو عدمها، فإن حكاية (أبي الحسن وجاريته تودد) التي تأتي في سياق حكايات شهرزاد أمام شهريار في (ألف ليلة وليلة) تثير أكثر من ملاحظة، وهي إن صدقت دلت علي أن هذا الخليفة لم يكن لاهيا كما يحاول مناوئوه تصويره، وأنّ مفردة الجارية لا تسمح بتكوين صورة سلبية لهذه الشريحة من النساء الجواري مثلما هو شائع في المخيال العربي، الذي لا يري في الجارية غير أنوثتها المثيرة للرغبة، وهي الصورة نفسها التي حاول الاستراق في الفكر والفن والأدب التركيز عليها. ربما يكون هارون الرشيد قد دفع ثمنا لجارية اسمها" خالصة" قدره مليون دينار كما تشير بعض المصادر، ولأخري اسمها "عنان" مبلغ ربع مليون درهم، إلا أنّ حكاية الجارية " تودد" تستدعي الوقوف أمامها. أما لماذا هذه الحكاية من بين غيرها من الحكايات، فذلك لارتباطها المباشر بالإجابة علي سؤال أسباب تهميش عقل المرأة، مقابل إعلاء شأن عقل الرجل. وهو السؤال الذي طرحه ثم أجاب عليه أرسطو قبل الميلاد، ولا نزال نسمعه ونقرأ الإجابات عليه من آخرين في أيامنا. وسوف يكتشف القارئ دواعي هذا الاختيار، بعد معرفة كيفية تحليل الحكاية ، والكشف عما يضمره السرد، من بزوغ للأنثوية، وأفول لسلطة الوهم الــــــتي يتدثر العقل الذكوري بها.

ظاهر الحكاية

يخبرنا ظاهر الحكاية أنّ أبا الحسن ورث عن أبيه مالا وفيرا، وأملاكا وبساتين تكفيه للحياة الرغيدة ردحا طويلا من الزمن. لكنه ما إن فارق أبوه الحياة، نسي وصيته، فأكل وشرب كما تقول الحكاية، ولذّ وطرب وارتاح إلي قهقهة القناني(جمع قنينة) واستماع الأغاني. ولم يزل علي تلك الحال، حتي خسر كل شئ، ولم يبق عنده سوي الجارية" تودد". إنّ الجارية وكما تقول شهرزاد لشهريار في التوطئة إلي شخصيتها، ذات حسن وجمال، وبهاء وكمال، وقد فاقت أهل عصرها وأوانها، وصارت أشهر من غيرها في سعة علومها ومعارفها، فأدهشت الخليفة الرشيد، وكذلك الحاضرين من الرجال، سواء أولئك الذين جاءوا من أجل مناظرتها، أو أولئك الذين كانوا يراقبون المشهد داخل القصر. صحيح أنّ هذا المستوي المعلن من المتن، يفيد القارئ في معرفة الكثير مما يختصّ بالترسانة الثقافية للجارية، وبالطريقة التي تغلبت فيها علي أندادها من الرجال، إلا أننا في هذه الدراسة، لسنا مضطرين للتعامل مع الحكاية بطريقة تبسيطية لا ترينا أبعد مما تقع عليه عيوننا من صياغات لفظية. ونحن إن مضينا في هذا الاتجاه الذي يخطف من الخطاب السردي فنيته، نكون قد ضيعنا الكثير من لذّة الاستقبال واكتشاف ما هو جواني.فهذه الحكاية، وكذلك بقية حكايات آلف ليلة وليلة، تحتاج إلي منهج نقدي يهتم بالتأويل، والبحث عن الرموز ومعانيها، فهي حكايات تخفي مساحات هائلة من متونها خلف أقنعة يمكننا الكشف عنها بيسر أحيانا، ولكن ليس من خلال القراءة التبسيطية.

تسمية الحكاية

وعلي ما يبدو لنا، فإن السارد الذي ارتأي تسمية الحكاية باسم أبي الحسن وجاريته، علي الرغم من الدور الهامشي له، وغلبة حضور الجارية، الذي هو حضور البطلة التي تصنع الأحداث وتحركها، أراد أولا الكشف عن دور الجارية في حياة سيدها، وهو الدور الذي يمكن أن يوصف بأنه جوهري وفعال. هنا فإنّ مراوغة النص التي تتمثل بالإيحاء لشهريار بأنه سوف يسمع حكاية أبي الحسن مع جاريته، القصد منه التخفي وراء وقائع من شأنها التقليل من ثورته الداخلية، وتخفيف حدة نقمته علي النساء بعد اكتشاف خيانة زوجته له. إنّ الأنثي المخاتلة كما يتصورها شهريار، ليست الجارية، فهي كما تقدمها الحكاية، تدخل كعامل ملطف للأجواء، وتدعوه إلي الهدوء والكفّ عن الغليان الداخلي الذي سيدمره، مثلما كاد يحصل مع أبي الحسن، قبل أن تتداركه تودّد بنباهتها وفعلها العظيم. هنا من الضروري التنبيه إلي جدوي الاتجاه الذي نسلكه في هذه الدراسة، إذ لو استسلمنا لظاهر النص، فإنّ تسمية الحكاية سيكون مضللا، ولكن لأننا لا نميل إلي هذا، إدراكا منا لمخاتلات السرد في ألف ليلة وليلة، فإننا في المحصلة النهائية ميالون إلي القول: إنّ الحكاية تحرص علي الانتصار للعقل الأنثوي، وإبراز قدرته علي مجاراة العقل الذكوري،بل والتغلب عليه، وهي غاية السارد الأهم الذي يقص حكاية الجارية في بلاط الرشيد علي مسامع شهريار.

عندما اقترحت الجارية علي سيدها أبي الحسن أن يبيعها لهارون الرشيد قالت له: يا سيدي احملني إلي أمير المؤمنين هارون الرشيد الخامس من بني العباس، واطلب ثمني منه عشرة آلاف دينار، فإن استغلاني فقل له: يا أمير المؤمنين وصيفتي أكثر من ذلك، فاختبرها يعظم قدرها في عينك، لأنّ هذه الجارية ليس لها نظير، ولا تصلح إلا لمثلك. وإياك يا سيدي أن تبيعني بدون ما قلت لك.

مستويات الحكاية

إذا ما وضعنا جانبا المستوي الأول من هدف الحكاية الذي يرتبط بشهريار،فإنّ المستوي الآن يرتبط بالعقل الأنثوي والقدرة علي إثبات جدارته. وهو هدف السارد الأهمّ كما أشرنا قبل قليل. وفي حدود إبراز هذا المستوي، والكشف عن أبرز ملامحه،فإنّ طلب الجارية من سيدها الذي يتمثل بما تفضي إليه الصياغة السابقة، يعني أننا أمام شخصية نسوية مبادرة وقادرة علي الفعل، بمعزل عما يصوره المخيال الجماعي الذكوري لها.إنها بطلبها من الخليفة أيضا أن يختبرها، تكون قد أعلنت استعدادها للتحدي. وهي عندما حددت المكان الذي ستدور فيه المناظرات- قصر الخليفة ، وكذلك مراتب الأشخاص الذين ستتحداهم-علماء وفلاسفة وفقهاء.. إلخ من نخب المجتمع العلمي والثقافية، تكون قد مهدت الطريق لإقناعنا بعظمة الدور الذي يمكن أن تقوم به في الحياة. وهو الدور الذي ستخرج في نهايته من بين قضبان السجن الذي يزجها المخيال الجماعي فيه. أي أنّ اختيار المكان الذي ستخوض فيه معركتها، وكذلك مراتب الرجال، لم يأت اعتباطا، وهو ما نقصده باختيارنا مفردة السقوط، وليس أية مفردة أخري تقل دلالتها الدرامية .

