حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

البياتي تلك الريح النائمة

حزن عراقي معتق يستحضر هامشاً من التاريخ يمتد من كر بلاء حيث أجواء الطغيان الأموي، يشق فضاء شارع يخترق منطقة - السيدة زينب في ريف دمشق - هتاف هو الرثاء للحسين بن علي - ذاك الذي صار رمزاً إسلاميا عربياً يمد خيمة المأساة في أرجاء الكون ويحمل مشعلاً أزليا تتخطفه أيدي الثوار وكما قال البياتي لي ونحن نجتاز تلك المواكب " هذا هو العراق بحزنه الدائم منذ اقدم العصور كما لو أن الأقدار ألبسته طقس الآلهة والحياة بشكل مهيب، في حزن العراق تجد ولادة التاريخ وديمومة الحياة جنباً إلى جنب " ثم أنشد شعراً يتطابق مع الموقف والحالة التي نتابعها:

لما ضربت في الكوفة أعناق الثوار

وتناهبها السفاحون

ولاة الأمصار..

من ذاك الجرح الغائر إلى الأعماق ينتسب الشعر العراقي الممزوج بالمعاناة والألم والحزن السرمدي، ضفاف من البكاء الصامت أو الاحتجاج الذي يخترق حاجز الصوت نحو السقف المقدس، الثقافة العراقية بهذا التفرد الجميل الذي تتشكل فيه قيم كبيرة تلقي بظلها العميق على طبيعة التكوين للشخصية التي تؤثر بشكل ريادي في حركة المجتمع تحديداً في جوانب المواجهة مع الظلم والفساد وصولا إلى مفاصل الإبداع في الفنون والمعرفة والثقافة، ومن تلك الإشارات نلمس عمق التأثير الذي تركته الرموز الكبيرة في حاضر أمة العراق ومن تلك الرموز وقفة بطل كر بلاء من اجل الحق والتشبث بالمبادئ، قال البياتي مرة أخرى ونحن نتابع غيمة حزن سوداء تمتد في عمق الرؤيا تثير الشجن وتفجر الدمع " أعادتني هذه الجموع الحزينة الصارخة في وجه الظلم إلى فترة الطفولة، إلى منطقة " باب الشيخ " كنت أتابع مشاهدة لتمثيل مأساة مصرع الحسين في حضور شعبي، وفي تأثير يتجاوز تأثير وسائل الإعلام الحالية مع الفرق بالإمكانات، تلك المشاهدة هي التي ربطتني بعمق وقوة إلى مفردات التراث العربي الإسلامي وجعلتني احدد موقفي من محطات كثيرة " كنت استمع إلى البياتي بعقل مفتوح وأحرص على المشاركة معه بجمل مكثفة جداً لكي تبقى بوابات هذا اللقاء التاريخي مفتوحة على مصراعيها ونبحر من خلالها إلى اغلب الشواطئ ونقلب الأفكار ونرسم شكلاً مختلفاً لتلك المنصات التي تجاوزناها، خزائن البياتي فتحت لي في زمن أمتد عشرة ساعات متواصلة من المحاورة والنقاش، وقد قال لي بإعجاب كبير " ستكتب عني ما لا أقرأه في سطور الآخرين، هذه الأسئلة التي تنبع من ثقافة غزيرة وعميقة، سترسم صورة أخرى عن عبد الوهاب البياتي " أربع سنوات مضت وأنا أتقلب بين المشاكل والهموم

وضيق الوقت وانشغالي بالدراسة، حتى أقتحم مكتبي عبد الوهاب البياتي طيفاً ودوداً حاورني وقد رآني تجمدت في مكاني يتوزعني الخجل والفرح والتساؤل، حرص أن يقول لي أن هذا اللقاء لا علاقة له بالماضي : "تجولت في دارك وتصفحت رفوف مكتبتك الكبيرة، الجوّ هنا في تكساس أكثر برودة من ذاك الذي كان في السيدة زينب، تذكرت أشياء لم اقلها في ذلك اللقاء سأقولها وأنصرف " كان ذلك بعد ليلة واحدة من لحظة اتخاذ قرار الشروع في كتابة دراسة نقدية موثقة عن البياتي وشعره المتميز.

لقاء وسيرة ذاتية

في العام 1926 ولد شاعر الشعب " عبد الوهاب البياتي " في الرصافة من بغداد، وفي أحد الأحياء الشعبية منها - تسمى " باب الشيخ " وهي المنطقة القريبة من ضريح " الشيخ عبد القادر الكيلاني " منطقة شعبية مزدحمة بالسكان الذين أغلبهم من العمال والكسبة ويشكلون في الغالب قاعدة المهمات التي تتحرك بها دوائر الدولة من سعاة وفراشين وسواق وموظفين صغار كالكتبة وأيضا الباعة المتجولون في الدروب والحراس الليليين والعمال المهرة في مجال الميكانيك وورش إصلاح المعدات والمكائن، تلك المناطق الشعبية التي تشكل عوالم مدينة بغداد وجدت البياتي في ذلك الحوار الطويل دائم الحنين أليها، حدثني عن أدق التفاصيل في أيام حياته القديمة، قال بحسرة كبيرة " بغداد بدأت تتغير يخيل لي أحيانا أنني لا اعرفها " تلك المدينة القديمة التي يعبق السحر والخيال في أجوائها يراها البياتي تتعرض للتغيير، والهاجس هنا يرتبط بتلك العلاقات الوشيجة المستمدة من المحبة والآلفة والحنان والتكافل الاجتماعي التي بدأت تتلاشى أو يشوبها عامل التشويه.... بغداد التي بناها " أبو جعفر المنصور " أرادها الشعراء والفلاسفة والكتاب والعلماء ورجال السياسة أن تكون فضاءاً للخير والمحبة والإبداع، شيدت لتكون وعاءاً للفعل الإنساني – يقول عنها:

أم الدنيا بغداد،

بناها المنصور لتصبح عاصمة الألم الخلاق

وفد الشعراء أليها من بعد المنصور

فباسوا تربتها

سكبوا فوق ظفائرها خمراً

حتى صارت بستاناً ومزاراً لطيور البحر

وبدو الصحراء

من كان يحج أليها ينسى مجنوناً بالعشق حبيبته الأولى،

ينسى مفتاح الدار، ويموت شهيداً فيها سكران،

خلبت لب معري النعمان، وظل يردد بغداد

كانت أحلى امرأة، وستبقى أحلى الحلوات..

أن حركة التغيير التي طالت بغداد لم تشمل الجوانب العمرانية بل امتدت بخبث كبير إلى هدم وقطع الشرايين الاجتماعية وتغيير الروابط الإنسانية إلى علاقات قسرية تشبه إلى حد كبير الذي جرى في مجمعات الاعتقال "

الفروق واضحة لدى المفكر والشاعر والكاتب عن تلك الحالة أو الممارسة المصحوبة بالهاجس السياسي الأمني الذي يصادر الحرية لكي يستمر بالبقاء في هرم السلطة، هناك بناء عمراني أحدث تغييراً في بعض المناطق ولكن هل نرى بدقة حجم الخراب الذي رافق ذلك، والذي أستهدف تكوينات الإنسان النفسية والأخلاقية والفكرية، ووضع القيم الموروثة لسكان المدينة تحت سطوة حثالة جاءت من قرى مجهولة ليس لها قيم فكرية أو موروث حضاري أو أخلاقي " هناك فرق كبير بين المدينة التي تعرفها وتحفظ تفاصيلها وتشع في جوانحك منها السمات الإنسانية ولك فيها ذكريات يتشكل منها تكوينك الإبداعي، وناس من لحم ودم ولهم وميض النجوم يشكلون على المدى شخوصك في العمل المنجز/ قصة / شعر / رواية / لوحة/ مسرحية / دراسة هدفها التوثيق، أولئك الذين يحيطون بنوافذ الفكر تحبهم وتحب المدينة التي يتحركون في دروبها " في اعتراف صريح ينبع من مرجل الألم، يرى البياتي مدينته الحبيبة قد تحولت إلى مكب نفايات بشرية، تتحرك فيها مخلوقات تشبه العناكب والوطاويط مسخ يتوالد في فجوات الظلام أفواه قذرة تمتص الدماء وتثير أفعال الشر وتزرع بدلا من أوراد الياسمين والرازقي أشجارا ً من الحقد الأسود المدمر، وترفع الستار كل يوم عن فصول مسرحيات رديئة وهزيلة تدمي الضمائر والعيون " منذ أن أمسكت بخيوط المأساة التي تنسج في حواري ودروب مدينتي رأيتها تحولت إلى رمز شرير، وقفت بوضوح ضدها، ورأيت أن بغداد العظيمة تشهد تحولاً سيئاً، تحولت إلى مدينة شريرة تجلب المأساة والفواجع لأبنائها، كانت مدينة الحقيقة وتحولت في هذا الزمن الرديء إلى مدينة تدور الأكاذيب في جنباتها، الإنسان العراقي العظيم بنى هذه المدينة لتكون وعاءاً يلبي احتياجاته المادية والروحية، ولكنها الآن مشروع حطام يجب أن نقاومه، هي حمامة وادعة رائعة لكن الأوغاد سملوا عينيها وعلينا أن نعيد أليها البصر والبصيرة ":

لون عينيك وميض البرق في أسوار بابل

ومرايا ومشاعل،وشعوب وقبائل

غزت العالم لما كشفت بابل أسرار النجوم

لون عينيك سهوب حطمت فيها جيوش الفقراء

عالم السطوة والإرهاب باسم الكلمة

وغزت أرض الأساطير وشطآن العصور المظلمة

طفلة أنتي وأنثى واعدة

ولدت من زبد البحر ومن نار الشموس الخالدة

كلما ماتت بعصر، بعثت قامت من الموت

وعادت للظهور

أنت عنقاء الحضارات وأنثى سارق النيران

في كل العصور..

 

ريادة الشعر العربي

خمس عقود من الزمن المنصرم يتأمل البياتي تفاصيلها ليس غاضباً أو حزيناً ولا يشعر بالخجل من تلك التفاصيل أو المواجهات التي تنتظم فيها مع أطراف كثيرة من بينها رموز سلطوية، يحدثني وهو يبحر بزورق الذاكرة مستعرضاً تلك المحطات دون تردد وبعين عراقية ثاقبة يقلب تلك التجربة التي رهن أعوام حياته من أجلها، لم تكن لدى الشاعر فلسفة واضحة عن تلك المحاولات التي تمثل النتاج الشعري الذي يكتبه أو يقوله، ولكنه يعترف بسعادة غامرة أن تلك البداية التي غلفها غبش ضبابي كانت تحركها عاصفة الحماسة " قناعتي كانت تؤكد لحظة اختياري لطريق الشعر، أهدافي كانت هي الأخرى ذات تصور محدود وشخصي وتستطيع أن تقول ذاتي إلى أبعد الحدود، كتابة الشعر عندي ربما كانت رغبة عارضة كما لو أنها تنسجم مع البحث عن الذات وعن الشهرة في مرحلة الشباب، ولكنها استطاعت أن تأخذني إلى مملكة الشعر وتحتجز أعوام حياتي اللاحقة رهينة في عالم لا تدرك حدوده وأبعاده، بصدق أقول: لقد ظلت روحي تكافح للإفلات من أطواق تلك القيود غير المرئية، ولكني تعبت من تكرار المحاولة وعندما أيقنت أن الشعر صار قدر عبد الوهاب البياتي، بدأت أبحث عن الجوهر في تلك العوالم الجميلة وجدتها تمتلك رؤى والغاز وأساطير تأخذني حيث النهايات البعيدة، ومن خلال التكرار والمتابعة والجهد المثابر والتنافس أحياناً وارتفاع حساسية الوعي في الكتابة بدء ثمة شيء يتبلور لقد أصبحت قريب جداً من جوهر الشعر، وأثبت هنا ما لم أقوله من قبل، للشعر ينابيع صافية يطوف حولها الشعراء ويرتوون منها، تلك الينابيع تشابه الجنة الموصوفة في الكتب السماوية أو هي أكثر بكثير " لقد استطاع الشعر أن يطرد من جوانب النفس كل شيء ذاتي بعد فواصل اختبار يتجدد كل يوم، أستبدل عبد الوهاب البياتي همومه الذاتية الصغيرة بهموم أكبر وأنتظم مع رفوف التغيير والتعارض ووجد في أحضان أبناء العراق الفردوس المفقود، تبنى المشاريع والأحلام المشروعة وجاهر بها، ودفع ثمن تلك المجاهرة وذاك التعارض مع الموقف السياسي الذي وجده ضاغطاً نحو حالة التهميش والهيمنة والتدمير " اكتشفت علامات وأثاراً كثيرة تدلني على طريق الشعر، أن جوهر الحياة وأصالتها دائماً يتجلى في حالات الشعر وفضاءه، الشعر يماثل جمال الحياة وصفاء وهدوء الطبيعة، والوجد في الحب الإلهي الإنسانيوكذلك التوهج في الثورة ذات الأهداف النقية، كل تلك الأشياء يكتشفها الشاعر في عملية البحث والتقصي لتفاصيل الحياة ومن بينها الشعر، الذي يتجدد كل يوم، الشاعر في هذه الحالة الإبداعية يعود بشكل دائم إلى النموذج البدائي الذي أنطلق منه وبالعكس نجد الشاعر الذي لا يأبه لهذه القاعدة ولا يعود للنموذج المقصود قد يبتعد عن تيار الشعر أو ينقطع عن الحالة الإبداعية الأصيلة ثم ينكفئ نحو النموذج الرديء عامداً إلى تقليد النتاج التقليدي الذي لا يثير أي اهتمام أو دهشة، أن ولادة الشعراء الكبار في كل المراحل الزمنية التي مرت بها البشرية وحالات الإبداع الجديد تستوجب من الشاعر فهم النموذج البدئي والانطلاق منه والعودة أليه في المراحل اللاحقة لمقارنة خطوات الإنجاز " البياتي في هذا التوصيف المتقدم كثيراً على رؤية النقاد الذين حاولوا الوصول إلى نقاط القوة والضعف لديه ولكنهم كما يرى هو إنهم لم يحصلوا على النجاح بل الكثير من الكتابات التي يصفها أصحابها بأنها محاولات نقدية لشعر البياتي ظلت قاصرة وبعيدة عن جوهر ما يطرحه والسبب في ذلك يعود إلى وسائل الضعف والاستهانة لدى أغلب النقاد العرب الذين كتبوا عن الشاعر كما يضيف بعداً مهما آخر هو الموقف الثقافي أو التجربة النقدية والتي لا يتمتع بها أغلب النقاد العرب ومحاولاتهم تشكل في الغالب كتابات إنشائية بعيدة كل البعد عن النقد العلمي الذي رافق نتاج شعراء في روسيا وفرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا، كما هو الحال في نتاج مايكوفسكي وإيلوار وإليوت وشكسبير، المحاولات النقدية لدينا تشكل فضاءً مستجلب يرائي أحياناً ويجامل المواقع السلطوية والسلفية ويحجب نقاط القوة في العملية النقدية " عندما يعبر الشاعر عن حالة الرفض حسب المعنى السياسي، أو حالة الحب حسب المعنى الرومانسي، أو محاولة الولوج إلى أية فكرة إنسانية، فهنا لا يمكن للشاعر المجدد أن يستعير أية حالة بشقيها المضمون أو الشكل - بما يعني بوضوح مطلق الأدوات الفكرية أو الصور التي أوجدها شعراء سابقون، بل يجب أن يعمد إلى حالة الابتكار والإبداع الجديد ضمن رؤى واعية تهدف إلى ولادة قصيدة جديدة ذات أفاق لها ما يماثلها في النموذج البدئي الذي أقصده، أيضا يستطيع أن يعود الشاعر إلى ذلك النموذج، وأنا أرى تلك العودة الواعية وغير المقلدة أو الناسخة هي التي تعطي الشاعر إمكانية المحافظة على الموقف المتجدد في دفع مسيرة الإنتاج الأدبي الجديد " لقد أهتم البياتي اهتماماً مزدوجاً في الشعر العربي وبشكل خاص القديم منه وبدقة شديدة ذاك الذي يمثل نتاج العصر العباسي، كانت له قراءة متعمقة إلى جانب رؤية نقدية تسعى إلى كشف جوانب الصنعة الشعرية، توقف طويلاً عند نتاج الشعراء الكبار من أمثال " أبو الطيب المتنبي، أبو نؤاس، البحتري، المعري، أبو تمام، وغيرهم " القراءة والقضية النقدية قادتاه إلى تحديد قضية جوهرية تتمثل في أن الشعراء السابقون وقعوا في حالة التقليد للشعراء الذين سبقوهم، ولكنهم جميعاً فيما بعد ابتعدوا عن التقليد وأنجزوا قصائد عظيمة ومهمة جلبت لهم الشهرة والتفرد " في تلك القصائد الكبيرة والمهمة والتي تعود إلى زمن ما بعد المعلقات، أرى أن الشعراء عادوا إلى حالة النموذج – البدئي - ولكي أضرب مثلاً قياسي على ذلك، أتوقف عند قصيدة أبو العلا المعري- عللا ني فأن بيض الأماني..

الخ - أنا أرى في تلك القصيدة صوراً غريبة تكاد تكون هي الأقرب إلى المفهوم السريالي، وبتقديري أيضا أن المعري كتبها بطريقة محكمة وتعتبر تلك القصيدة من الغرائب في شعر العصر العباسي، والسبب أن المعري كان كفيف البصر، لكن تلك العبقرية الكبيرة تمكنت من أعادت تشكيل الألوان وكأنه فنان تشكيلي معاصر يحاول وفق قوانين علمية أن يعيد خلق اللون من جديد " هنا تكمن عبقرية عبد الوهاب البياتي وهنا أيضا تكمن الملامح الكبيرة لناقد يتخفى في جلد شاعر، انه يطرح المفاهيم الجديدة في التشكيل النقدي ويؤكد انه توصل إلى تلك الملاحظات بعد سنوات التجربة المتواصلة في الكتابة والقراءة وسبر أغوار الشعر العربي القديم والحديث، وقد عرض أمامي ملاحظات عن قصيدة للجواهري كان قد دونها في دفتر صغير وطلب مني قراءة القصيدة ومضاهاة الموقف النقدي الذي اعتمده في ملاحظاته، كان البياتي يحرص كثيراً على تقييم الشعر الذي يقرأه للآخرين، هذا الاستنتاج المهني والمبدئي يعطي للبياتي إمكانية تحديد الكشف على نتاج الشعراء الآخرين ومعرفة أية نماذج " بدئية " اعتمدوا عليها في محاولاتهم الإبداعية وكيفية الوصول إلى تفسيرها، والبياتي في مداخلاته وردوده على مجموع الأسئلة التي كنت أحاصره بها للوصول إلى تأكيد تعريف واضح لتلك القضية يؤكد على الجانب الفطري،أو استعدادات الشخصية أو البذور الأولى للموهبة قبل رفع الستار عنها " النموذج البدئي ليس حالة مستعصية أو مستحيلة، هو غرس موجود في الإنسان قبل أن يولد، كما في المخلوقات البيئية التي تقدم النموذج المرادف أيضا -الذي يشكل في النهاية - النموذج البدئي ".

يتوغل في قلبك حزن الليل الأسبانيُ

وثلج الغابات الروسية تسقط من فوق الكرسي مريضا

تأكلك الحمى، تصرخ لكن الصرخات تضيع هباءً

النجدة، إنسان يحترق الآن وحيداً في غرقته

يتشبث في الحبر وفي الأوراق

بخارى بمآذنها الزرقاء تصلي للأنهار الوحشية في أعماق الليل

وتتلو آيات زرا دشت الأشجارُ

ربيع ُ شعوب يولد من حبات القمح

وأنت تصلي للشعب المأخوذ العاري

من حد الماء إلى حد الماء..

يصف الشاعر عبد الوهاب البياتي بداياته الشعرية بكل تواضع شأنه في ذلك شأن الكبار الذين عندما يتحدثون يثيرون الدهشة والإعجاب الممزوج بالعلم والمعرفة وفي أقصى حالات الوعي، قال : " بما أنك ستنشر هذا الحديث ذات يوم، فأني أحرص أن أصف لك بدقة ما يراودني من شعور حقيقي حول بداياتي في نظم الشعر، تلك البدايات كنت فيها أشبه - بسمكة صغيرة - تتعلم السباحة فطرياً في ساقية صغيرة جداً لكنها تبحث عن نهر تجرب السباحة فيه ثم عن بحر فيما بعد، هذا هو كما أرى التشبيه المناسب لوصف بدايات عبد الوهاب البياتي في الشعر " رسالة واضحة للأجيال من بعده لكي لا تتردد، هنا يكسر البياتي حاجز الخوف ويعطي لفعل الإنسان حالة كبيرة مضيئة يرافقها الأمل والحلم، في غير موعده جاء البياتي فارضاً نفسه كواحد من أكبر الرواد البارزين المتحدثين باسم جيل المدرسة الجديدة في الشعر العربي، ينتمي إلى جيل عراقي أجاد نظم أنواع من الشعر الحر، كانت تلك الأنواع متميزة جداً في نوعيتها وغير مع رفاقه تغييراً عميقاً محتوى وأغراض الشعر الغنائي، كما أنه نجح أيضاً في توجيه الشعر العربي بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة عبر مسالك تجديدية متنوعة، أنه يمثل جيل الخمسينات الحماسي الذي أحتدم النقاش حوله، شعر نازك والسياب والبياتي وشعراء آخرون جاءوا فيما بعد، ذاك الشعر القوي يمثل مرحلة النهوض بشكل أساسي ترك بصمته الكبيرة في جوانب وفضاءات الأدب العربي وله تأثيرات ستكون كبيرة جداً في الأدب العالمي عندما تأخذ الترجمة مداها الصحيح، في موقف آخر يرى البياتي الشعر كما لو كان طقساً دينياً، كان يدرك منذ طفولته أن الحياة قد نذرته لشيء غامض، لا يعرف ما هو ولكنه بانتظار أن يدركه ويكتشف كنهه " نشأت في بيئة دينية تؤمن بالكرامات وبالتحولات في كل يوم كان يلج حياتي سؤال غريب لم أكن أعرف تفسيراً له، ذاك السؤال يدفعني للتفكير في الخلق والحياة وأسرار أخرى، كنت على الدوام أنتظر شيئاً ما، لهذا تعودت مراقبة وجودي، تلك المراقبة كانت تدفعني إلى أحضان الليل الأسود المخيف برموزه ثم إلى شطئآن النهار، كانت رحلة على شكل دوامة مخيفة ينتشر في فضائها التعب والتفكير وزحام الأسئلة الغريبة، رحلتي كانت متعبة فعلاً ومخيفة -الصعوبة في الأمر انك تترقب حصول شيء ما يغير كيانك وحياتك ولكنك لا تعرف متى سيحصل، متى يرفع الستار عن تلك المعجزة التي ستكشف الأسرار التي تشغل الذهن والبصر، عندما كان الليل يسدل سدوله كنت أشعر بخوف كبير أرى في فجوات الليل مجرات على شكل دوائر تمتد نحوي وتسحبني إلى البعيد حتى أصبح نقطة صغيرة تتلاشى في تلك المجرات الوهمية البعيدة، كنت أشعر بالرعب كثيراً عندما أفكر بالموت، كانت فكرة الموت تمثل لي حالة التلاشي، ينحسر الظلام و تفارقني تلك الكوابيس والرؤى عندما تشرق الشمس من جديد عندها أشعر أن الحياة بدأت دورتها مرة أخرى ".

رأيته يلعب بالقلوب والياقوت

رأيته يموت،

قميصه ملطخ بالدود

وخنجر في قلبه وخيط عنكبوت،

يلتف حول نايه المحطم الصموت،

وقمر أخضر في عيونه،

يغيب عبر شرفات الليل والبيوت،

وهو على قارعة الطريق،

في سكينة يموت….

ليس من اليسير أبدا الكتابة عن عبد الوهاب البياتي،إذا كانت الكتابة تسعى إلى تأكيد صورة مختصرة في فصل في كتاب عن ذاك الشاعر الأسطورة، الذي كان يعيد علينا بقامته المديدة كل بهاء أساطير العراق وفجوات الظلم والظلام، كان طائرا يحلق في فلوات الوطن ساعيا إلى حملنا فوق جناحيه حيث مدار المستقبل يلوح في نور عينيه،وهو علم خفاق من أعلام العراق، ظل صامدا كالطود في وجه قوى الردة والطغيان والهمجية، هو سفر العراق ومحطة المنافي و عذاباتها، حفظنا قصائده عندما كنا نجلس صغارا على مقاعد الدراسة لا نعرف عن فضاء الوطن سوى مجموعة أبيات نرددها في وتثير فينا حماسة لا حدود لها:

الليل، والباب المضاء، وأصدقائي الميتون

بلا وجوه، يحلمون

بالفجر، والحمى وصناع الظلام

يتاجرون بما تبقى من سموم:

"كل الدروب- هنا - إلى روما تؤدي

والذئاب

تسطو على من لا كلاب له " وسفاكو الدماء

يقامرون بما تبقى من رصيد:

"لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى

حتى تراق على جوانبه الدماء"

والشارع المهجور والقتلى واقنية المياه

والريح والدم والمداخن والهوام

من سطوة الإرهاب تزحف في الوحول

محمومة، عمياء، تزحف في الوحول

والأصدقاء الميتون من المصانع والحقول

كمياه نهر هائج يتدفقون

ويهتفون:

بموت سفاكي الدماء

وسقوط صنّاع الظلام…

عندما تقرأ قصيدة من قصائده العديدة تشعر بقوة هذا البياتي وعنفوان روحه وهو يمتد ناشرا أشرعته في المدار الوطني فارضا بقوة تواجده "كبلبل عراقي" جرحته النوائب ظل يواصل الغناء الأبدي لينتج شعرا عراقيا معجونا بتراب الأرض السمراء وهموم أبناءها، كا لقنديل يتوهج ليطرد موجات "الوطاويط" التي تسد منافذ النور، وإذا بدأت حوارا معه لا تحتاج إلى مشقة أو مراسيم للولوج إلى عمق أفكاره، وإذا حركت وترا من أوتار قيثارته العظيمة وجدته يتدفق كشلال "على بك".. لا تكفي أية كتابة عن وصف هذا الأنموذج الرافدي، هو كتاب "بغدادي" يختصر جميع الأزمنة العراقية في بيت من الشعر، في عمان من العام 1993 في وزارة الثقافة كان لقائي الأول به، وكنت وقتها انشر مقالات ثقافية في مجلة الفنون الصادرة عن الوزارة، وأنت تحاوره حتى في مواقف الاختلاف معك يقودك بسمو أخلاق وشفافية رائعة ويهديك كلاما منثورا فيه من الحكمة البسيطة والعميقة ما يجعلك تظل مشدودا إليه كما لو كنت تنظر إلى قامة "جبل حصار وست" في المنفى الثاني وكنت قد وصلت إلى الشام بعد أسبوع تقابلنا على الرصيف قرب مبنى المحطة القديمة، جلسنا في مقهى قريب من المحطة، وكان مسرورا يتحدث عن مقالاتي التي كان يتابعها في جريدة الثورة والأسبوع الأدبي واستفسر عن قصة سرقت الفصل الأول من كتابي اتجاهات حديثة في المسرح العالمي من قبل أحد الكتاب السوريون وكانت الثورة وتشرين والأسبوع الأدبي والآداب الأجنبية وجريدة المعارضة العراقية "الوفاق" قد نشرت جميعها تنويهات عن سرقة كتابي، ثم فتح حقيبة صغيرة وأهداني ثلاث نسخ مصورة عن ثلاث قصائد جديدة، بعد ذلك دخلنا في مجرة الهموم الكبيرة، وجدته في ذلك اللقاء الذي حصل عند مشارف العام 1998 مهموما تلفه هالة من الكآبة عيناه تشرد نحو صور تحاصره، لكنه كما قال عنه أحد الكتاب العرب: "البياتي بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس"….

الشعر والمنفى

الكثير من كتاب النقد للشعر العربي وضعوا شعر عبد الوهاب البياتي في مقدمة الشعر الحديث، كما اعتبروا ديوانه الموسوم" أباريق مهشمة " والذي صدر في العام 1954 البداية الحقيقية للشعر الحديث وكان البياتي قد نشر قصائده في مجلات معروفة وذات انتشار جيد، مثل الآداب والأديب الصادرتان في لبنان ومجلة الثقافة المصرية، وكما ذكر لي البياتي فإن قصائده الأولى كانت موضع ترحيب من قبل القراء وكذلك رؤساء تحرير المجلات والصحف التي كانت تطالبه بالمزيد، والبياتي يرى تلك الفترة بفترة "الموات" أو كما كانت غابة من الهشيم تنتظر سهما من النار المقدسة وكان ذاك السهم يطلق على أيدي ثلاثة شعراء عمالقة هم الملائكة والسياب والبياتي، كان في مجمل قصائده التي تحاكي بغداد الخالده يراها مقترنة مسيرتها بالفاصل التاريخي وإمداداته التي تنبع منها القصص والأساطير، كان يرى فيها صورة الليل الذي يتكاثف ظلامه فلا ترى فيه العين سوى السواد الذي لانهاية له، وهو يربط الواقع بالرمز وكل استعارة تأخذ لديه منحى صحيح، في ليل البياتي تبحر زوارق الأحلام داخل أقبية من الصمت وهو يرفض أن تكون بغداد كما هي بل يريدها موقعا أو مدينة للنجوم في فضاء من السحر داخل خريطة الزمان العربي الصاعد نحو الفجر، يستخدم كل الرموز القديمة والمعاصرة لكي تصبح بغداد بوابة للحلم بين المدن البعيدة والقريبة، يتخيل تجميع الصور التراثية القديمة من خلال البعد الزماني ويتيح لها فضاءا تتطور فيه لترسم صورة بغداد الجديدة ممزوجة بتجاربه المتشابكة كمن يسير في زورق إلى جوار ضفاف الواقع نجد ذلك واضحا في تشكيلاته الصورية المشحون بها ديوانه الموسوم" الكتابة على الطين " عندما يغادر دائرة الغناء ببغداد القديمة، بل هو يعمد إلى تصور موتها ويرثيها ويبحث عن ومضة زمنية تبعث فيها بغداد المثالية الصالحة لحياة البشر المحكومة بالفلسفة والحكمة والحب، هو يعترف في تصريحاته الإعلامية: " أن المدينة - بغداد - أخذت تتغير، المدينة التي أعرفها صارت تتغير، كانت عوالمها تغرق في المحبة والتآلف، كانت مبنية لكي يعيش فيها الناس، تغيرت خريطتها، هنا أجد ثمة فرقا كبيرا بين المدينة الإنسانية التي توجد لك فيها ذكريات وآثار وأناس محبون، والمدينة الحديث التي هي مكان للغرباء " على أساس ذاك الفهم هو يرى بغداد المستحدثة نموذجا شريرا أقيم على أنقاض بغداد التي كانت مدينة للإنسانية، تلك المدينة التي كان من أسباب وجودها الأزلي تلبية احتياجات الإنسان المادية والروحية، البياتي يخاصم بوضوح شديد المدن الحديثة المصنوعة لغايات بعيدة عن جوهر التصور الذي تطوف فيه القصائد ومدارك الحلم والشعور، بغداد الحاضرة لا تنتج الأساطير ولا يعبق منها عبير أنساني ولا ترى فيها حافات التصوف، بل هي مدينة منكوبة كما لو تحولت إلى مدينة أشباح تتجول فيها المردة والشياطين وتسوم أهلها اشد أنواع الخسف والعذاب وفي قصيدته المسماة "الكابوس" يقول البياتي :

شبح يطارد في الظلام مؤلف " الرجل الصغير "

يتشمم الكتب القديمة في رفوف المكتبات

في ساحة السعدون

أو سوق السراي

ويعود مخذولا إلى المقهى

فلا يجد الآلي

بالأمس طاردهم

فقد طاروا كأسراب الطيور

إلى المنافي

لم يعد صيد وفير، فالسجون أو القبور

تكتظ بالباقين

هاهو كرنفال الموت بعد رحيلهم

في أوجه

بغداد صارت ذئبة عمياء

يخشاها الجميع

من بعد أن سقطت على أيدي الغزاة

القادمين من الكهوف

ومن بيوت العنكبوت

بصقوا بدجلة

دنسوا أمواجه العذراء

واحتلوا الضفاف

بغداد في مرآتها الأخرى وتحت حصارهم

أم عجوز ترتدي الأسمال

تبكي في الخفاء

وتنام جائعة، لتحلم:

انه الكابوس

داهمها

فصاحت من هناك:

لاشيء غير الريح تعبث في القمامة

أو خطا شبح يطارد في الظلام

مؤلف الرجل الصغير…

يزدحم ديوان "كتاب المراثي " بالتصور الذي تعمق لدى البياتي عن أسوار المنفى وعذابا ته القاسية، وهو يكشف في فلسفة وطنية إنسانية شفافة عن سقوط تلك الجدران التي كانت قائمة بين المنفى والوطن الصغير، ويعلن بوضوح ودون تردد وبجرأة لا حدود لها أن جميع الأوطان تساوت في مرحلة السقوط وكلها صارت منافي، بينما صار المنفى هو الوطن الذي يبحث عنه الإنسان، وكيف صار الإنسان الرافض والقانع أيضا كريشة في مهب الريح لا يدري أين يقيم هل الوطن منفى أم المنفى وطن ؟

البياتي الوطني العراقي المستقل<

في مقابلة منشورة في جريدة الأسبوع الأدبي الصادرة في دمشق عن اتحاد الكتاب العرب العدد (590) يجيب البياتي عن سؤال يتعلق بسحب الجنسية منه، يقول :" هذا الموضوع طواه النسيان، وهو أمر انتهى ولم يعد له أهمية، ففي العالم العربي هناك زوابع تقوم وتضمحل، والشاعر لا تؤثر فيه هذه المواقف ولا غيرها، كنت أعيش في أسبانيا ورجعت إلى بغداد لفترة قصيرة وفي أثناء ذلك احتل العراق الكويت.. وقبل حرب الخليج كانت ابنتي المتزوجة في أميركا قد توفيت فاضطررت للسفر إلى العراق، أثناء وجودي في أميركا حدثت حرب الخليج، فبقيت في أميركا ستة أشهر، وكانت الحرب قد انتهت، فجئت إلى الأردن في عام 1991 وأقمت هناك، قريبا من الوطن، في الوطن القراء يحبونني ويقرءون ما أكتب، فأنا موجود معهم وهم موجودون معي رغم الحدود والمسافات، ربما كانت حياتي قائمة في الخمسينات أو الستينات ووصلت إلى مرحلة لم اعد أفكر في مثل هذه الأشياء أو أعيرها أهمية خاصة وأني لست سياسيا لا انتمي إلى أي حزب سياسي أو أي فئة، فأنا مستقل لدي وجهة نظر في السياسة ولكنها وجهة نظر مستقلة تماما" وفي قصيدته المهدأة إلى الشاعر " بلند الحيدري " يقول:

ننجو من الموت إلى الموت

ويسدل الستار في صمت

حديقة الشتاء في عريها

" قديسة " قلت لها: "أنت "

صمدت في وجه رياح البكى

وخانك النهر وما خنت

كان شتاء موحشا قاسيا

من بعده الربيع لم يأت

البشر الفانون كانوا هنا

وأنت في منفاهم كنت

صرخت من بئر شقائي، دمي

في ذلك اليباب أهدرت

الحارس المتعب في كوخه

أشعل مصباح الدجى الزيتي

في موته عاصر أسلافنا

وقال للأحفاد ما قلت

دجلة والفرات فاضا دما

من ألف ألف حيثما شئت

" سومر "قلبي تحت أنقاضها

قيثارة دفنتها أنت

تناهب الطغاة تأريخها

وتوجوا بالدم والمقت

كل المراثي في سماواتها

تناثرت في مدن الموت

في الوطن المنفى نزفنا دما

فما الذي في الغيب خبأت؟

قلت لها بالرغم ما بيننا

أنت التي أحبها أنت

يقول البياتي في مقابلة صحافية أخرى: "من يتأمل المذابح والحروب والأنظمة والديكتاتوريات في العالم الآن والهجرات الجماعية التي تجري في أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وضياع الإنسان، كل هذه تشيء بعالم جديد

يسوده الخراب والهيمنة الكبرى من الدول الاستعمارية خاصة، والهيمنة الأحادية من أمريكا، العالم مقبل على كوارث كبيرة جدا ذلك لأن القوى المهيمنة قوى غير عاقلة، يهمها الاستحواذ والسرقة، سرقة ثروات البشر وحياتهم..

والبياتي يرسم صورة عن الوضع السياسي والاجتماعي الموجود حاليا في العراق، وهو يتحدث في ذات المقابلة عن ممر يفضي إلى همومه مستذكرا الحالة الذهنية والنفسية التي ولدتها الأوضاع التي يرزح تحت وطأتها العراق، يقول عن ذلك :" كنت في السنوات الأخيرة عندما أذهب إلى الوطن في زيارة أحس بأنني محاصر بالمكان، كأن لا مكان، لا نني كنت أجد أن الوطن قد احترق، احتله غرباء أجلاف متخلفون، أناس لا يمكن أن يظهروا حتى في العصر الحجري، ما بالك في نهاية القرن العشرين، تلك كارثة كبرى، أن الاسافل والمتخلفون هم الذين يحكمون العراق، ثمة دكتاتور مثقف- وهذا لا يبرر دكتاتوريته طبعا، ولكن الكارثة عندما يحكمك دكتاتور جاهل أكثر تخلفا من العصر الحجري،أنا لم أر بغداد عندما غزاها المغول، ولكن- لاشك أنها تشبه تلك الحالة، لقد تغيرت المشاهد والديكور، لكن الشر ازداد أكثر والبؤس أزداد أكثر، لقد طمس وجه بغداد الحسن بالدم..

في قصيدته" العباس بن الأحنف - الحب المستحيل " يقول:

نورت حانات بغداد

فمن يفتح لي الباب

فعباس وحيد ومريض

خائفا اغمض عينيه:

رأى جارية ترقص في الكأس

فناداها:

أأنت الوردة الحمراء في نهر الجنون؟

أي نخاس ترى باعك للشيطان

في سوق الرقيق؟

أنت لي وحدي، هنا، الآن

أعريك من الإرث السماوي

ومن ميراث خانات المغول

فأرقصي سيدة لليل في الكأس

وعودي لبخارى وسمرقند

وصحراء متاهات الوجود

طفلة تلعب في بستانها

تقطف أزهار النجوم

وأنا أنهض من موتي

ومن حانات بغداد

ومن مستنقع العيش الذليل

حاملا حزن المغنين السكارى

ووصايا الفقراء المعدمين

خائفا أغمض عينيه

رأى البرق اليماني يضيء الكأس

في أعقابه

قرع طبول

أنها بغداد تستيقظ من موت إلى موت ومن حاناتها

يخرج حفارو القبور

والصعاليك وأشباح اللصوص

شاحبا عباس في أعقابهم

يشعل قنديل الحنين

باحثا في الكأس عن جارية أخرى

أما من رقصة في ذلك الليل الطويل..؟

أظلمت حانات بغداد

فلا جدوى

فعباس من الحب يموت

البحث عن الحرية

كما يروي البياتي فهو من البداية متفرغ للشعر، نذر عمره ووجوده لذلك النور الذي يغازل عينيه و لا يراه سواه، وهو الذي يقول أمام الجميع مدونا اجمل اعترافاته " لم يشغلني عن الشعر شيء في حياتي على الإطلاق، بعض الناس يبحث عن المال أو الوظيفة أو الجاه، بينما البياتي صار عالمه وهاجسه في كل لحظة يجتازها كيف يكتب قصيدة جديدة يرفع فيها مكانة الشعر العراقي إلى قمة جديدة، حتى انه لم يعيش في العراق أكثر من ثلث حياته، أكثر من أربعين عاما عاشها متنقلا في المنفى العربي والأجنبي، كان يريد العيش بحرية، لأن القصيدة لديه تمثل الحرية الأعظم لديه وهي كما يقول " تتجاوز الحرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كان يحس أن هناك عوائق كثيرة ستحاصره إذا ظل مقيما في العراق لأنه سيخضع للشروط القسرية التي يخضع لها الإنسان في كل يوم في ظل نظام يستلب من الإنسان كل شيء ويحوله إلى بهيمة، لقد منحت المنافي شاعر العراق الكبير المناضل عبد الوهاب البياتي الحرية الكاملة وتخلص من ذاك التلوث الذي طال البيئة في أبعادها الروحية والمادية، يقول :" كنت دائما أرى نفسي أحلق وأطير باستمرار خارج جاذبية الأشياء العابرة والتافهة " في قصيدة كتبها تكريما لشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري لمناسبة عيد ميلاده وهي بعنوان " ماذا أسميك ":

في سنوات الضوء والبؤس

وجدت في مرآته نفسي

خرجت من معطفه يافعا

لأحمل الشمس إلى الشمس

قلت له: يا أبت هاهنا

يعتنق السهمان في القوس

شعرك كان الزاد والماء في

عراقنا الطاعن في الحبس

تعاقب الطغاة في نفيه

بين الغد المجهول والأمس

تساقطوا وافترسوا بعضهم

بعضا، وكانوا شارة النحس

هل غادر العراق عشاقه

واستوحشت مرابع الأنس

دجلة ما زال على عهده

محصنا بمدن البؤس

ماذا اسميك وأنت المدى

وطائر العاصفة القدسي

 

د. شاكر الحاج مخلف

رئيس تحرير جريدة المدار الأدبي - الولايات المتحدة

 

* فصل من كتاب عن الشاعر الكبير ينشر في ذكرى رحيله

((البياتي تلك الريح النائمة))

عنوان من اختيار مشرف الموقع أسعد الجبوري.


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri