
فياض
خميس
الشاعر
الكوبيّ العربيّ الذي بقي شاعراً
في زمن ما
عاد فيه أحدٌ يقرأ ما سُمّي في مرحلة من المراحل بالأدبِ الاجتماعي،
يجدُ المرءُ أنّه حين يقرأُ هذا الأدبَ يشعرُ بحنينٍ إلى زمنٍ
مضى، وكان جميلاً، حنين إلى زمن كان الإنسان يملك فيه متسعاً
من الوقت كي يحلمَ ويُحاولَ أن يبني عوالِمَهُ على قدِّ حلمه.
إنّه زمن تعدّدية مضى، زمن لم يستطع الأمريكي اليانكي فيه
أن يمنع الناس من السعي باتجاه الحلم، وباتجاه تحقيق إنسانية
الإنسان. لكنّ اليانكي تآمر عليه وأسقطه فصار باستطاعته الآن
أن يُصادر أحلامَ الناس وتعدّديتهم. أن يقول لهم، كما في المراحل
البطريركية، ما عليهم أن يفعلوا وما عليهم ألاّ يفعلوا لكن
هذه المرّة على مستوى العالم.
من هنا ومن
أجل مقاومة الدكتاتورية العالمية، التي تُسمّي نفسها اليوم
بالعالم الحرّ، ولا تملك من الحريّة غير قدرتها حتى الآن على
مصادرة حرّية الآخرين، علينا أن نعودَ إلى الأدبِ الاجتماعي،
إلى شعر الخمسينات والستينات من القرن المنصرم، وأن نؤسِّس
لأدب اجتماعيّ جديد، قادر على أن يكون كونياً، ينقل الصوت
المخنوق للأفراد والشعوب. ومن هنا أيضاً تأتي أهمية قراءة
كُتَّابٍ جذورهم تمتدّ بين القارات، من أمثال فيّاض خميس،
الشاعر الكوبي الذي كنّا قد قدّمناه في مختارات شعرية أخرى
في أعداد سابقة من الآداب الأجنبية (63 ـ 64 للعام 1990) ونعود
لنقدّمه في هذا العدد أيضاً، شعوراً منا بالحاجة الماسّة إليه.
إنّه العربيّ الذي هاجر أبوه إلى أمريكا وهو يحلم بالحرّية
والمال، فلم يحقّق إلا السعي الحثيث للحصول على الحريّة والعمل
بجهدٍ لسدّ كفاف العيش، ولم يحصل على المال بمعنى الثروة،
لأنّه كان يبحث عنه من تعبه والتعب يُتعب ولا يأتي بالثروة،
فبقي الأبُ يجلسُ أمام بيته كما في بلده الأم، يعزف على نايه،
يتذكّر الوادي والراعي في التلال التي غنّتها فيروز، هذه هي
ذكريات أصدقائه عنه. وجاء ابنه فيّاض على قدّ هذا الواقع،
لم يحلم بأن يكون أكثر مما حلم أن يكونه الآخرون، لذلك بقي
شاعراً، حتى مات وكان موته قصيدة لم تُكتب بعد.
(أنا هنا)
أنا هنا
أتعلّم الولادةَ
من كلّ سنبلةٍ
تولدُ.
هنا يوماً
بعد يوم
في الدهشةِ
أرى جدراناً
ترتفع لأجل من لم يكن عندهم
مكان يبكون
فيه،
أرى كيف تمتلئ
الحقول بالألوان،
بالرجال يدندنون
ويعملون،
بأطفال ثيابهم
نظيفة، يتعلّمون القراءةَ
بين يدي الوطن.
أنا هُنا
كحجرٍ بين
حجارة أخرى،
كشجرة أخرى،
نهرٍ آخر،
كجرّارٍ آخر،
كزحمة أحلام
أخرى.
رجل بين الرجال
الذين يزرعون
نجوم
المستقبل.
ـ نجوم الكانَيْ
صحيح ما يقوله
الأطفال:
في الكانَيْ
الأرضُ تكادُ تكون برتقاليةً
والنجومُ شديدةَ
الزرقة
وأكثرَ انخفاضاً.
صحيح أنّه
صار باستطاعتنا، يوماً بعد يوم،
أن نتعلّمَ،
بهدوء،
بين الجدران
الناصعة،
كيفَ عاشَ
وناضلَ
أبطالُ الوطن،
ونعرفَ حقيقةَ
الأشياء
التي كانت
تُلفّ
في ورق داكن
كيلا يُدركَها
النور.
كلّ الحقيقة
عن "الطيِّبين" و"الأشرار"،
الطيبين الذين
لم يكونوا طيّبين تماماً،
و"الأشرار"
الذين لم يكونوا أحياناً "أشراراً" تماماً،
عن الذين كانوا
مغمورين
في عمق الفاقة،
ولم يكونوا
طيّبين ولا أشراراً،
بل كانوا بشراً
يعملون.
كان الأطفالُ
على حقٍّ:
في الكانَيْ،
في الجزيرة
كلّها
النجومُ أخفضُ
والراياتُ
أعلى
وكوباً كلّها
تزهر وتزدهر.
مناجم الفريّو،
8 أيلول 1960.
ـ الشعر
على الشعر
أن يصنعه الجميع
لوِترمون
جميعنا معاً
نصنعُ الشعر
من كلِّ شجرةٍ
تُغرس في شارعٍ،
من كلِّ جدارٍ
يرتفع ليحمي
حلمَ منبوذٍ.
من كلِّ قطرةِ
عرقٍ فلاّح
ينظر بعينٍ،
دموعها داكنة،
إلى التراب
الذي طالما رآه يُعاني؛
من كلّ نصرٍ
جديدٍ
يولدُ الشعرُ
الرحبُ،
الملتهبُ والخصيبُ،
مع صوتِ الأرضِ
التي تُشَقُّ،
المحراثِ الذي
يشقّها،
الحارثِ الذي
يغني تحت الشمس.
شعرٌ يكتبُهُ
الجميع،
في النهرِ
والورشة،
في البيتِ
والجبل،
على حدِّ المديةِ،
في عيني الطفلِ
وهو يتعلم القراءةَ،
في يديَّ تتعلّمان
الكتابةَ
في قلبِ الجميع
يتعلمون
أنَّ العيشَ
ممكن دون عذاب.
هافانا، 30
تموز 1960.
ـ قصيدة في
مناجم إلْـ فرِيُّو
تُمطِرُ
ينقرُ المطرُ
على سطح التوتياء
من النافذة
تدخلُ رائحةُ ترابٍ حلوة؛
يتحدّث المقاتلون
عن الحربِ،
عن موتِ ثيرو
رِدوندوا، عن ابتسامة كاميلو،
عن الأقدام
المهشّمة بين الصخور والجوع،
يتحدّث المقاتلون
عن فيدِلْ،
عن غيفارا،
عن ألْمِيدا،
عن راؤول،
وعن أسماء
أخرى من الشعب،
عمَّن لم يكن
لهم اسم إلاّ في المعركة،
بين الدمِ
وترابِ مانيغوا؛
وسقطوا على
وجوههم في الغبار.
مقاتل يقرأ
كتاباً لجون ريد،
أعرته له توّاً،
ويتحرّك في
سريره.
تنبح الكلابُ
أحياناً
ليحلو ليلُ
الريحِ والمطر.
جميعنا نصمتُ
ونحكي في آنٍ معاً.
وأنا ربّما
أردتُ أن أسمع أكثر من اللازم،
لكنّ الجميع
يتكلّمون ويحكون في الأعماق، أكثر من اللازم بقليل،
لأنّ كثيراً
من الأشياء التي عاشوها في الجبال
مُصغين إلى
خرير الجداول ونشيد الرصاص،
مستنشقين رائحة
ثمرة الخوبو،
كثير من تلك
الأشياء لا يمكن روايتها
لأنّها ما
عادت إلاّ تراباً،
شجراً،
ذكرى باهتة،
جسراً،
مدارسَ،
عجوزاً يبتسمُ،
أو طريقاً
يصل إلى قلب الجبل المعتم،
"كنّا نمضي
أحياناً مُغَنِّين تحت المطر،
لا تهمّنا
الجراحُ في الأقدام،
ولا الجوعُ،
جميعاً كنا
متحابين، أخوةً"
فجأة وإذا
بنتفه من سحابةٍ،
تصل حتى الأسرّة،
وتتحلّل مع
الدخان
في السقف،
بينما المطر
يصدح
وقصيدتي تكبر
على الورق
"لو اضطررتُ
أن أعود لأقاتل
لقاتلتُ ألفَ
مرّة ومرّة،
ولأطلقتُ الرصاصَ
باستمرار
على أعداء
الوطن،
أعداء الداخل
والخارج"
تُمطِرُ
والمطر ينقر
على سطح التوتياء؛
من النافذة
تدخل رائحةُ تراب حلوة،
وفي الغرفة
تفوحُ رائحةُ دخان الثورة.
ـ هذه ليست
رسالة
يا أصدقائي
في البعيد:
هذه ليست رسالة
بل قطعة من
جزيرة
صعب كتابة
الرسالة
خاصّة حين
تكبرُ النجومُ ليلاً
ويدوّي في
الدم
أحبُّ الأصواتِ
إلينا،
لا أدري كيف
أبدأُ،
فالأشياء تبدأ
دائماً بسيطةً كالبرعم.
أسمعُ دقات
الساعة في الغرفة الأخرى،
والشاحنات
تهزُّ
جدرانَ بيتي.
كان النهار
قصيراً للغايةِ
لأنني لم أعمل
كثيراً
(جميعاً هنا
نتعلّمُ
أن نُحبّ الحياةَ
في العمل أكثر وأكثر)
دخان سيجارتي
يرتفع بطيئاً في الليل
والنسمة تقترب
بطيئة منّي،
محمّلةً برائحة
الأرضِ.
فأنا أعيش
بعيداً عن الأرض،
بالأحرى أعيش
في الإسمنت،
أو في ضجيج
المدينة المشبع بالغبار
وفي الأرض
تنمو الآن ريح حرّة،
والريح الحرّة
في المدينة تجرف الرذالة
نحو أعماق
الليل.
(أكتبُ فأحسّ
برزانة كلماتي حتى أعماقي
فهي تعيشُ
رزانةَ لبّ الثورة
ملفوفةً بالرايات
الغاضبة)
هنا قلتُه
وهنا أقولُه،
يا أصدقائي
البعيدين عن هذه الجزيرة
الجميلة مثل
نار هائلة
تنتصر على
الفقر.
فالأشياء تبدأُ
دائماً بسيطةً كالبرعم،
حين تنفلق
البذرة.
تتضاعفُ الكتبُ
بجانبي،
الأشجارُ تملأُ
المدينةَ
والريفُ يمتلئ
رويداً رويداً
بالأشياء القوية
والمزهرة.
لم أعرف قط
كيف أكتبُ رسالةً
وهاأنا الآن
أقولُ أشياءَ غير منسجمة.
يكاد يوجدُ
فوقي نافذتان مفتوحتان،
وأسمع بعض
الأصوات.
الحياة تحلو
وتزدادُ عمقاً،
تصبحُ جميلة
وهامسة مثل نهر.
لا أحد يستطيع
أن يدمِّر ما بنيناهُ،
فنحن مُتَّحِدون
بقوّة،
مستيقظون وسعداء
بقوّة.
لا أعرف ما
أقول أكثر من ذلك،
هذا كلّ شيء
اليوم
النجوم الزرقاء
تملأ نافذتي،
ورائحة التراب
تملأ المكان،
وإلى اللقاء!
ـ بيوتنا
على العشبِ
بين الأشجار،
في الحقل والقرى،
أو في غبار
المدينة
تنهضُ بيوتُنا
جدراناً للسلام
نوافِذَ للنجوم
حدائقَ لأطفال
يرتدون المستقبلَ،
بيوتاً لمن
عاشوا دائماً في ظلّ اليأس،
بيوتاً لمرق
الأيتام البارد،
بيوتاً لرفات
المنسيين،
للمتصببين
عرقاً، للحالمين،
بيوتاً لمن
لم يملكوا نوافذ أخرى
غير فراغِ
أيّامٍ بلا خبز،
بيوتاً لمن
لم يعرفوا سقفاً غير المطر،
بيوتاً لمن
تمزّقت أيديهم،
وأنفاسُهم
وهم يبنون القصورَ للطغاة،
بيوتاً لمن
لم يؤمنوا قط بأن من الممكن أن يوجدَ جدارٌ صلد ونظيف،
بيوتاً لأماسٍ
يُمزّق فيها الأطفال الصحفَ،
وللقهوة والأرض
تعبقُ بالفرح،
بيوتاً أشادتها
سواعدُ البنّائين من فكر وطوب،
بيوتاً لبنّائي
الحياة الجديدة.
ـ السفن
في خليج هافانا
في موانئ الجزيرة
الزرقاء والرنانة،
تدخلُ السفنُ
المحمّلة بالأشياء والصداقة؛
أجلس برهة
لأتأمل أثر مخورها،
لأقرأَ أسماءها،
البسيطةَ والغريبةَ
منعكسةً في
الماء
المرتعشِ تحت
المساءِ؛
أجلس برهةً
لأعلمَ أنّني لستُ وحدي،
وأنَّ أشجاراً
وبشراً،
نوافذَ ونفطاً،
آلاتٍ وأمواجاً
ومداخنَ،
نجوماً ومزيداً
من البشر
يحيطون بي.
هنا على جدار
الممر البحري،
في خليج هافانا
الملتهب،
أرى كيف تأتي
السفن من البعيد القصي
ترسو في هذه
المياه،
التي تكادُ
تكون دمي.
أجلس برهة
لأصغي إلى ضجيج
الشاحنات التي
توزّع النفطَ والصداقةَ
من حيّ إلى
حيّ.
هنا على جدار
هذا الممر البحري،
حيث تتكسّرُ
الأمواجُ أحياناً،
وتبلّلُ قميصيَ
الأبيضَ سلاماً
وحريّة.
تقديم وترجمة:
رفعت عطفة