عندما اختارت الجارية بلاط الرشيد مكانا للأحداث، وليس أيّ مكان آخر، فإنها أرادت إخبارنا بأن معركتها ستكون مع رأس المركزية الظالمة، وفي المكان الذي يصوغ قوانين الحياة. إننا لو افترضنا أنّ الجارية" تودد" اقترحت علي سيدها أن يبيعها لأيّ شخص وليس للرشيد حصرا، فإن ما في المخيال الجماعي عن طبيعة الجواري لن يتغير، ذلك لأنّ فعل البيع في مثل هذه الحالة لن يبدّل من كونها سلعة تباع وتشتري، كما أنه لن يمكنها من إبراز قدرة العقل الأنثوي ومميزاته. ومن هنا فقد أجابت الرشيد عندما سألها عما تحسن من العلوم قائلة: يا سيدي إني أعرف النحو والشعر والفقه والتفسير واللغة. وأعرف فن الموسيقي وعلم الفرائض، والحساب والقسمة والمساحة، وأساطير الأولين، وأعرف القرآن الكريم..إلي أن تقول:وحفظت كثيرا من العلم، وتعلقت بالشعر، وضربت بالعود، وعرفت مواضع النغم فيه، ومواقع حركات أوتاره وسكناتها، وبالجملة فإنني وصلت إلي شيء لم يعرفه إلا الراسخون في العلم.

شروط نجاح الحكاية

في وقفتنا أمام أية حكاية، لا ننسي ضرورة امتلاكها شروط النجاح لإيصال ثيمتها الأساسية. ولأنّ الثيمة هنا ترتبط بالعقل الأنثوي، وقدرته علي تحطيم التابو الذي يوضع فيه ظلما، فإنّ الحكاية في تجلياتها الفنية، تمتلك هذه الشروط. إنها مثلا علي المستوي التركيبي للدراما-الفعل، تبدأ بمقدم-استهلال، نتعرف من خلالها علي الجاري-الفكرة التي تحملها، ثم إنها في وسطها يحتدم فيها الصراع بين الجارية والرجال الذين يناظرونها، ونكتشف عدة ذرا تغذّي الذروة الأساسية-الإصرار علي بزوغ العقل الأنثوي، وهي -الحكاية- في نهايتها تقدّم شكل الحلّ لعقدتها الرئيسية-غلبة العقل الأنثوي. عبر هذا المستوي إذا، فإنّ البنية بشكلها القادر علي تحقيق الصدمة، تكون قد نجحت في إيصال هدفها. وهي إن كانت قد انقسمت إلي أجزاء بحسب عدد الليالي التي أكملت خلالها شهرزاد سردها أما شهريار، فإنما لغرض التشويق والإمتاع. وما دمنا بصدد الإشارة إلي إمتاع المتلقي-المستمع والقارئ معا، فإنّ حكاية تودد تمتعهما من حيث أنها تخاطب العقل قبل العاطفة. وهي ميزة ما دامت الحكاية حول العقل الأنثوي. بيد أنّ هذا لن يتحقق إلا للقارئ القادر علي اكتشاف دلالات اللغة، وما تفي إليه. أي أنّ البنية التركيبية للغة، بما تفضي إليها من أبعاد نفسية واجتماعية ومعرفية، ستكون أحد أسباب النجاح الذي نعنيه. إننا علي سبيل المثال، لا بدّ أن نري التحدي الكبير الذي علي الجارية أن تخوضه عندما نسمع هارون الرشيد يقول للرجال المستعدين لملاقاتها: أريد منكم أن تناظروا هذه الجارية في أمر دينها ، وأن تدحضوا حججها في كل ما ادّعته.

الحكاية والمناظرة

وما يستوقفنا هنا من قول الرشيد قبل بداية المناظرة، سوف يستوقفنا نقيضه في نهايتها. في بداية الحكاية استخدم الرشيد مفردة الجارية للإشارة إلي "تودد"، لكنه في نهايتها، يتخلي عن ذلك الأسلوب الجاف فيقول"يا تودد تمنّي عليّ". إنّ هذا التبدل في اختيار المفردة ، إنما يدل علي أنّ من وصفها بالجارية قبل المناظرة، ثم خاطبها باسمها بعد انتهائها، له دلالة كبيرة. ولو افترضنا أنّ الجارية لم تستطع تحقيق الغلبة، فإنّ موقف الرشيد منها سيظل كما هو. إنها ما دامت قد استطاعت إبراز تفوقها علي مجموعة العلماء والأطباء والحكماء والفلاسفة، لا بدّ أن تنال إعجاب الرشيد واحترامه.

التعرية.. دلالة أخيرة

وثمة إلي جانب ما سبق، مما يجب علي المتلقي الانتباه إليه، فعل التعرية ونزع الثياب الذي تنتهي به كل مناظرة من المناظرات التي تخوضها تودد مع رجال النخبة. فإذا كان السائد أن يميل المخيال الجماعي إلي تصور الجواري في حالات اقرب إلي العري منهن إلي الاحتشام، فإنّ ما يحدث في الحكاية يخالف هذا. ولعلّ الجارية"تودد" التي كانت تطلب من الرجال عند تغلبها عليهم نزع ثيابهم في نهاية كل مناظرة، أرادت ليس فقط تأكيد تفوقها في هذه المرّة، وإنما تعريتهم، بدل أن يعروها كما تجري العادة عند تعرية الجواري، أي بمعني كشف عوراتهم العلمية والثقافية، مع ما في هذا العمل من قلب للصورة السائدة. وهذا الاستنتاج له ما يسوغه، إذ من الجائز مادامت في مناظرات، أن يطلب منها هؤلاء الرجال لو تغلبوا عليها نزع ثيابها ليس فقط لكسر عنفوانها، وإنما لإبقائها في الحيز الذي وضعها العقل الذكوري فيه.ومن هذا الذي يلفت انتباهنا عند تحليل الحكاية قولها للفقيه الأول بعد كشف عجزه في الإجابة علي ســــــــــؤال لها حول فروع الإسلام: إنزع ثيابك وأنا أفسرها لك.

اللامعقول والمجتمع

إنّ طلب " تودّد" هذا علي الرغم من أنه أقرب ما يكون إلي اللامعقول في المنظومة الاجتماعية المسلمة، يقابل ما يمكن أن نعده الحكم الذي تصدره علي خصومها في الحياة. إنّ مجري المناظرات، وما يتمخض عنه في نهاياتها، ينقل الجارية من موقع الاتهام، إلي الموقع المعاكس تماما، وهو الموقع الذي تحتل فيه كرسي القاضي الذي يصدر أحكامه بعد الحصول علي أدلة الإدانة. هذا الموقع الذي يضعها السارد فيه، هو الذي ستتمكن من خلاله، من التحول والانتقال من معني إلي آخر، أو من حالة اجتماعية إلي غيرها، تمكنها من إصدار أحكامها بعد أن ظلت مدة طويلة متلقية لأحكام الرجل. ولعلّ الأمر المدهش في الصراع كله، أنّ الرشيد يكون قد أذعن لها، بل إنه يكون قد وضع نفسه في موقع المأمور الذي ينفذ أوامرها:فسّريه-يقصد فروع الإسلام- وأنا أنزع لك ما عليه من ثياب.

هكذا فإنّ ما تنتهي إليه مناظراتها من انتصار عقلها، سوف يترك صدي قويا، ليس عند شهريار المتلقي الأول للحكاية وحده، وإنما عند الرشيد أيضا قبل أن يقرر شراءها أم لا. وهو الصدي الذي ستشتد قوته مع تعرية الرجال، وإسقاط سلطتهم الهزيلة، وإعلاء سلطة العقل الذي تمتلك الجارية أعظمه بجدارة الأنثي التي برهنت أنّ القضبان التي وضعها العقل الذكوري بينها وهمية، وأنها ضعيفة لا تمكنها مقاومة حركتها. وستزداد حدّة هذا الصدي أيضا، بعد أن يطلب منها الرشيد أن تتمني عليه (يا تودد تمنّي عليّ) حتي يحقق لها أمنيتها.وهي والحق يقال، عندما اختارت العودة إلي سيدها ومولاها أبي الحسن(تمنيت عليك أن تردني إلي سيدي الذي باعني)، تكون قد قدمت درسا لا ينساه إلا الرجل الهزيل، الذي يظن أن النساء بائعات هوي، وأنهن قليلات عقل لا يعرفن غير التبعية.

 

يوسف يوسف / بغداد


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri