
قبل أن تصبح كارثة ظاهرة تسكُّع الأدباء: بطالة وهموم أم أمل واحتجاج؟
لنطرح سؤالاً قبل أن نجيب، هل تسكع الأديب أو المثقف حالة اختيارية أم أن بطالته تدفع به إلى التسكع اضطراراً؟ هل التسكع صعلكة، كحالة انتماء للرصيف، للناس، للهامش، للحياة؟ القضية شائكة، لعلي أتحدث عن الشعراء الصعاليك، وهم أصوات العدالة والحرية الناصعة، يقدمون العدل على التحرر. أصواتهم عميقة قد بحت لطول صراخهم.
ألا ترى عروة بن الورد يقول:
افرق جسمي في جسوم كثيرة
وأحسو قراح الماء والماء بارد
الصعلوك يطارد الحق، ليحقق المساواة. وهنا علينا أن نقرأ ظاهرة الصعلكة في بؤرتها الأولى، وجذورها في الشعر القديم، عند المهلهل، السموأل، الشنفرى وعروة، والصعاليك الأوائل، ونتصل بحلقة معاصرة، حلقة (عبد الأمير الحصيري، حسين مردان، جان دمو) وهم من صعاليك الحداثة الأولى، وإذا استفضت ترى صعاليكنا الجدد، صعاليك الحداثة القريبة (كزار حنتوش، حسن النواب، حسين علي يونس، عقيل علي، صباح العزاوي، هادي السيد.. الخ) هؤلاء بحثوا عن العدالة والمساواة والحرية المطلقة و المستحيلة، أما ما تسميه بالتسكع فهو يصدر عن عجز وغياب الإرادة، الشاعر العميق القوي لا يتسكع بلا هدف ولا أمل.. التسكع انعكاس للعطل والكسل.
بؤس المقاهي
الناقد علي دنيف حسن تحدث عن هذه الظاهرة فقال: يرتبط التسكع في المقاهي والجلوس فيها لساعات طويلة بعلاقات قسرية مع طبيعة العمل الثقافي في هذه البلاد أصلاً، فللمقاهي جوانبها الوظيفية في هذا المجال أذكر منها: بحثنا الدائم عن أصدقائنا الذين ابتلاهم الله بتعاطي الثقافة في بلد لا يقدر المثقفين أبدا : المشاركة في الجدل العقيم الذي لم يصل إلى ضفاف الحقيقة ولا مرة واحدة : من أجل أن نرسل أعمالنا الكتابية إلى الصحف التي بات الوصول إليها تتخلله بعض الصعوبة فضلاً عن أسباب كثيرة منها الهروب من مشاكسات أطفالنا والانقطاعات الأزلية للكهرباء، وضيق منازلنا، وطلبات زوجاتنا الجنونية كل هذه الأسباب وغيرها تشكل عجينة هلامية شديدة اللزوجة تشد أرجلنا إلى بؤس المقاهي ودخانها الخانق وضجيج أحاديثها وعنفوان آمالها الضائعة، حتى بات الواحد منا لا يغادر المقهى إلا إلى مقهى آخر. واعتقد أن المقهى يمثل لي قديساً علي الاعتراف أمامه يومياً برغباتي وطموحاتي وخيباتي العديدة والمتكررة لعلي أحصل على متعة الصفح عن نفسي أولاً، واعتقد كذلك بأن انتشار مقاهي العصر الحديث "الإنترنت" وتوفر فرص عمل لائقة سيكسر لعنة التسكع في المقاهي مستقبلاً.
العزلة المرادفة
وقال الناقد المسرحي جبار حسين صبري: تنشطر الإجابة إلى شطرين: الأول التسكع بوصفه ظاهرة إيجابية، معنى ذلك أن عيني المثقف وخطواته تتناسب طرداً مع إحالات الأشياء والموجودات إلى تمظهرات تضفي طابعاً إيجابياً في التأثير والتأثر، وذلك له فوائد يشتغل بها، ليضع غزلاً عاماً للإنسانية وفق منظورات جلها تأتي من مراحل تسكعه ذاتاً وعنوانا وصفة لا يمكن إلا فرضها كأي طائر لا يحط بقدمه على غصن أو عمود كهرباء، وشطر ثان هو التسكع بوصفه ظاهرة سلبية، ويمكن جمع تماهيات المثقف العراقي في مجال التسكع مع انطباعاته ومريداته ومؤثراته كلها قد طوقت تجربته في مغاليق من الجوع وتخوم الفراغ وبطالة العمر وشظف العيش وغيرها من مواد جعلته يترنح تحت مسامات جافة وأشعة لشمس باهتة تفعل فيه أدوار السراب وتضيع جهده باستمرار، فينزوي في طامات الخرائب والنسيان، ومرد هذا التسكع في شقه الأخير يعود إلى أسباب أهمها: إنه دائماً يفرغ بعده التأريخي أو الحضاري داخل الدوائر المحيطة به التي تؤدلجه باتجاه أن يكون آلة عابرة في خضم صراعات سياسية بحتة. إضافة إلى العزلة، وهي عزلة تؤسسها مدارات المجتمع برمته.
هذه التموضعات داخل النرجسية للمثقف تمثل إحدى الانتكاسات والانحدارات باتجاه التسكع، فتبدو هذه الأسباب محط تفاعلات لكل مثقف، لذا فهو وإن كانت أصابع تنهش في بطانته من حيث يعلم أو لا يعلم إلا إنه وبشكل ما طرح من تضاد معلن أشبه بعمليات رفض واستنكار يقدمها لكي تكون قربانه الأكثر حرارة في براكين وهزالة التسكع وجوداً وفعلاً في مدارات حضارته الثقافية أو ثقافته الإنسانية.
أسباب قهرية
ويطرح القاص قاسم حسين موزان رأيه فيقول: ما من مثقف واع يمتطي صهوة جواد جامح معصوب العينين على طرق وعرة وتنزلق قدماه إلى قاع المدينة المهين، دون أن تكون هناك أسباب موضوعية قهرية ورغبات مكبوتة تقف وراء انزلاقه وفقده حالة التوزان النفسي والمادي والتيه في عوالم غريبة مطلقة.. ويصبح الأمر أكثر إيلاماً وأشد وطأة عندما يكون التسكع مادة للتندر والاستخفاف به وبمنجزه الإبداعي من أقرب المعارف وربما يكون صاحب الفضل في تطوير قابليات كثيرة للآخرين للانطلاق إلى عالم الشهرة والأضواء.
وأنا أكتب، تحضرني صور مأساوية لمتسكعين كثر يجلسون على أعتاب مقهى الشابندر ومقاهي باب المعظم التي تعج بهم، يقعدون القرفصاء متكورين على أنفسهم ناكسين رؤوسهم خجلاً من فرط الإساءات والعوز المزمن الذي زامنهم طويلاً، ملابسهم رثة حتى تحسبهم متسولين يطلبون الصدقات من المارة ومن المحسنين أو كلمات رثاء رقيقة تعيد إليهم بعضاً من حاجة المحبة ومطرقة الاضطهاد وسندان الواقع المؤلم الذي آلت إليه الأحداث، وهؤلاء المتسكعون يعرفهم الوسط الثقافي جيداً وعما قريب سيتوارون عن الأنظار كما يتوارى الطائر مودعاً جنائن آدم الخضر.
أشعر بأسى كبير وأنا أرى جمعاً من المبدعين يقعون في فخاخ الصعلكة والتشرد بعدما أغرتهم المدينة ببريقها وأضوائها وأدبائها، فطاروا إليها على أجنحة أحلامهم الوردية مودعين مدنهم العاجزة عن استيعاب نشاطهم وإبداعهم ونزقهم فوجدوا المدينة تقوم على بحر هائج من الهموم والاضطراب والمعاناة. ويزداد قلقي على آخرين سيلقون المصير نفسه ويضيع نتاجهم الإبداعي كما ضاع شعر الراحل عبد الأمير الحصيري في لحظة تمرد عنيف مر بها شاعرنا الجميل وقيل وقتها أن نهر دجلة ابتلع أشعاره وربما أتلفها السراق.
الذات المدجنة
الكاتب عبد الرزاق حسين النداوي تحدث قائلاً: إذا كان المقصود بالمثقف كل من له علاقة بالثقافة والمعرفة استهلاكاً وإنتاجاً فإن ذلك يقترب وفق هذا الوصف والتعريف بالمبدع كاحتراف لهذا المنجز.
ووفق سايكولوجية الإبداع والتأسيس تشكل لدى المبدع سمات ترسم شخصيته، يمكننا من هذا أن نحدد العلاقة السلوكية بين بعض المبدعين وظاهرة التسكع. فالمعروف أن المبدع يبحث عن أجواء غير تقليدية تتيح معها شبكة علاقات اجتماعية، سايكلوجية، تأملية، ترفع به إلى حالة من التأثير لصياغة موقف جمالي يعيه ويدركه، وإن السلوك الإبداعي يترجم هذه اللحظات الجمالية بالكشف عن رؤى وأبعاد الأمر الذي يلزمه لأن يكون أكثر اقتراباً من تلك اللحظات التي تنشغل بما هو مادي اعتباري يؤسس لحياة الرفاهية، وهذا ما يمكن إدراكه من القيم باعتبارها قيماً مبدعة للواقع، ونتيجة للضغوطات النفسية والاقتصادية والمهنية التي يواجهها المثقف يومياً في هذه الظروف الصعبة، يجد نفسه منزوياً مع ذاته وأقرانه بخلق عالم خاص من سماته الرفض والاحتجاج على مؤسسات الثقافة الرسمية والتقليدية بوصفها حسب زعمه شبكات علاقات ثقافية لا تنتج إلا ما هو مطلوب تسويقاً ومقايضة.
الاغتراب
الصحفي ثائر القيسي تحدث عن هذه الظاهرة قائلاً: التسكع بالنسبة للأديب يعني إيقافاً لنمو التطور والارتقاء في شخصيته الأدبية ليس بمفهوم التواصل مع ملكاته الفكرية بقدر ما يتعلق بما هو داعم لهذا التواصل إلا وهو المتكأ الاقتصادي والوظيفي الضامن لاستمرار تلك الملكيات، إذ يمكن عد الإحساس الناجم عن الفراغ الذي يحدثه التسكع الطويل في المقاهي نوعاً من أنواع الضمور الذي يصيب الحركة والنشاط وبالتالي يحيلان التوثب إلى خدر في مفاصل العقل والجسد على حد سواء.
إذن كيف يمكن للأدب أن يتطور ويتصل بمفاصل الحياة الاجتماعية؟ فيما الأدب لدينا يتقهقر في ذوات تكبلها الفراغات وتحكمها اللا جدوى على نحو ما تفرزه اللامبالاة للمؤسسة الثقافية والاجتماعية، وتتجاوزه كل الترسبات الأدبية لكي تضع قصديات الآخر في حلقة مفرغة في وجوده كإنسان له متطلبات أساسية لوجوده في أقل تقدير بل تجعله في أضيق زاوية من الاغتراب عن واقعه الذي لا يطاق بالمرة بل وحتى الاغتراب عن ذاته.
الوجود اليومي
القاص داود سلمان الكعبي قال إن: مسألة وجود المثقف في المقاهي وجوداً مملاً هي حالة غير صحية وإذا ما استمر بذلك فسوف تحدث كارثة ثقافية كون المثقف شريحة واعية في المجتمع، وهذا التسكع لم يأت اعتباطياً، بل جاء نتيجة ظروف وملابسات يمر بها البلد في خضم الصراعات ومن حالة الفوضى التي أحدثها الاحتلال. وهذه الحالة مقصودة، كون المثقف هو المعيار الحقيقي الذي ينظر إليه الجميع بعين الاعتبار، لأن سلاحه الثقافة والمعرفة، ولا يمكن أن تصمد أمامه أي قوة في العالم إلا وهو الفكر النافذ الذي يحمله.
فهل يمكن معالجة الوضع بطريقة صحيحة تقينا شر الأمراض الفتاكة باستعادة الوعي الجمعي لعموم الأدباء بعلاج لا مناص منه، هذا اللقاح الواقي الذي أشرنا إليه هو انتشاله من هذا الواقع المؤلم الذي يعيشه يومياً، فمتى تتوفر له مقومات الحياة أو ديمومة التواصل مع الإبداع بتوفير العمل إنقاذاً له من شر سرطان البطالة القاتلة.؟!
سأم الكراسي الكسولة
واختتم الحديث القاص عبد الكريم حسن مراد قائلاً: من منا يحب أو يرغب في أن يعيش حالة الضياع ويستهوي التسكع على تلك الكراسي الكسولة التي ملت جلوسنا عليها كثيراً منذ الصباح الباكر حتى حلول المساء بكآبته المرة ولأيام طوال إن لم تكن هناك ثمة أسباب كثيرة وراء ذلك. فالمثقف العراقي الذي حمل نتاجاته ورؤاه كان هو الضحية المسلوخة الجلد بأفواه السلطة السياسية المبادة بالعقود الماضية التي أكلت الجلد وكسرت العظم، لأنها كانت تتخوف من الأديب الحقيقي بطروحاته ورفضه الدائم لأي شكل من الاستعباد والتصفيق لأنه يدين التسلط الأيديولوجي البوليسي من قبلهم على الساحة الثقافية، وحين كنا نرفض مهرجانات الطاغية بالمشاركة بأعياده الكثيرة، كانت تؤشر ضدناعلامات استفهام كثيرة، فاستخدموا سياسة التهميش والتغييب والإقصاء لأدباء كثيرين وحاولوا شلهم تماماً فهربوا خارج الوطن، فاضطر بعض الأدباء للنشر في صحف المهجر بل حاربوه مادياً ومعنوياً ونفسياً، لما وجدوا أن المثقف الحقيقي هو الرافض دوماً للعمل تحت الوصاية الأيديولوجية وخيمتهم السوداء لذلك نجد في الرواية العراقية بالذات أن البطل "المثقف" هو الذي يختار التسكع مرغماً وذلك خلاصاً من الواقع الذي يعيشه هروباً من الإذلال له. لأنه ينفلت من التطبيل والتزمير مع جوقة المنتفعين على طاولة الطاغية مع المداحين الصغار والكبار. وبعد التغيير الذي حدث بالبلد استبشرنا خيراً بالخلاص لكن هذه الفترة لم تحقق للمثقف ما يصبو إليه فقد تغير النظام، لكن المؤسسة الثقافية لم تتغير وتلك مشكلة كبيرة لأنهم حتى الآن لم يسألوا عن الوضع الثقافي في البلد وسط هذا الخضم من الخراب الذي تركه النظام السابق، فمتى يجد الأديب العراقي المؤسسة الفاعلة التي ترعاه وتستوعب همومه الحقيقية؟ لست متشائماً من طول الانتظار والتسكع اليومي على الكراسي التي تكسرت من همومنا الثقيلة والتي جعلت من بعضهم طرشاناً وعمياناً وخرساناً. فإني أرى هناك بصيص أمل أعيشه بذكراه على غد جديد يرسم الآفاق برؤية جديدة تعيد للأدب العراقي وهجه الحقيقي، ذلك الأمل الذي ننتظره جميعاً بعد غياب طويل.
استطلاع: جلال حسن